الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » استلهام النماذج والمشروع الخاص

استلهام النماذج والمشروع الخاص

لا توجد مشكلة في عملية التلاقح الفكري والثقافي والحضاري بين حضارتين متمايزتين تاريخيا وجغرافيا، وإنما المشكلة في عملية “الاستلاب” التام للآخر، والانقلاب على الذات، وإعلان التبعية

في سؤال النهضة أخذت الفكرة الأجنبية حيزاً كبيراً من التبشير كضرورة وشرط، وكان مجمل الطرح الذي تبنته التيارات والأحزاب والجماعات الوضعية يدور حول الاستعارة والترحيل للفكرة الغربية، والحماسة المنقطعة النظير لها، حتى إن الكثير من مفكري هذه التيارات أصبح المتحدث الرسمي للغرب بالوكالة والنيابة، وصادف ذلك عزوفاً عن التراث والمحيط إلى ترحل فكري وشعوري بل وبدني في أحيان كثيرة، لأن الفكرة الغربية ذات بريق أخاذ يسبي العقول والقلوب حيث استطاع أصحابها بهرجتها بالإعلام والدعاية وضخ الأموال الطائلة وتجنيد كل ما يستطيعون لتعميم الثقافة الغربية التي تعتبر الخطوة الأولى لانضواء أي دولة في ركاب المنظومة الغربية.

لقد كان بعض مفكري حقبة النهضة العربية كما يسمونها عندهم من الصراحة والوضوح في حمل الفكرة الغربية ما جعلهم يصرحون ويعلنون بأنه لا إمكانية للنهضة إلا باتباع الغرب حذو القذة بالقذة في كل شيء، فحتى سلبيات الحضارة الغربية ما هي إلا ضريبة للتمتع بحلاوتها ورقيها، وكان هذا الطرح يحمل في طياته نكوصاً عن الذات وإزراء بها في مقابل تلميع الآخر والتبشير به وبنهضته، حين أسهم التقدم الحضاري الغربي في سحر الناس والأخذ بمجامع قلوبهم، وخاصة حين المقارنة بين الواقع الذي يعيشه العرب والمسلمون مع القفزة الحضارية التي يعيشها الغرب وخاصة بعد النهضة التقنية والدخول في عصر الصناعة والتكنولوجيا.

لم تكن القضية مع هؤلاء المفكرين هي في الاستفادة من المعطيات الحضارية البشرية والتي تشكل المشترك البشري، وتمثل الحكمة التي يؤمر الناس بالأخذ بها أنى وجدوها، ولم تكن المشكلة مع هؤلاء التعامل مع القيم الجميلة في الغرب على أنها منتج بشري يستفاد منه باعتبار أن الفكر والعلم والصناعة والأنماط الثقافية هي نتاج عملية تراكمية تقتضيها طبيعة التاريخ والاجتماع البشري والتعاقب في الإرث الحضاري، ولم تكن المشكلة في عملية التلاقح الفكري والثقافي والحضاري بين حضارتين متمايزتين تاريخيا وجغرافيا، وإنما القضية كانت في عملية “الاستلاب” التام للآخر، والانقلاب على الذات، وإعلان التبعية، وعدم التمييز بين أخذ الأنماط الصالحة باعتبارها من إطار المباح الذي يجوز الاستفادة منه وبين “ترحيل” كل المفاهيم الأرضية والعلوية للقيم والأفكار والمناهج، حتى أصبح النموذج الآخر هو المثال الذي يقاس به التقدم / التخلف، الصواب / الخطأ، الحق / الباطل، النافع / غير النافع، وقد أدى هذا الانفتان إلى تعطيل الطموح الذاتي، وقتل الإمكانات الخاصة، والانتقال من عقلية المنتج إلى عقلية المستهلك، وكان هؤلاء يظنون أنهم بهذا سيختصرون أمد النهضة، ويبدأون من حيث انتهى الناس دون إدراك الفوارق والثقافات التي هي شبكة كبيرة من العلاقات المعقدة والمتشابكة.

