الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحرب العالمية الإلكترونية

الحرب العالمية الإلكترونية

تزايد خطر الحروب الإلكترونية والأمن القومي الأمريكي والأمن لأي دولة بشكل كبير مع تقدم التكنولوجيا التي قال عنها الصينيون وبوضوح أنها ستكون ركنا هاما من أركان الحرب في المستقبل، وتكون دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وبعض الدول الأخرى هي الدول المستهدفة سياسيا وعسكريا واقتصاديا.

وتوقع الخبراء في مجال الإنترنت أن أي اعتداء عسكري أو إرهابي قد يحدث ضد الولايات المتحدة الأمريكية في حال وقوعه، لن يكون باستخدام طائرات أو متفجرات كما حدث في 11 سبتمبر أو حتى انتهاك للحدود الأمريكية، بل سيكون هجوما في الفضاء الإلكتروني يشنه قراصنة الكمبيوتر، بحيث يكون قادرا على تدمير الاقتصاد والبنية التحتية الأمريكية بنفس القوة التي قد يتسبب بها تفجير مدمر.

ونتيجة لذلك بدأت الولايات المتحدة في استخدام هذا السلاح للحماية وللهجوم في نفس الوقت يعكف الخبراء في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) حاليا على تطوير قدرات الإنترنت لشن هجوم على أنظمة الحاسبات التابعة للدول الأخرى، وذكرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» أن بعض المسؤولين العسكريين رفيعي المستوى يدفعون البنتاجون للمضي في الهجوم الإلكتروني عبر تطوير قدرات الإنترنت لشن هجوم على أنظمة الدول الأخرى الإلكترونية بدلا من التركيز على الدفاع عن الأمن الإلكتروني الأمريكي فقط.

وحسب اقتراحات العسكريين الذين أثاروا جدلا واسعا سيكتسب العسكريون معرفة طريقة الاستيلاء على طائرات العدو من دون طيار وشل قدرة طائرات العدو الحربية أثناء القتال، وقطع الكهرباء في وقت محدد عن بعض المواقع الاستراتيجية. وأشارت الصحيفة إلى أن توسيع نطاق القدرات الهجومية عبر الإنترنت سيمثل تغيرا هاما للجيش ولا سيما أن المسؤولين الأمريكيين ترددوا لسنوات طويلة في عسكرة ما ينظر إليه على نطاق دولي بأنه وسيلة للتجارة والاتصالات، ولكن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية لعمليات الإنترنت التي رفع عنها السرية العام الماضي، أثارت نقاشاً في البنتاجون مجددا وأعطت الجيش الضوء الأخضر للدفع نحو توسيع القدرات الإلكترونية. ونقلت الصحيفة عن وزير القوات الجوية السابق مايكل وين قوله: «مع مرور الوقت سيكون عالم الإنترنت جزءا هاما من تكتيكات الحروب».

وحاولت الولايات المتحدة تجنب الوقوع في الأخطاء التي سبقت أحداث 11 سبتمبر، وأطلقت موقعاً جديدا خاص بعالم العمليات السرية والتجسس، وهو عبارة شبكة اجتماعية للمحللين العاملين في 16 هيئة استخباراتية أمريكية، ويطلق على هذا الموقع اسم (إيه سبيس)، وهو على غرار الشبكات الاجتماعية الأخرى مثل (فايس بوك) و(ماي سبيس)، إلا أنه يختلف في أن مشتركيه من نوع خاص.

ويهدف هذا الموقع الاجتماعي لعالم الجاسوسية إلى حماية الولايات المتحدة الأمريكية من خلال تقييم المعلومات المتاحة لوكالات التجسس الوطنية ككل، لأن عدم توافر المعلومات والبيانات المهمة يمكن أن تكون له انعكاساته المدمرة، مثلما حدث من إهمال لإحدى المعلومات والبيانات المهمة حيث قام أحد عملاء الـ «أف بي آي» بإرسال بريد إلكتروني قبل هجمات 11 سبتمبر، يحذر من وجود أشخاص يتدربون على الطيران ولكنهم لا يتعلمون الهبوط بها، إلا أنها لم تؤخذ جديا لعدم وجود ترابط ما بين وكالات الاستخبارات، وهو ما سيتيحه الموقع الجديد.

