السبت , 10 ديسمبر 2016

الكويت في مفترق طرق

يجب عدم التقليل من قوة ومدلولات ما حدث في الكويت في الأسبوع الماضي، لأنه عبر عن تجمعات شبابية معارضة وشخصيات في مجلس الأمة تطرح إسقاط الحكومة وتغيير رئيس مجلس الوزراء. بدأ تجمع الشبان وبعض أعضاء المجلس يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني في ساحة الإرادة القريبة من مجلس الأمة لكنه تطور إلى احتلال واقتحام مجلس الأمة. وانقسم الشارع الكويتي على الحدث، البعض تفهم والبعض الآخر دان، وقطاع من الناس وقف مصدوماً مما وقع.

لكن حادثة دخول البرلمان حركت المياه الراكدة في السياسة الكويتية وصنعت حدثاً غير عادي في بلد صغير عدد مواطنيه مليون ونيف يعرف كل فرد فيه الفرد الآخر. الشبان المشاركون في التجمع وفي الحراك الشبابي ينتمون إلى تيارات شبابية بعضها حديث الولادة مثل السور الخامس ممن يعلنون موقفاً واضحاً من ضرورة تحويل الكويت إلى برلمانية دستورية يكون رئيس وزرائها منتخباً من الشعب. وهناك أيضاً تيارات شبابية فاعلة مثل كافي ونهج والقوى الشبابية التابعة للتيارات الرئيسة الليبرالية و «الإخوان».

هناك نهوض شبابي في الكويت وحادثة احتلال مجلس الأمة أعطت هذا النهوض مزيداً من الوقود. وحصل تجمع كبير نهار الاثنين الماضي لما يقارب الخمسة عشر ألف شخص تحت شعار تغيير الحكومة وإسقاط رئيس الوزراء. نحن أمام حالة متغيرة ومتحركة في الكويت تحاكي أبعاد الربيع العربي من خلال الإصرار على إصلاح النظام.

ويجد الشبان الذين يتحكمون بالحراك في رموز مثل مسلم البراك وفيصل المسلم على سبيل المثال عناصر مقوية لحراكهم. بمعنى آخر ليست المعارضة في البرلمان هي التي صنعت هذا الحراك الشبابي الذي تشهده الكويت، لكن الحراك الشبابي هو الذي يزكي قيادات معارضة ويعزل أخرى مهادنة للوضع الراهن. الكويت تدخل الآن في منعطف ساخن عبر نمو واضح لطرف ثالث شبابي الهوى جريء في مداه وأكثر استعداداً للتصعيد وتغيير قوانين اللعبة السياسية الجامدة.

في الكويت صراع تقليدي بين الحكومة التي دائماً ما يرأسها أحد كبار أعضاء الأسرة الحاكمة (في السابق كان ولي العهد هو رئيس الوزراء لكن تم فصل المنصب في العقد الماضي عن ولاية العهد) وبرلمان فيه قوى معارضة وتيارات مختلفة التوجهات. فالصراع التقليدي بين البرلمان الكويتي والحكومة ليس جديداً. لكن هذا الصراع كان يتم في السابق في ظل سيطرة السلطة التنفيذية على مجريات الأمور وفي ظلّ مقدرتها على التحكم بالنتيجة. فالبرلمان الكويتي لا يشكل حكومة ولا يستند إلى قاعدة حزبية في ظل غياب الأحزاب الرسمية في الكويت.

هذه اللعبة السياسية التي تتضمن برلماناً مفتتاً ومقيداً بدأت تضايق جيلاً من الشباب. إن إدمان الطبقة السياسية في الكويت على لعبة الحكومة والبرلمان التي لا تخل بمصالح الفئات المتنفذة بدأت تحرك الشباب الباحث عن معادلة مختلفة وعدالة اجتماعية وحريات أوسع وحقوق واضحة ودولة مدنية حديثة لا تميز بين مواطن وآخر. إن جيل الشباب الكويتي يسعى لنسف المعادلة الراهنة وتغيير مجراها.

هناك مجموعة من المصادر التي تغذّي الحراك الشعبي الشبابي. من أهم هذه المصادر حالة الإحباط العامة التي تمر بها الكويت منذ سنوات عدة. فليس من العدل أن نحمل هذا لشخص محدد أو لرئيس الوزراء الحالي. المشكلة هيكلية ومتوارثة منذ العام .

بمعنى آخر كان التراجع تراجعاً في نهج الحكم وأسلوب الإدارة الرسمي وطبيعة التفكير وطريقة انتقاء القياديين. إنه أيضاً تراجع في توجهات الدولة وضعف في الفكر السياسي الذي يحركها. هذا الفكر كما تطور منذ العام بالتحديد منكفئ على نفسه في الداخل والخارج، ويميل إلى ترك الأمور بلا حل ويخشى من المبادرة حتى لو كانت من أقرب المقربين، بل يزعجه التخطيط كما يضايقه الإنجاز.

