الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حزب الله والجمهور العربي واستراتيجيات المواجهة

حزب الله والجمهور العربي واستراتيجيات المواجهة

لا يزال الأمين العام لحزب الله مصرا على أنه يقف على أبواب انتصار استراتيجي على الولايات المتحدة قادته وتقوده الجمهورية الإسلامية في إيران، ومستنده في ذلك عدة أمور: انسحاب الولايات المتحدة من العراق (واستيلاؤه هو وحزبه على الحكومة في لبنان) وصمود النظام السوري في وجه ثورة شعبه عليه وفي وجه الضغوط العربية والدولية.

ولا يزال الغربيون مصرين على أن الأمور بالمنطقة العربية تتجه لصالحهم، ومستندهم في ذلك عدة أمور أيضا: نزول الجمهور العربي للشارع في مواجهة الأنظمة وسعيا لإقامة أنظمة ديمقراطية، وأن هذا الجمهور الذي غير عدة رؤساء وأنظمة حتى الآن لا يعادي الغرب والولايات المتحدة، بل سعى ويسعى لإقامة علاقات أفضل معها، بما في ذلك الشعب العراقي الآسف للانسحاب الأميركي (باستثناء أنصار القاعدة، وأنصار مقتدى الصدر!)، وأنه لا أحد في العالم يجاهر بدعم إيران في ملفها النووي أو في تدخلاتها خارج حدودها، وأن سائر مناطق النفوذ الإيراني هي مناطق توتر وتأزم الآن وليس بسبب معارضة الولايات المتحدة، بل بسبب تحركات الجمهور.

وهكذا نرى أن العامل الرئيسي أو المتغير الرئيسي في التجاذب والصراع هو الجمهور العربي بمختلف فئاته، الذي كان غائبا فحضر، فعاد الصراع على أشده بين القوى الإقليمية والدولية على المنطقة وفيها. لقد غزا الأميركيون المنطقة من أفغانستان وإلى العراق وسيطروا على أنحائها، بالاشتراك مع إيران وإسرائيل، أو بسكوت من جانبهما عن ذلك.

أما الإيرانيون فقد دعموا أو سكتوا لاستفادتهم من تغيير الأنظمة تحت الوطأة العسكرية الأميركية، ولرجائهم أن يحلوا محل الزائلين في ملء الفراغ الاستراتيجي. وأما إسرائيل فلأنها رأت في ضرب العراق كسبا استراتيجيا لها، كما أن الحضور العسكري الأميركي الكبير يعتبر زيادة لها في الأمن والأمان، وهذا فضلا عن تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية وحلولها، والتمكين لها للخروج على ما تبقى من اتفاقية أوسلو.

وبالفعل، فإن السياسات الإيرانية بعد عام 2003 مرت بالنسبة للمنطقة العربية بمرحلتين: مرحلة الانتشار في موازاة الانتشار الأميركي 2003 – 2006، ومرحلة التحرك لتثبيت المواقع وقطف الثمار في المرحلة الأولى انتشرت بطريقتين؛ تحويل الشيعة في العالم العربي إلى بؤر للنفوذ، وكذلك الحركات الإسلامية المعارضة والثائرة، بما في ذلك «القاعدة». وفي المرحلة الثانية الاستنفار الأمني والعسكري لكي تعترف الولايات المتحدة بمصالحها الاستراتيجية تسليما أو إرغاما.

وكان من ذلك حرب حزب الله على إسرائيل عام 2006، وعلى بيروت عام 2008، وعمل فيلق القدس بالعراق، وانفصال حماس بقطاع غزة عام 2007، والاختراقات التي حققها أنصارها بالبحرين ومصر والكويت واليمن، وتسارع العمل في الملف النووي. ورد الأميركيون على ذلك بخطة بيكر/ هاملتون 2006 – 2007، وأعلنوا عن الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011، ومن أفغانستان عام 2014، ودفع وكالة الطاقة ومجلس الأمن لمطاردة الملف النووي الإيراني وإدخال تركيا إلى سوريا وإلى الملف الإسرائيلي – السوري، والإكثار من العمليات الخاصة والسرية في إيران ومن حولها.

وهكذا انتقلوا أو عادوا من آيديولوجيا القوة الصلبة، وإلى ممارسات القوة الناعمة.لقد جرت كل تلك التحركات والتجاذبات والشوارع العربية خالية، والأميركيون يحاولون الحلول محل الأنظمة العربية، والإيرانيون محل الشعوب العربية.

وقد تجلت نتائج هذا الخراب الكبير وآثاره الفظيعة على العرب، في مؤتمر سرت بليبيا عام 2010. فقد اقترح عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية يومها بدء حديث استراتيجي مع دول الجوار (إيران وتركيا)، ومن أجل «تنظيم» العلائق معها، بدلا من التسليم باختراقاتها الاستراتيجية، ورد عليه الأمير سعود الفيصل وقتها أيضا بأن شروط الندية والتوازن اللازمة لحديث مجد غير متوافرة، فلماذا يصغي الإيرانيون لاعتبارات التعاون من ضمن السيادة، إذا كانوا موجودين في كل مكان على حساب السيادة؟

ولماذا يصغي الأتراك إلى هذه الاعتبارات، ما داموا يتدخلون بموافقة إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؟! ثم حدثت الثورات الشعبية العربية، وفي الجمهوريات الخالدة بالذات، التي كان حكامها أصدقاء للولايات المتحدة، وكانت حركاتها الإسلامية صديقة أو حليفة لإيران! وسلك الأميركيون والإيرانيون سلوكا متشابها في الظاهر ومختلفا تماما في الجوهر والمضمون.