وكذلك سوف يتيح الموقع تشكيل صداقات كما هوالحال في المواقع الاجتماعية الأخرى مثل (فايس بوك) وغيره، ولكن لا يمكن لأي شخص خارج دوائر الاستخبارات أن يصبح عضوا فيه لأنه عالم سري.

فمحللو وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) يمكنهم استخدام موقع (إيه سبيس) الذي أطلق للخدمة رسميا في شهر سبتمبر العام الماضي، لمشاركة المعلومات والآراء حول تحركات القاعدة ومنظماتها المتفرعة عنها في العالم أو تحركات القطع البحرية الروسية ومناوراتها في البحر الأسود.

ويقول «مايكل ويرتايمر»، الوكيل المساعد لمدير قسم التحليل في وكالة الأمن القومي: «إنه موقع للالتقاء وليس للجواسيس فقط، إنه لتبادل المعلومات التي لم يمكن بإمكانهم أن يشاركوا بها من قبل، وسيتيح لهم الموقع للمرة الأولى فرصة التفكير بصوت عال وبشكل علني ولكن بين نظرائهم تحت مظلة (أيه سبيس)».

وردا على كيفية تنظيم العملية أوضح ويرتايمر قائلا: “لقد قمنا بتطوير آلية للتحذير من مثل ذلك السلوك، ونطلق عليه اسم ماستر كارد لعدم وجود بديل، حيث يمكن لشخص ما أن يستخدم بطاقة الائتمان بطريقة لم يستخدموها من قبل على سبيل المثال، وبالتالي فهي تحذر من أن تلك البطاقة قد تعرضت للسرقة وبالمثل قمنا بتطوير نمط سلوكي خاص بأعضاء موقع إيه سبيس”.

حرب إلكترونية بطابع عسكري

تطورت الهجمات الإلكترونية من مجرد عمليات بحث بدافع الفضول إلى عمليات جيدة التمويل والتنظيم من التجسس السياسي والعسكري والاقتصادي والسياسي، وحتى الآن، وكما يقول الحلف الأطلسي، لا تزال دول عديدة غير مستعدة للحرب الإلكترونية، وهي معرضة لهجمات قراصنة الكمبيوتر والجريمة المنظمة، وزادت في الآونة الأخيرة عمليات القرصنة والهجوم على أجهزة الحاسب الآلي، ووصل الأمر إلى الأجهزة ذات الطابع السري مثل الموجودة في المجال العسكري ومجال البورصة والبنوك، والتعرف على حسابات العملاء بل واختراقها في بعض الأحيان، مما ينذر باندلاع حرب قد نطلق عليها مجازا «الحرب الباردة الإلكترونية».

وأشار تقرير سنوي كشفت عنه شركة «مكافي» الرائدة في مجال الحماية الرقمية إلى أن الحرب الباردة الإلكترونية التي تشن على أجهزة الكمبيوتر في العام، تنذر بالتحول إلى أحد أكبر التهديدات الأمنية خلال العقد المقبل.

ونوه التقرير إلى أن نحو 120 دولة تقوم بتطوير طرق لاستخدام الإنترنت كسلاح لاستهداف أسواق المال ونظم الكمبيوتر والخدمات التابعة للحكوميات، مضيفا أن أجهزة المخابرات تقوم بالفعل باختبار شبكات الدول الأخرى بصورة روتينية بحثا عن ثغرات وأن أساليبها تزداد تطورا كل سنة.

وحذر التقرير من أن الهجمات على مواقع إلكترونية خاصة وحكومية في أستونيا في أبريل ومايو من العام الماضي لم تكن سوى «قمة جبل الجليد»، حيث قالت أستونيا إن آلاف المواقع تأثرت بالهجمات التي أدت إلى شل البنية التحتية في البلد الذي يعتمد بشكل كبير على شبكة الإنترنت.