إننا لو أخذنا النموذج “الديمقراطي” كمعطى غربي، وكيف أن مجمل التيارات والأحزاب وصلت إلى مرحلة اليقينية التامة في صلاحيته، فإن يكن العلمانيون والقوميون في زمن مضى قد بشروا به وراهنوا عليه، فإننا الآن نجد أن الأحزاب الإسلامية والتيارات الدينية في مجملها قد أعلنت أخيراً قبوله وصلاحيته، دون أن يدرك هؤلاء بأن الديمقراطية ليست عملية إجرائية فقط، بل هي فكرة تقوم على أسس فكرية كالعلمانية والليبرالية كشرط ضروري لتطبيق الديمقراطية بمعناها التقدمي، وهذا يعني الانضواء وإعلان التبعية لمنظومة سياسية أجنبية، ومحاولة تطويع الواقع للتصالح مع هذا الوافد، حتى لو أدى إلى مراجعة كل الأدبيات، والقيم، والمناهج القديمة، فبدلاً من الانطلاق من الواقع بناء على تميزه التاريخي والجغرافي والحضاري والثقافي والفكري أخذوا بالعمل على صياغة الواقع وإجباره على قبول هذا النموذج الذي يصلح في سياقاته الخاصة والذي لا ينفك عن تصوراته للكون والإنسان والحياة.

لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خبراً يدل على استشراف الغيب لواقع الأمة الإسلامية فقال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، وهذا الإخبار في طياته التحذير من هذا المسلك، لأن مفهوم الاتباع “لتتبعن” يعني القضاء على الذات وتسليمها للآخر، ويعني التفريط بالفرادة والتميز والإبداع، ويعني تعطيل العقل عن إنتاج النموذج الخاص الذي يعتبر هو “الهوية والبصمة المميزة” التي تسعى كل أمة من الأمم إلى تحقيقها، ويعني قتل مبدأ (التحدي الحضاري) الذي هو الوقود المحرك للجيل في خلق النهضة والحضارة الخاصة المتفردة والتي يجتمع فيها اتساق الدين مع الدنيا، والمحافظة على الأخلاقيات والقيم الشرعية التي تحتاجها البشرية، ويعني شحذ العقول لحل المشكلات الخاصة بعيداً عن عملية التلفيق والاستعارة من الآخرين، الأمر الذي يعقد المشكلات أكثر من حلها.

إن من العبارات الجميلة التي ذكرها الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله حين بين أن الغرب لو استلهم نموذجا سابقاً لم يستطع تحقيق نموذجه الخاص، وقد صدق في هذا، لأن الغرب بدأ نهضته بناء على ظروفه وتقلبات واقعه، وصاغ النموذج بناء على الاحتياجات الواقعية، ولا يزال إلى الآن في حالة تبديل وتعديل ومرونة، وهذا ليس خاصية للغرب فقط، بل كل أمة متميزة وناهضة هي أمة تنطلق من واقعها، وتنظر إلى احتياجاتها، وتبني لها بصمتها الخاصة بعيدا عن النماذج المعلبة التي تجعلها كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى.

إن المحصلة النهائية من حضارة الغرب هي الدخول في “الحداثة” التي تسببت في مآس كثيرة، مما جعل السمة العامة في التفكير الغربي المعاصر هي الانقلاب على الحداثة التي ساهمت في إشقاء الإنسان، ومكننته، بحيث إنه بدأ يخدم المادة أكثر من أن تخدمه، وجاءت مرحلة ما بعد الحداثة لتدخل الإنسان الغربي في الفكرة العدمية التي هي أشد ضراوة في الفتك في الإنسان من فكرة الحداثة نفسها، وهذا هو السياق الطبيعي والمحصلة النهائية للأطروحة الحضارية الغربية، وهو المصير المحتم لمن سيسير في ركابه، لأن الخطوات واحدة والنتائج مترابطة وحتمية، ورفض النماذج الجاهزة لا يعني التقاعس عن بناء النماذج الخاصة، بل هو دعوة للرجوع إلى الذات، وحرث التراث الخاص للنظر في مواطن الإثراء الحضاري، وتشخيص حالة الواقع دون تجهيزات قبلية لأفكار أخرى، مع مراعاة ضرورة التفاعل الحضاري المتوافق مع الرؤية النقدية لكافة المعطيات الحضارية المعاصرة، والاستفادة من الآخرين مع التفريق بين النماذج المفيدة وحمولتها الفكرية الضارة، والتفريق بين الاستفادة الجزئية والتبعية الكلية لأي نموذج كان.

 

-- الوطن أونلاين :بدر سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*