فقد سارع الأميركيون والأوروبيون إلى دعم الحراك الشعبي العربي، معتبرين ذلك تحولا ديمقراطيا مشروعا وضروريا. كما سارع الإيرانيون (ومعهم حليفهم السوري قبل قيام الثورة عليه!) إلى تأييد الثورات بحجة أنها سوف تقود إلى إنشاء أنظمة حكم إسلامية على غرار إيران! وقد غير التدخل العسكري الغربي بليبيا المشهد الاحتفالي بعض الشيء، كما غيره راديكاليا الحراك الاحتجاجي والثوري السوري.

فتساقط الرؤساء «الخالدين» ما بدا أنه مضر بالولايات المتحدة، لمسارعتها لاستحسان التغيير ومساعدته إلى درجة الاعتراف بالإسلاميين بعد المدنيين. بينما بدا بوضوح أن التحرك الشعبي الجارف بوجوهه المدنية والإسلامية يخرج إيران من المشهد العربي وبثلاثة أشكال:

فالعناصر المدنية لا تريد جمهورية على غرار جمهورية إيران الإسلامية.

والإسلاميون الإخوانيون الثوريون .

وغير الثوريين يريدون المشاركة في الديمقراطيات الجديدة.

ولا يفكرون في إنشاء أنظمة على شاكلة ولاية الفقيه، والسلفيون يظهرون عداء لإيران وحزب الله، للاختراقات التي نشروها في الوطن العربي، والعداء الذي أظهروه لثورة الشعب السوري! لقد تغير الموضوع تماما بقيام الثورات. سقطت من جهة الثنائية: استبداد/ تطرف، والولايات المتحدة/ إيران.

وانطلقت الجماهير العربية ماسحة الثنائيتين، ومحققة بالفعل وبالوعي الملاءة الاستراتيجية تجاه الخارج، أما بالداخل، وهو الأساس، فهناك السعي الحثيث لتكوين سلطات يتوافر فيها الرشاد في إدارة الشأن العام. وعلى وقع هذه الوقائع دبت حيوية فائقة في أوصال الجامعة العربية الخامدة من قبل، وعادت للنشاط والفعالية.

لقد كان من سوء حظ الجمهورية الإسلامية، أنه عندما قامت الثورات؛ فإن أمورها الداخلية كانت مضطربة ولا تزال. فقد انقسم المحافظون الحاكمون من حول السيد الخامنئي إلى معسكرين؛ معسكر تمترس من حول أحمدي نجاد، ومعسكر تمترس من حول قيادة الحرس الثوري.

وقد هاجم الحرسيون أحمدي نجاد في إسلاميته الشعبوية والسخرية، وفي فساد أقربائه. فرد عليهم أحمدي نجاد بفضح فسادهم ومغامراتهم في السياسات الخارجية، وعلى رأسهم الجنرال سليماني المشرف في السنوات الطويلة الماضية على عمليات الحرس في الديار العربية.

وهذا الانقسام، وهذا الضيق، نتيجة تحول الأميركيين والأوروبيين من الدفاع إلى الهجوم، جعل الحرسيين يسارعون لاستخدام الوسائل القديمة بحجة نجاحها من قبل؛ من الاندفاع للمزيد من تقسيم المقسم بالعراق، والاندفاع في مساعدة النظام السوري على شعبه، وإلى إطلاق صواريخ على إسرائيل والإعلان عن أن «القاعدة» مسؤولة عنها.

وإلى دفع الحوثيين لمواجهة السلفيين. وجاء دور الأمين العام لحزب الله للدخول في المواجهة دفاعا عن كل ذاك الماضي القريب الذاهب إلى غير رجعة مع ذكرياته في تغييب الجمهور للحلول محله!

– مرة يقول إنه لا مشكلة بين الشيعة والسنة، وإنما المشكلة مع التكفيريين.- ومرة يقول إن النظام السوري يستحق المساعدة لأنه نظام مقاومة وممانعة،
ليعود فيقول إنها مؤامرة على سوريا للحيلولة دون الانتصار الاستراتيجي، القاعد على الأبواب!- ومرة يقول إن الخصوم جربوا الحزب ويعرفون ما سوف يحصل إن جربوه مرة أخرى!

وهكذا فقد انقضت دعاوى التحرر والتحرير، وما عاد هناك شيء غير انعي على الجمهور السوري، لأنه يتحدى نظامه العظيم، وتهديد الجمهور اللبناني بالسلاح إن جرؤ على التمرد مرة أخرى.

والواقع أن الجمهور العربي كان، ولا يزال، مشكلة الأميركيين والإيرانيين وكل التدخليين. فقد قاتله الأميركيون إلى جانب الأنظمة، وقاتله الإيرانيون بتقسيمه إلى سنة وشيعة، وإلى مقاومين ومستسلمين.

وها هو الأمين العام لحزب الله يقاتله باعتباره هو والرئيس بشار الأسد والمالكي المنصب بالعراق، الأكثر أمانة لقضية المقاومة؛ فيا نفس جدي إن دهرك هازل!

-- الشرق الأوسط: - رضوان السيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*