وذكر التقرير أن الصين في صدارة الحرب الإلكترونية وأن اللوم ألقي عليها في هجمات على الولايات المتحدة والهند وألمانيا وتنفي الصين هذه المزاعم بصورة متكررة، فلم تنسى الولايات المتحدة الأمريكية ما حدث لها على يد المارد الصيني في بداية العام الماضي حينما تعرضت وزارة الدفاع (البنتاجون) لهجوم كاسح للـ«هاكرز» بعد أن قام قراصنة بشن هجوم على ثلاثة عشر جهازا مركزيا يتحكم بتدفق المعلومات على شبكة الإنترنت على مستوى العالم، وتمكنوا من تعطيل ثلاثة أجهزة والسيطرة عليها بشكل كامل طوال اثني عشر ساعة، في أكبر هجوم تشهدها الشبكة منذ العام 2002م، وقد تركز الهجوم الذي تمكن الخبراء من مواكبته بشكل عاجل دون أن يشعر معظم مستخدمي الإنترنت به، على أجهزة شركة «ألترا د.ن.س»، وهي الشركة التي تدير وتنظم جميع خطوط الشبكة التي تنتهي بالرمز (??GRO??).

ونجح القراصنة في اختراق البريد الإلكتروني غير السري لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، مما أدى إلى تعطيل الخدمة لنصف الطاقم الخاص بوزير الدفاع ربورت جيت، وذكرتا مصادر البنتاجون أن ما يقرب من 1500 مستخدم من إجمالي 3000 موظف الذين يعلمون مباشرة مع مكتب وزير الدفاع، لم يتمكنوا من الدخول إلى البريد الإلكتروني بعد اختراق جهاز الكمبيوتر الرئيس المزود بالخدمة «السيرفو».

ومعظم التقارير الحقيقية التي تصف بدقة التطور النوعي والتدميري للأسلحة الإلكترونية الدفاعية والهجومية، تبقى محفوظة في ملف مختوم بختم سري للغاية في أدراج مكاتب البنتاجون. ولكن الحقيقة الأهم هو أن العديد من المؤشرات الموضوعية تكشف عن مسألة أكثر إيلاما، وهي أن دولة واحدة في الشرق الأوسط حصلت بالفعل على عدد ليس بالقليل من أسرار السلاح الإلكتروني بموجب اتفاقيات دولية للتعاون بين أجهزة المخابرات، وبموجب تحالف عسكري غير مسبوق تشهده أرض الواقع.

وقد أفلت تصريح من لسان «بيري ميلتون» نائب رئيس شركة «اينمارست» المتخصصة في مجال إنتاج وتطوير الأقمار الصناعية في الولايات المتحدة، يلوح فيه إلى أن دولة واحدة فقط في الشرق الأوسط حصلت على برنامج نظام الاتصال الأمني البديل، وأن هذه الدولة أيضا من نظم المراقبة والتحديد الدولي.

لم تعد عمليات القرصنه الإلكترونية مجرد عمليات عشوائية تتم بدافع الفضول، بل أصبحت جريمة منظمة ومتخصصة تعتمد على أحدث الوسائل والطرق للدخول إلى الأنظمة الإلكترونية وسرقة محتوياتها مثلما حدث في الولايات المتحدة عندما تعطلت أجهزة الكمبيوتر بمكتب وزير الدفاع الأمريكي. والأعوام القادمة ستشهد مزيدا من عمليات القرصنة الإلكترونية التي تمهد لاشتعال سباق حربي إلكتروني حول من يتزعم هذا المجال ومن يكون الرائد فيه، وكل المعطيات تشير إلى بداية حرب باردة إلكترونية بين الولايات المتحدة والصين.. فمن سيتقدم على الآخر في عالم الكمبيوتر؟.

-- بقلم: د. فايز حداد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*