الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » اليمن.. والتسعون يوماً الحاسمة..؟!

اليمن.. والتسعون يوماً الحاسمة..؟!

جاءت «المبادرة الخليجية»، التي رعاها واستضاف حفل التوقيع عليها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قصره بالعاصمة (الرياض) مساء يوم الأربعاء قبل الماضي (23 نوفمبر 2011م).. بـ»أفضل» مما كان متوقعاً على كل المستويات السياسية، خاصة عند من كانوا يسيئون الظن – من العرب.. بداية، وبعض اليمنيين.. نهاية

– بـ»مقدرة» المنظومة الخليجية في التصدي لـ «معضلة» متشابكة معقدة من هذا العيار السياسي الثقيل: تتنازعها (الفئوية) والقبلية.. وتتناحر حولها الأطماع الحزبية، والدعاوى الانفصالية.. أمام متمسكين بـ (شرعية دستورية) يمثلون أكثر من نصف جموع الشعب اليمني، لتفاجئ تفاصيل آليات تنفيذ المبادرة التي تم الإعلان عنها في حفل التوقيع نفسه.. الجميع، عندما أعطت – إجمالاً – كل ذي حق حقه..

وبدت كما لو أنها، وكما قال عنها (سيد علي) مؤسس ما يسمى بتكتل دعم ثورة اليمن بالقاهرة (وقفت على مسافة واحدة من جميع الأشقاء في اليمن)!! إذ أحسب أن هذا التموضع في الوقفة بـ «التساوي» بين (الأطراف).. قد أحسن قراءته (صناع) المعضلة اليمنية من أحزاب «اللقاء المشترك»، و»حراك الجنوب»، و»الحوثيين» وغيرهم..

حيث وجدوا فيه (استجابة) لأقصى ما كانوا يتمنونه أمام حزب حاكم يستند إلى «شرعية» دستورية، وأدوار تاريخية مفصلية في قيام (الوحدة) بين شطري اليمن، وفي الدفاع عنها.. بل وفي نشره لـ «التنمية» الشاملة في ربوع اليمن – منفرداً أو متحداً مع حزبي الإصلاح أو الاشتراكي – رغم محدودية الإمكانيات اليمنية، وضعف مصادرها غير الخافية على القاصي والداني..

إلا أن آخر مشاهدها – الذي أحسب أنه ما يزال عالقاً بأذهان ملايين اليمنيين والعرب بحد سواء – هو في تلك الاستضافة اليمنية الرائعة المبهرة لـ (دورة كأس خليجي 20) بلاعبيها وإدارييها وطواقمها الفنية والجماهير العربية والخليجية التي صحبتها في عاصمة اليمن الشتوية (عدن) في شهر نوفمبر من العام الماضي..

حيث ظهرت مدينة البحار والشواطئ اللا متناهية (عدن) عروساً بحق: بشوارعها وميادينها وفنادقها ومراكزها.. بل ومطاعمها ومقاهيها وكازينوهاتها الليلية الساهرة على شاطئ البحر.

* * *

إن كل هذا يعلمه وينكره صناع الأزمة أو «المعضلة اليمنية».. بل ويعلمون ما هو أهم منه «يقيناً»، بأن «المعضلة اليمنية».. بدأت قبل شهور طويلة في بعض جوانبها، وسنوات أطول في بعضها الآخر..

من انطلاقة نسائم (الربيع العربي) أو (قاطرته) من تونس إلى «القاهرة».. بـ»معارضات» أحزاب اللقاء المشترك ومحاولات فرضها لما تريد ورفضها لما لا تريد، وبخروج (حراك الجنوب) بدعاوى الردة والانفصال عن (الوحدة) التي سقاها يمنيو الشمال والجنوب بدمائهم حتى قامت، والتي كانت تدار معركتها بـ (الريموت كونترول): من (لندن) حيناً ومن (فيينا) حيناً آخر، وبـ «حروب الحوثيين» الستة التي كانت تخفت وتعلو إلى أن فتحوا الأبواب للتدخلات الخارجية المثيرة، لتأتي مليونيات (ميدان التحرير) القاهرية، وفوضى الفضائيات التلفزيونية.. بـ (الدروس الملهمة) لصناع (المعضلة اليمنية)..

في التحول فجأة إلى (ميدان جامعة صنعاء) في محاولة لجعله موازياً مكانياً وسياسياً – رغم الفارق الشاسع بين مطالب «التحرير» الوطنية والقومية الهامة.. ومطالب «ميدان جامعة صنعاء» الإقليمية المتهافتة -، إذ إن الهدف الأسمى لهؤلاء..

