السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إيران: المأساة والملهاة

إيران: المأساة والملهاة

يعرض كارل ماركس، في كتابه الشهير «البرومير الثامن عشر للويس بونابرت»، تفسيرا شديد التفرد للتاريخ. كيف يعيد التاريخ نفسه بشكل مستمر؟جاء في الكتاب: «يشير هيغل في أحد المواضع إلى أن جميع الحقائق والشخصيات التاريخية البارزة في العالم تظهر مرتين. ونسي أن يضيف ما يلي: أولا، تظهر في إطار مأساة، ثم تظهر في المرة الثانية في سياق ملهاة هزلية ساخرة. كوسيديير كتجسيد لدانتون، ولويس بلانك كتجسيد لروبسبيير، النتاج الأدبي والفني في الفترة من 1848 إلى 1851 كتجسيد للنتاج الأدبي والفني في الفترة من عام 1793 إلى 1796».

في تاريخ إيران الحديث (أي في الفترة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979)، شهدنا واقعتين غريبتين في الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1979 إلى نوفمبر عام 2011. في الرابع من نوفمبر عام 1979، اقتحم مقر السفارة الأميركية لدى إيران مجموعة من الطلاب الإسلاميين، وأطلق المقتحمون على أنفسهم اسم «الطلاب أتباع نهج آية الله الخميني». ووقتها، احتلوا مقر السفارة الأميركية واحتجزوا دبلوماسيين أميركيين كرهائن. وأسفر هذا عن نشوب نزاع حامي الوطيس بين إيران وأميركا. بيد أنها كانت مأساة مروعة.

وفي يومنا هذا، لا يدافع هؤلاء الطلاب عن ذلك الخطأ الفادح، دعوني أسمِّه خطأ استراتيجيا. لقد تم توظيف الطلاب كوسيلة للإطاحة بوزارة بازركان. وبعد مرور 32 عاما، حدثت واقعة مماثلة، لكن في هذه المرة كان ما حدث بمثابة ملهاة مروعة بالفعل.

دعوني أحاول تحليل ما حدث وراء كواليس هذه الملهاة شديدة الحمق.لكل داء دواء يستطب بهإلا الحماقة أعيت من يداويهاكيف يمكن أن يبرر نظام إيران ما حدث؟ في كل بقعة في العالم، في غالبية الدول الضعيفة والصغيرة، من الممكن اقتحام جميع السفارات واعتقال دبلوماسيين وتحطيم النوافذ وتدمير المنشآت وما إلى ذلك.. إن مهاجمة سفارة ليست دليلا على القوة والحكمة، بل هي في واقع الأمر تعبير حقيقي عن الضعف والحماقة، ولأنه بإمكان كل شخص توقع العواقب المحتملة والتبعات غير المرغوب فيها التي يمكن أن تحدث في أعقاب مثل هذا السلوك.

إضافة إلى ذلك، فإننا قد شهدنا في إيران، بالفعل، تداعيات الهجوم على السفارة الأميركية. لماذا عجز النظام الإيراني عن أن يضع في حسبانه تلك التجربة المروعة باهظة التكاليف؟

أعتقد أن ما حدث كان ناتجا عن الافتقار إلى الحكمة. ومثلما تعلمون، فإن كلمتي حكومة وحكمة مشتقتان من أصل واحد. فأي حكومة من دون حكمة ستفشل لا محالة. وفي الكتاب العزيز، يمكننا أن نتبين علاقة الارتباط بين الحكومة والحكمة، في قوله تعالى: «وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاه لْحِكْمَة وَفَصْلَ لْخِطَابِ» (سورة ص: 20).

ويصف الماوردي في كتابه «النكت والعيون» مفهوم الحكمة ويشرحه من خمسة جوانب مختلفة على النحو التالي:

«وآتيناه الحكمة» فيها خمسة تأويلات:
أحدها: النبوة، قاله السدي.

الثاني: السنّة، قاله قتادة.

الثالث: العدل، قاله ابن نجيح.

الرابع: العلم والفهم، قاله شريح.

الخامس: الفضل والفطنة.

واستنادا للشريعة والأخلاقيات والسنة النبوية والحكمة والتجربة التاريخية – خاصة حادثة السفارة الأميركية في طهران – نجد أن الهجوم على السفارة البريطانية لم يكن مبررا.

