السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في مفهوم الإصلاح

قراءة في مفهوم الإصلاح

الإصلاح ليس عملا فرديا، بل عمل يعتمد على المشاركة، إنه همٌّ عام، وتوجه مجتمع بأكمله، ينظر له بأنه من أهم عناصر التنمية، ومن أهم واجبات المواطنة الصالحة، وجزء أساسي من منظومة عمل، ومكون أساسي من برنامج وخطة دولة

عقد مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني لقاء الخطاب الثقافي السعودي الرابع بعنوان: “الإصلاح والتطوير في المجتمع السعودي” في الفترة من 4-5/1/1433 في مدينة الرياض، وركز هذا اللقاء على أربعة محاور رئيسة: مفهوم التطوير والإصلاح في المجتمع السعودي، والدور المجتمعي لتحقيق الإصلاح والتطوير في المجتمع السعودي، والتحديات التي تواجه الإصلاح والتطوير في المجتمع السعودي، واستشراف مستقبلي للإصلاح والتطوير في المجتمع السعودي، وشارك في هذا اللقاء ما يقارب سبعين رجلاً وامرأة من مختلف الأطياف، ومختلف المستويات الثقافية، والعلمية، واقتصر أسلوب مناقشة هذه المحاور على عرض ما لدى المشاركين من آراء حول محاور اللقاء، نظرا لأن الوقت المحدد لكل مشارك لا يتعدى ثلاث دقائق، وهذا الوقت يحد من عرض المشارك لجميع ما لديه من آراء ويختصرها بشكل كبير، ولا يمكنه التعليق، أو التعقيب على ما يعرضه مشارك / أو مشاركة أخرى، وهنا أرى أنه في اللقاءات القادمة يكون عدد المشاركين أقل ليكون لديهم الوقت الكافي لعرض ومناقشة ما يرونه حول محاور اللقاء، ويكون هناك تفاعل، ونقاش، وتحاور بالمفهوم الحقيقي للحوار.

أما ما دار من عرض لمفهوم الإصلاح والتطوير في الجلسة الأولى فقد تنوعت الآراء، وكان التركيز بدرجة كبيرة على مفهوم الإصلاح لا على مفهوم التطوير، ولم يتم التوصل لمفهوم واضح ومحدد للإصلاح، فكل مشارك يعرض المفهوم الذي يراه، أو يعتقد أنه الأقرب، فمنهم من يرى الإصلاح بأنه يشمل مفاهيم التطوير، والتجديد، والتغيير، وهنا أرى أن في هذا التعريف خلط بين المفاهيم، ولا بد من التمييز بينها، وهذا الخلط يحتاج إلى إصلاح، والبعض يرى أن الإصلاح هو عملية تحقق العدالة والمساواة، وهذا من وجهة نظري مفهوم غير كامل ومبتور، وهناك من يعرف الإصلاح بأنه التعرف على الأخطاء والإخفاقات والعمل على معالجتها، وهذا المفهوم مقتصر على معرفة الأخطاء ومعالجتها، ويفتقر إلى الشمولية، وهناك من يرى أن الإصلاح هو عكس الإفساد، أو الفساد، والبعض يرى أن الإصلاح متطلب للتطوير، وهذا يعني أنهم لا يميزون بين هذين المفهومين، وما أعتقده، أو أراه ـ من وجهة نظري على الأقل ـ حيال مفهوم الإصلاح ومفهوم التطوير هو أن الإصلاح يختلف تماماً عن التطوير، ولا بد من التعامل مع كل مفهوم لوحده، وعدم الخلط بينهما، ويمكن تعريف الإصلاح بأنه تغيير أنماط أو قواعد أو أنظمة عمل أو سلوك على المستوى الفردي، أو المجتمعي أو المؤسسي بناء على تشخيص مسبق ودقيق بما يضمن معالجة شاملة لأوجه العجز أو القصور، أو الخلل، ويحقق النهوض بالمجتمع من كافة الجوانب، ويحد من الفساد، وبذلك فالإصلاح ليس عملاً فردياً، بل هو عمل يعتمد على المشاركة، فليس المصلح هو من يعمل ويفكر ويقرر وحده، بل هو من يعمل مع أفراد المجتمع ويقوم بالتفكير معهم، واتخاذ القرار بشكل جماعي بعيداً عن القرار الفردي، ومفهوم الإصلاح مفهوم شامل لكل جوانب الحياة، لا يقتصر على جانب أو جوانب ويهمل الأخرى، وهذا يؤكد على أن تحقيق الإصلاح يتطلب التنفيذ بشكل متواز لجميع المجالات التي تتطلب الإصلاح، وليس بشكل متتال أو متتابع.

وهنا أرى أن الإصلاح يتم بطريقة علمية عندما تتم مناقشة القضايا المتعلقة بمصالح المواطن، ويتم تقصي آراءه، وتحديد المشكلات التي يعاني منها ودراستها، والتوصل إلى أفضل الأساليب لمعالجتها بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، والمساواة للجميع.

كما أن مفهوم الإصلاح بحاجة إلى توحيد للمصطلحات؛ بحيث يكون مفهوم الإصلاح عند مؤسسات الدولة المختلفة هو المفهوم نفسه عند المواطن، وهذا يحتم بأن تكون الحقائق والمفاهيم والمفردات للإصلاح متشابهة لنفس المضامين، وتختلف باختلاف المضامين، ويمكن الخلوص من ذلك كله إلى أن الإصلاح همٌّ عام، وتوجه مجتمع بأكمله، وينظر له بأنه من أهم عناصر التنمية، ومن أهم واجبات المواطنة الصالحة، وجزء أساسي من منظومة عمل، ومكون أساسي من برنامج وخطة دولة.

وقد قدم خادم الحرمين الشريفين – يحفظه الله – العديد من المشروعات الإصلاحية في مجالات مختلفة منها: التعليم، والقضاء، والصحة، ومكافحة الفساد، وغيرها من المشروعات الإصلاحية التي تهدف إلى تحقيق التنمية للوطن والمواطن بمفهومها الشامل، ولكن تنفيذ بعض هذه المشروعات الإصلاحية تعثر، أو تأخر لأسباب قد تخفى على الكثير، ولا بد من إيضاحها للمواطن، فالمواطن لا يريد إصلاحاً أو محاولاتٍ إصلاحية تُقر من القيادة السياسية وتقف الجهات المسؤولة عن تنفيذها حجر عثرة في طريقها، فالمواطن يريد أفعالاً إصلاحية ملموسة، ومحسوسة على أرض الواقع، كما يرغب المواطن في أن تكون هناك إجراءات محددة وواضحة للحد من الفساد، وأن تكون عملية مكافحة الفساد مرحلية، فلا يريد أن تستمر عملية مكافحة الفساد لأن ذلك يجعل الفساد يستمر، وتستمر المكافحة إلى ما لا نهاية، ولكن المطلوب هو الحد من الفساد وإيقافه، واقتلاعه من جذوره كل ما ظهر، وذلك مسؤولية الجميع، فالدولة مسؤولة عن إيجاد التشريعات والأنظمة التي تحد؛ بل توقف الفساد، والمواطن شريك حقيقي للدولة في اجتثاث الفساد
من أصوله، والقضاء عليه، وهي عملية مشتركة.

 

-- الوطن اونلاين:عامر عبد الله الشهراني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*