السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » وثيقة ترشيد الجهاد كمنطلق لمراجعات الجهاد "زوايا الرؤية"

وثيقة ترشيد الجهاد كمنطلق لمراجعات الجهاد "زوايا الرؤية"

تمثل وثيقة “ترشيد الجهاد في مصر والعالم” لزعيم تنظيم الجهاد سابقًا، سيد إمام شريف، خطوة أخرى من خطوات التراجع عن “العمل المسلح” الذي تقوم به الجماعات الإسلامية المصرية التي انتهجت هذه الطريق سابقًا. وتعكس هذه الوثيقة، من ناحية أخرى، طبيعة الفجوة التي تتجذر مع مرور الوقت بين هذه الجماعات التي بدأت مسيرة “العنف” في العمل الإسلامي المعاصر، كالجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد (ردًا على عنف السلطات) وبين الصورة الجديدة لـ”العمل الإسلامي المسلّح” التي تظهر حاليًا من خلال شبكة القاعدة والجماعات المسلحة والمنابر الإعلامية المرتبطة بها وبخطابها.

يمكن ملاحظة الصراع الشديد في صفوف “الجهاديين” من خلال المنابر الإعلامية على شبكة الانترنت؛ فمحمد خليل الحكايمة، أحد قادة الجماعة الإسلامية المصرية، الذي أعلن الظواهري انضمامه إلى القاعدة، أسس موقعًا على شبكة الانترنت باسم “قاعدة الجهاد في أرض الكنانة” وأطلق عليه “الثابتون على العهد”، وبدأ ببث الدعاية والأخبار المضادة لمراجعات شريف قبل أن تظهر بصورة رسمية، واتهم شريف وقادة الجهاد معه في السجون بالتواطؤ مع السلطات المصرية. في المقابل نشط موقع الجماعة الإسلامية المصرية على الانترنت في نقد وتضليل الأعمال التي تقوم بها القاعدة في مختلف أنحاء العالم.

وفي سياق تحليل المراجعات وأبعادها السياسية، هنالك اختلاف وتباين واضح في زوايا الرؤية بين الباحثين والمراقبين للجماعات الإسلامية حول حدود نفوذها ودورها في التأثير على أنصار القاعدة، وفي كسر شوكتها خلال المرحلة القريبة القادمة، بين فرضية تعظّم هذه الآثار وتمنحها مجالاً استراتيجيًا كبيرًا وفرضية أخرى تقلل من شأنها ومن تداعياتها.فقد نشرت مجلة “المصريون الالكترونية” أراء عدد من المتخصصين، مثل الدكتور ضياء رشوان وكمال حبيب ومنتصر الزيات، وقد سبق أن نشر رشوان مقالاً في الاتجاه نفسه، يذهبون جميعًا إلى أنّ هذه الوثيقة تمثل ضربة شديدة القسوة لتنظيم القاعدة وأنّها كفيلة بإيجاد هزة عنيفة في “أيديولوجيا الجهاديين”، وخاصة أنّها تنطلق من الأرضية المعرفية والفكرية ذاتها التي يتأسس عليها الفكر الجهادي.

وتستند هذه الفرضية أيضًا إلى أنّ إمام شريف نفسه، المعروف بعبد القادر بن عبد العزيز، هو أحد الذين ساهموا بصورة مباشرة في بناء “الخطاب الجهادي” خلال المراحل السابقة، وتعتبر كتبه من أبرز الأدبيات التي تدرس في محاضن الجماعات الجهادية، ككتاب “العمدة في إعداد العدة” و”الجامع في طلب العلم”. وعلى هذا لن تمر مراجعات إمام شريف بسهولة دون أن تحدث جدالاً وقلقًا وارتباكًا وتفتح ثغرة واضحة في البناء الفكري والنفسي لأبناء القاعدة.