منذ سنوات فقدت البلاد روحها السباقة والتنموية التي ميزتها في مراحل سابقة. لهذا ومنذ التسعينيات حتى اليوم لم تقع إنجازات حقيقية في مجال الطاقة والتعليم والصحة والتجارة والاقتصاد. وعندما ينظر الشبان حولهم يرون ثروات تصرف بلا إنجازات جادة ومشاريع مستقبلية.

لقد عصفت في الكويت في الأسابيع القليلة الماضية سلسلة لا تنتهي من الإضرابات منها إضرابات المعلمين والجمارك والقانونيين الكويتيين وعدد من المهن الأخرى. هذه الإضرابات هزت البلاد وجعلت الخسائر كبيرة للتجار وللاقتصاد. هذه مجرد تعبيرات عن المأزق والأزمة.

من جهة أخرى، لا تملك الحكومة حلاً سوى الموافقة على المطالب التي يحملها المضربون، فهي لا تملك موارد بشرية متطورة تسمح لها بمعرفة احتياجات موظفيها قبل أن يطالبوا ويحتجوا ويغضبوا.

إن خطأها الأساسي أنها قامت بتوظيف كل من يحتاج إلى التوظيف فانتهت إلى توظيف كل الشعب. وفي الوقت نفسه كانت جميع النصائح الاستراتيجية التي قدمها الخبراء الكويتيون والعرب قبل الأجانب للكويت تؤكد أهمية أن يشارك القطاع الخاص في التوظيف والتنمية.

لم يحصل شيء من هذا، فامتيازات الراتب في القطاع الحكومي تضاهي الخاص. وبينما أعلنت الحكومة أنها تخطط لتحويل الكويت إلى مركز مالي واستثماري، لم تقع على الأرض سوى مؤشرات تقود في الاتجاه المعاكس. من جهة أخرى تتراجع الأسواق ويشعر الناس بوقع الخسائر الاقتصادية المستمرة منذ الأزمة العالمية المالية. وحتى الآن تبين أن العلاجات الحكومية هي الأخرى محدودة.

ومنذ بضعة أسابيع وقعت أزمة أخلاقية كبرى في الكويت وذلك بعد أن كشفت البنوك حسابات مليونية لأعضاء في البرلمان وصل عددهم إلى أربعة عشر من خمسين عضواً منتخباً في البرلمان.

وفي خضم الإشاعات والأجواء ارتفعت الاتهامات للحكومة بأنها وراء الحسابات المليونية التي يملكها عدد من النواب وذلك لقاء تصويت هؤلاء النواب في مجلس الأمة لمصلحة الحكومة التي لا تحظى بالغالبية. وفي تعبير احتجاجي استقال الشيخ محمد صباح السالم من وزارة الخارجية ليؤكد رفضه سلوك الحكومة.

وبينما كان البعض يعتقد أن النظام السياسي في الكويت سيعيد إنتاج نفسه من خلال جيل الشباب من أبناء الأسرة، تبين أن خروج الشيخ محمد الصباح وقبله أحد أقوى اللاعبين السياسيين من الحكومة الشيخ أحمد الفهد، ساهم أيضاً في إضعافها وانكشافها.

هذا يعني عملياً أن جيل الشباب من أبناء الأسرة الذي كان يجب أن يكون له دور رئيس وقيادي منذ زمن بعيد قد خرج من الإطار. لكن المشكلة المصاحبة لهذا أن معظم الكويتيين هم دون الخامسة والعشرين من عمرهم، بينما معظم القيادات صانعة القرار من المتقدمين في السن، وجيل الوسط لا يلعب دوراً فاعلاً.

تحبس الكويت أنفاسها في الفترة المقبلة: هل يحل أمير الكويت مجلس الأمة حلاً دستورياً يمهد لانتخابات تجرى خلال شهرين يجرى بعدها تشكيل حكومة وفق توجهات الناخبين، أم يبقى الأمر كما هو بانتظار الأزمة المقبلة التي ستأخذ منزلقاً مختلفاً ومنحى أكثر تشدداً وغضباً؟

الحراك الشبابي الذي يتضمن المغامرة والجرأة سيستمر وخصوصاً أنه اكتشف في الأسبوع الماضي بعضاً من مواطن قوته. على النخبة السياسية والقيادية في الكويت التعامل مع الوضع الشبابي والشعبي والمطالب السياسية للقوى المعارضة بصورة أكثر انفتاحاً وبرؤية مستقبلية ثاقبة ومدروسة. تحت كل الظروف ستقع في الكويت هزات عدة، فالمركب يتمايل والإصلاح لن يكون سهلا

-- الوسط : شفيق الغبرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*