كان كسب تلك الفضائيات المسعورة، واهتمامات الرأي العام العالمي.. لما يجري في صنعاء وتعز، لعلهم يفوزون في النهاية بمبدأ (حماية المدنيين) الذي تم صكه على عجل في أروقة مجلس الأمن، وتصديره لأصحاب الأصوات العالية في تلك الفضائيات، الذي تتولاه جيوش حلف الأطلسي الصديقة للعرب (!!) بأعلى درجات الحرص والإنسانية (!!) والحفاظ على مكتسبات الوطن.

لكن قاطرات (الربيع العربي) كانت قد فاتتهم.. ولم يستطيعوا اللحاق حتى بآخرها، لتأتي المبادرة الخليجية.. التي كان لا بد لها أن تأتي لـ (اليمن): العضو المراقب، و(المرشح) للعضوية الدائمة..

في منظومة مجلس التعاون، والبلد الذي تتأثر بأمنه واستقراره دول الجزيرة وخليجها العربي، في زمانها ومكانها، وبقيادة أكبر زعاماتها (الملك عبدالله بن عبدالعزيز).. بـ «عروبته» المعروفة وحرصه على اليمن، الذي تجلى في توقيعه على (معاهدة جدة) لترسيم الحدود السعودية اليمنية مشاركة مع الرئيس علي عبدالله صالح..

في يوليو عام 2000م، وقبل توليه سدة الحكم، وبعد خمسة وثلاثين عاماً من توقيع (اتفاقية جدة) التي جرت بين الملك فيصل والرئيس عبدالناصر في شهر أغسطس من عام 1965م.

* * *

وإذا كانت المبادرة الخليجية.. قد أحاطت بها بداية، وعند الإعلان عنها في إبريل الماضي.. ضوضاء سياسية دولية وعربية ويمنية مختلفة الرؤى والتوجهات.. بين حسن النوايا في تقديمها، وسوء القصد.. من ورائها، أو بين التعظيم لها والتشكيك فيها، فقد صب «التردد اليمني» في التوقيع عليها طوال الستة شهور الماضية..

الزيت على النار – كما يقولون – حتى بات القلق على اليمن حاضراً ومستقبلاً يستبد بعقلاء العرب عامة والمتعاطفين منهم – خاصة – مع التجربة اليمنية النضالية الشاقة طوال التسعة والأربعين عاماً الماضية التي أخرجت اليمن من عهد إلى عهد.. في ظل غياب أي مبادرات عربية أو دولية أخرى، يقابله تصعيد مستمر غير مسؤول من قبل صناع المعضلة.. إلى مشارف هلاك اليمن وشعبه بمؤيدي حكومته الشرعية ومعارضيها، ليأتي مساء الثالث والعشرين من نوفمبر..

فيتقاطر معه إلى قصر الملك عبدالله بن عبدالعزيز في الرياض.. الرئيس اليمني المتنازع معه على العامين الأخيرين من رئاسته، وأركان حزبه الحاكم وقياداته، إلى جانب صناع «المعضلة» اليمنية من قيادات «اللقاء المشترك»، و»حراك الجنوب» والحوثيين فـ «الأحمر» وجماعته الذين قدموا إلى ساحة معارضة الرئيس وحزبه مؤخراً، وارتكبوا من الأفعال ما لم يقم به سواهم في تكثيف المعضلة اليمنية وتعقيدها.. ليوقع الجميع بعد «كلمة» الملك عبدالله الهادئة الوقورة..

التي استهلها بقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} على المبادرة وآليات تنفيذها، وليتم الكشف ساعتها عن (آليات) تنفيذ المبادرة.. فيتضح حجم الجهود الضخمة التي بذلها خادم الحرمين الشريفين، وساعده عليها بقية قيادات المجلس.. حتى أمكن الوصول إلى هذه (التسوية السياسية) البارعة، التي وإن استجابت لإلحاح التغيير عند المعارضين.. إلا أنها لم تتجاوز شرعية الدستور اليمني عند المؤيدين.

* * *

ولست أريد هنا أن أستعرض ما جاء في المبادرة فقد نُشرت عبر كل الوسائل الإعلامية، وقرأها الجميع حتماً.. ولكنني سأتوقف عند أهم ما جاء في (مرحلتي) الفترة الانتقالية التي حددتها (آلية المبادرة) بعامين وثلاثة أشهر، وهي تعطي المرحلة الأولى منها..