على الطرف المقابل؛ يذهب الباحث والمتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، خليل العناني إلى التقليل من تأثير هذه المراجعات على أنصار وأبناء القاعدة؛ وذلك لاعتبارات رئيسة، أولها: أنّ المشكلة ليست ذات طابع فكري بقدر ما هي نتاج عوامل موضوعية اجتماعية وسياسية وأزمة (بنيوية) خلقت الظروف المناسبة لنمو وصعود هذا التيار. فالأفكار ليست هي العقدة الحقيقية التي ترتبط بوجود حالة من الفراغ الاستراتيجي الناجم عن عجز عام في الوضع الحالي عن مواجهة التحديات.

كما أنّ كتب إمام شريف، وعلى الرغم من أنّها لا تزال تدرّس في شبكة القاعدة، إلاّ أنّ هنالك تنظيرًا جديدًا قد تجاوزها، وبرزت أسماء جديدة أخرى، تتوازى أفكارها مع حالة التطور الحركي التي وصلت إليها القاعدة، و”تراجُع شريف” لا يمثل إلاّ نسبة ضئيلة ومحدودة من التأثير في هذا المجال.

في مناقشة الفرضيتين السابقتين؛ فإنّ المقولات الرئيسة فيهما متكاملة غير متضاربة؛ فهنالك عوامل موضوعية تساهم في نمو وصعود “الإسلام المسلّح”، وهنالك أيضًا عوامل فكرية وأيديولوجية، وإذا حدث اختلال في جانب فإنّه سيؤثر على المسار، إن لم يساهم في تراجع الخط التصاعدي لهذه الجماعات، فربما يؤثر على وحدتها وتماسكها، لكن “العامل الفكري” في المقابل لا ينهض وحده لتفسير الظاهرة أو بناء المقاربة الكفيلة بمواجهتها.

وعلى هذا الأساس فإنّ تراجع الجماعة الإسلامية في مصر سابقًا عن منهج “العمل المسلّح” بعد حادثة الأقصر عام 1997 (قبل إصدار المراجعات رسمياً فيما بعد) ساهم – بلا شك- في نزع المشروعية الفكرية والسياسية عن هذه الأعمال، لكنه لا يفسر تراجع هذه العمليات وحده، فقد كان هنالك شروط سياسية أخرى تفسر ذلك، مرتبطة بموقف المزاج العام المصري من ناحية، والتحول حتى في استراتيجية القاعدة من استهداف النظم (ما يطلق عليه في أدبياتها العدو القريب) إلى استهداف الولايات المتحدة (ما يطلق عليه العدو البعيد) وهو بالمناسبة تحول استراتيجي تكرس عملياً عام 1998 مع قيام “الجبهة العالمية لمحاربة اليهود والصليبيين”، وفكرياً مع كتاب الظواهري “فرسان تحت راية النبي”.

ما يُخشى منه هو أن تؤديَ مراجعات الجهاد إلى ما آلت إليه مراجعات الجماعة الإسلامية سابقًا، أي الانتقال من النقيض إلى النقيض؛ من تبرير العنف إلى تسويغ كافة سياسات الحكومات. فعلى الرغم من عدم وصول شريف في مراجعاته إلى مرحلة “الجماعة الإسلامية”، إلاّ أنّ الشد العكسي من قبل القاعدة والاتهامات التي بدأت تتصدر “المنتديات الجهادية” ضد شريف، وضغط السلطات عليه، ربما يدفع به إلى “صفقة ضمنية” شبيهة بتلك التي حدثت مع الجماعة الإسلامية، والتي أوصلت الجماعة اليوم إلى مرحلة فقدان الاتزان والهوية والقدرة على بناء استراتيجية مستقبلية للمنهج الذي تتبناه الجماعة، على الأقل فكريًا، في ظل الحظر الرسمي لأي نشاط لها.

ما يمكن التقاطه في مراجعات إمام شريف أنّه لا يحمل أية رؤية مستقبلية بقدر ما يقدم تحفظات واستدراكات على “راهن القاعدة”، بمعنى أنّ دوره فكريًا وعلميًا ورؤيته تنتهي هنا، وهذا يمثل أيضًا جانبًا خطرًا يكمن في سؤال “ماذا بعد؟”..

*كاتب أردني

-- *مركز دراسات الظاهرة الإسلامية:محمد أبو رمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*