والآن، ثمة تساؤل كبير يظهر على السطح، ألا وهو: لماذا هاجموا السفارة في ذلك الوقت؟لقد مروا بتجربة أليمة سابقة، فلماذا كرروا فعلتهم؟ يقول الحديث الشريف: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين».

أعتقد أن سبب ارتكابهم ذلك الخطأ واضح، وهو أن هناك فجوة كبيرة بين الشخص الخيالي والشخص الواقعي. لقد أيد الطلاب – تساورني بعض الشكوك في أنه لم يكن هناك سوى طلاب فقط – وأنصارهم، من بينهم رئيس البرلمان الإيراني ورئيس السلطة القضائية وإخوة لاريجاني، الطلاب الذين ضلعوا في الهجوم بشكل كامل. ويعني هذا أن الطلاب، على الأقل، كانوا الممثل غير الرسمي للحكومة.

وعلى الجانب الآخر، لم يؤيد أحمدي نجاد وفريقه هذا العمل. على النقيض، نشرت وزارة الخارجية بيانا أدانت فيه اقتحام السفارة البريطانية في يوم الثلاثاء 29 نوفمبر. أما عن الوقت الحاضر، فإن أحمدي نجاد لم يتخذ موقفا بصدد ما حدث.هل أراد العقل المدبر للهجوم على السفارة تعكير صفو وزارة أحمدي نجاد؟ هل كان هذا مخططا مدبرا من قبل الحرس الثوري؟

كانت تلك هي المرة الأولى في تاريخ إيران التي يحمل فيها بعض المتظاهرين صورة العقيد قاسم سليماني في مظاهراتهم. من الصعب للغاية تصديق أن طلابا يمكنهم أن يفعلوا شيئا كهذا.

بعبارة أخرى، يمكن تفسير هذا العمل على أنه مستوى جديد تماما من النزاع بين الحرس الثوري وأحمدي نجاد. لم نعد نشاهد صور أحمدي نجاد في المظاهرات! هل هذا هو التناقض بين الخيالي والواقعي؟ من الواضح جليا أن أفراد وزارة نجاد أشخاص خياليون أيضا.

لقد أراد أن يعلم جميع قادة العالم أسلوبه في الحكم. حتى إن نائبه الأول ذهب في إحدى المرات إلى القول إنه بعد نبي الإسلام، يعتبر أحمدي نجاد نبيا جديدا! ويعد هذا مثالا واضحا لامتزاج الحماقة بالجنون.

على الجانب الآخر، تحديدا في الأيام التي كان يهدد فيها الحرس الثوري باستهداف الدرع الصاروخية لتركيا، ويعلم أميركا فن الحرب، شهدنا انفجارا في موقع القذائف الصاروخية للحرس الثوري في طهران، ثم انفجارا آخر في أصفهان.

إن الحرس الثوري ووزارة أحمدي نجاد ليسا الخاسرين الوحيدين في مداهمة سفارة بريطانيا؛ إذ إن الإيرانيين، كأمة عظيمة، هم من سيتجرعون ويلات هذا العمل.

أولا: يهدد القيام بمثل هذه الأعمال الهمجية سمعة الإيرانيين في العالم.

ثانيا: يعني إغلاق السفارة البريطانية في طهران والسفارة الإيرانية في لندن أن كثيرا من الإيرانيين سيواجهون كما هائلا من الصعوبات، خاصة في شؤون القنصلية، مثل تغيير جوازات السفر والحصول على تأشيرات وما إلى ذلك.

إن المهمة الرئيسية للحكومة تتمثل في تذليل العقبات بالنسبة لمواطنيها، وأيضا جميع الأجانب الذين يرغبون في زيارة إيران.إن اقتحام السفارات كوميديا سوداء كئيبة.

أمور يضحك الجهال منها *****ويبكي من عواقبها الرجال

لسوء الحظ، يبدو أننا نواجه افتقارا تاما للحكمة في العالم الإسلامي في الوقت الحاضر بصورة تفوق أي وقت مضى. وعلى الرغم من أننا تخلصنا من صدام والقذافي ومبارك وبن علي، يبدو أن هذه المسرحية الهزلية لم تنتهِ بعد.

-- الشرق الأوسط:- - عطاء الله مهاجراني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*