ثلاثة أشهر لإنجاز أجندتها.. المتمثلة: (.) في تنازل الرئيس علي عبدالله صالح عن صلاحياته الرئاسية لنائبه (عبدربه هادي) مع بقائه رئيساً شرفياً لمدة تسعين يوماً دون حق له في نقض قرارات نائبه. (.) وفي تقديم المعارضة فوراً..

لمرشحها لرئاسة الوزراء في حكومة «الوفاق الوطني» التي سيتم تشكيلها مناصفة بين حزب المؤتمر الحاكم وأحزاب المعارضة مجتمعة (تم اختيارها للسيد عمر باسندوه وزير خارجية أولى حكومات دولة الوحدة). (.) وفي تقديم المعارضة والحزب الحاكم..

أسماء مرشحيهم لتقلد مناصبهم الوزارية في حكومة «الوفاق الوطني». (.) وفي تقديم صيغة الضمانات المطلوبة والتي ستمنح للرئيس ومعاونيه.. لـ «البرلمان». (.) وفي دعوة نائب الرئيس عبدربه هادي لإجراء انتخابات رئاسية توافقية مبكرة (تم تحديد موعدها من قبله في الواحد والعشرين من شهر فبراير القادم) لتنصيب عبدربه رئيساً لعامين يجري في ختامهما الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية. (.) وفي تشكيل لجنة برئاسة الرئيس المؤقت لإعادة هيكلة القوات المسلحة، وإزالة المظاهر المسلحة من الشوارع والميادين اليمنية.. وكل ذلك في تسعين يوماً!!

وهو ما يعني أن هذه التسعين يوماً القادمة، التي تمثل المرحلة الانتقالية الأولى من آليات المبادرة (من 23 نوفمبر إلى 23 فبراير)، وبهذه الأجندة المثقلة.. ستكون هي الأيام الحاسمة والصعبة في خروج الجمهورية العربية اليمنية.. من هذه (المعضلة)، التي ومهما قيل عن الطموح غير المشروع في توصيف براءة دوافعها، فإن الأكثر براءة.. في تلافيف هذا الطموح هو (الحسد) الذي قال الشاعر عنه حكمته (كل العداوات قد ترجى إزالتها – إلا عداوة من عاداك عن حسد)، إلا أن الجميع يتطلعون مع ذلك، وفي مقدمتهم أبناء الشعب اليمني.. الذين مرر حياتهم وعيشهم وقطَّع أرزاقهم وأَظْلَم ليلهم، وعطل حياتهم هذا الطموح المشروع أو غير المشروع.. في أن يلتزم الموقعون على المبادرة وآليتها بما تعهدوا به فيها، وأن لا ينسوا ما ذكرهم به (مضيفهم) الملك عبدالله.. في ختام جلستهم التاريخية لـ «التوقيع» على المبادرة وآليتها.. من كلام الله (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا)..؟

* * *

لقد كان هناك شعوران متناقضان يتملكاني.. خلال متابعتي لوقائع تلك الجلسة التاريخية العظيمة.. بحق، الأول: شعور بقصر مدة التسعين يوماً (التي ارتآها مهندسو آليات المبادرة) أمام طول أجندة الفترة الانتقالية الأولى.. نفسها، يقابلها: شعور مؤيد لمبدأ (طرق الحديد.. ساخناً) حتى لا تتفلت اللحظة، وتُفتح الآذان.. لـ «معارضات» جديدة و»دَسٍ» جديد..!!

آملاً.. وداعياً أن يتغلب «الثاني» على الأول».. وينجو اليمن وأهله وبقية منجزات التسعة والأربعين عاماً الماضية، التي لا بد وأنها كانت من بين دوافع الرئيس علي عبدالله صالح في اتخاذ مواقفه الكبيرة هذه، التي تمثل بحق أعلى درجات براجماتيته السياسية وأروعها، فقد اشترى بتنازله عن عامين من رئاسته لـ «نائبه».. حاضر اليمن ومستقبله، ودستوره و»وحدته» التي تمثل بؤبؤة العين بالنسبة له ولكفاحه من أجلها الذي لن ينسى، ولن ينساه له التاريخ.

لقد باع «رخيصاً»، واشترى «غالياً».. وذلك هو بعض الذكاء، وتلك هي بعض «الحكمة»..!!

-- صحيفة الجزيرة:عبدالله مناع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*