الأحد , 4 ديسمبر 2016

على ماذا نتفق إذن؟

في البحرين صراع سياسي بخلفيات مذهبية، والعراق تفتت من دولة إلى كيانات مذهبية متضادة الولاءات، وفي ليبيا تحتدم الخلافات المذهبية على استحقاق السلطة بعد القذافي، وفي مصر واليمن لا ندري إلى أين تتجه الأوضاع، أما في سوريا فالمؤشرات ترجح احتمال الحرب الأهلية لأسباب سياسية مذهبية.

النصوص الدينية في الشرائع السماوية حمالة أوجه لأنها تحمل توجيهات إلهية عامة تصلح لكل زمان ومكان، وقد قال بذلك الخليفة الراشد علي رضي الله عنه عندما أراد الخوارج تحكيم المصحف الشريف. نتيجة لتلاعب أهواء البشر بها، استعملت العقائد والمذاهب كمصادر أساسية لتبرير النزاعات والأطماع والحروب فتحولت إلى أدوات تطويع واضطهاد وإكراه بدل أن تكون سبل هداية وصلاح وعدالة.

يدور في الأدمغة العربية (أو في البعض الذي يعمل منها) منذ قرن ونيف تساؤل عن السر الذي جعل إمبراطورية الميجي في اليابان تنجح، ومملكة محمد علي في مصر تفشل رغم أنهما بدأتا في نفس التوقيت والظروف ولمواجهة نفس التحديات. كان الجواب دائما قابعا أمام المتسائلين على الرف لكن لم يتجرأ أحد على التقاطه وإعلانه خوفا من أن يتهم بالمروق عن الجماعة وشق عصا الطاعة على الحاكم. الفرق بين الميجي ومحمد علي لم يكن فارقا في الذكاء أو الدهاء أو الطموح، وإنما في المعطيات العقائدية والمذهبية الملتبسة بالسياسة في بداية الانطلاق.

لم يكن في اليابان آنذاك (وحتى يومنا هذا) تشريع يلزم الحكومة بمذهب عقائدي واحد تفرضه على اليابانيين بسلطة القانون، ولذلك خلت اليابان في بداية نهضتها من التطاحن المذهبي الداخلي والتعطيل المتبادل للمسيرة الوطنية بذريعة الدين.

العكس كان موجودا في مصر محمد علي، حيث كان هناك الخليفة الأكبر في اسطنبول الذي يطلب الطاعة والتسليم، وكان هناك التمذهب المتعدد في مصر نفسها مع ارتباط شديد بالسياسة وتخريجاتها، وكانت هناك طرق صوفية وباطنية لا حصر لها وأقباط مسيحيون مرتبطون سياسيا وشرعيا بالبابوية الكنسية الشرقية بالإضافة إلى أن طموحات محمد علي كانت تتعدى حدود مصر في محاولة للقفز إلى الديار المقدسة بمكة والمدينة والقدس وتحدي السلطة العثمانية على الخلافة الدينية والمقصود بها في الواقع السياسية.

كان محمد علي يريد أن يتطور علميا ويلعب سياسة دينية مذهبية في نفس الوقت، أما الميجي في اليابان فكان همه الوحيد التطور العلمي فقط لا غير، والنتائج أصبحت كتابا مفتوحا للجميع.

يمكن للياباني أن يتعبد بطقوس الشينتو أو البوذية أو بإحدى الشرائع السماوية إن كان من أتباعها، لكنه يبقى دائما ياباني الأصل، ولاؤه لليابان وليس لمذهبه أو طائفته، يحيا ويعمل من أجل اليابان ويموت في سبيل اليابان، أما المذهب وطريقة التعبد والعلاقة بينه وبين ربه فذلك من خصوصياته.

الألماني لن يقول لك إنه كاثوليكي أو بروتستانتي أو مسلم أو لا متدين، هو أولا ألماني فخور بحضارته ولغته ويحمل في دماغه هدف العمل من أجل ألمانيا العزيزة المهابة لأولاده وأحفاده من بعده.

بالنسبة للشعوب التي استردت عقلها الجمعي بعد ويلات الحروب السياسية المذهبية أصبحت التفرعات العقائدية والمذهبية خصوصيات اجتماعية تلزم حامليها بالقبول المتبادل، لكن من غير المسموح لها أن تدمر النسيج الوطني وتؤجج الصراعات الداخلية وتفتح الأبواب للتدخلات الخارجية.

لكن ماذا عن العرب والربيع العربي الذي نشاهد ونسمع كونه يحمل معه نفس الجعجعات المذهبية التي تصم الآذان. العربي فقد أصوله وبوصلته منذ زمن قديم، منذ أيام الفتنة الكبرى وحروبها السياسية تحت رايات تدعي كل واحدة منها أحقيتها بالإسلام الصحيح.

اليوم أصبح العربي إما سنيا أو شيعيا أو صوفيا، والسني إما حنبليا أو شافعيا أو مالكيا أو حنفيا أو سلفيا أصوليا أو إخوانيا وسطيا إلى آخره، والشيعي أصبح إما جعفريا اثني عشريا أو زيديا إخماسيا أو إسماعيليا إسباعيا، والصوفي له من الطرائق والمرجعيات مالا حصر له، ولك أن تستمر في العد والإحصاء المذهبي لبني يعرب حتى يغلبك النوم.

إذا لم يتفق العرب على الأصول الأساسية وهي العروبة المتمثلة في اللسان والعقيدة الممثلة بالإسلام اللا مذهبي والحضارة المشتركة القائمة على اللغة والإسلام، إذا لم نتفق على ذلك فعلى ماذا يمكن أن نتفق إذن؟. لن نتفق على مذهب واحد لأن ذلك من سابع المستحيلات.

-- صحيفة الجزيرة:د. جاسر عبدالله الحربش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*