السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الربيع العربي وموقف المعارضة التركية

الربيع العربي وموقف المعارضة التركية

الربيع العربي قدَّم للمعارضة التركية فرصا ثمينة لا تعوَّض للدعاية والترويج لسياساتها وانتقاد أخطاء حكومة حزب العدالة والتنمية وتباطؤها في التعامل مع الثورات العربية، ولكنها ضيَّعت هذه الفرص؛ فبدلا من التعاطف مع رغبة الشعوب العربية في التغيير شكَّكت فيها ومن يقف وراءها، وبدلا من دعم مطالبة الشباب العربي بالحرية والكرامة والديمقراطية لم تحسن قراءة الواقع وفهم المتغيرات فنظرت إلى الأحداث من زاوية العقلية المؤامراتية.

ففي شباط (فبراير) الماضي، قام حزب الشعب الجمهوري، الحزب المعارض الرئيس في تركيا، بتدشين موقع للحزب باللغة العربية بهدف التواصل مع العالم العربي والتعريف بقيادة الحزب وسياساته.

وهذه الخطوة المفاجئة كانت بالاتجاه الصحيح لتتسع دائرة العلاقات التركية – العربية التي تبدو وكأنها مقتصرة على العلاقات بين الإسلاميين العرب والأتراك، ولتشمل جميع أطياف المجتمع من الليبراليين واليساريين وغيرهم، حتى لا تتأثر العلاقات التركية – العربية بشكل كبير من التقلبات السياسية وتغير الحكومات.

وفي أول كلمته المنشورة في الموقع، شدَّد رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو على أن حزبه يقف إلى جانب الشعوب العربية التي تطالب بالتغيير وتبحث عن الحرية والديمقراطية، وأنه يدافع عن نظام يسعى لرفع شرف الإنسان في إفريقيا والشرق الأوسط. ولم ينس كيليتشدار أوغلو في هذه الكلمة الإشارة إلى مئات السنين من التاريخ المشترك بين العرب والأتراك.

ولكن تأييد زعيم حزب الشعب الجمهوري مَطالِب الشعوب العربية وحديثه عن الوقوف بجانبها في معركة الحرية والديمقراطية ظل حبرا على الورق ولم يترجم الأقوال إلى الأفعال، وذلك لأسباب عدة:

أولا: حزب الشعب الجمهوري منذ تأسيسه على يد مصطفى كمال أتاتورك وقف ضد الإرادة الشعبية وأيَّد الانقلابات العسكرية وسيطرة القوى العلمانية على حساب الديمقراطية، بحجة أن عملية تنوير الشعب لم تكمل بعدُ رغم مرور السنين على إعلان تأسيس الجمهورية، وأن معظم المواطنين العاديين لا يعرفون أين تكمن مصلحة البلد ويدلون بأصواتهم لصالح الرجعيين! وهو بهذه الخلفية الأيدولوجية يشبه التجمع الدستوري الديمقراطي الذي حكم تونس إلى أن يهرب زين العابدين بن علي.

كما أن تاريخ حزب الشعب الجمهوري الأسود حافل بقمع الحريات الدينية والسياسية كمنع رفع الأذان بالعربية وحظر تعليم القرآن الكريم وإغلاق الأحزاب وإعدام المعارضين. وخلال السنوات العشر الأخيرة، كان حزب الشعب الجمهوري من أكبر العوائق أمام مسيرة الإصلاح الديمقراطي، في محاولة يائسة للحفاظ على الوضع القائم. وعلى هذا، فإن حزب الشعب الجمهوري يتعارض مع نفسه إن دعم الربيع العربي ورياح التغيير.

ثانيا: يدرك حزب الشعب الجمهوري أن الديمقراطية في البلاد العربية تعني فوز الأحزاب الإسلامية في أي انتخابات حرة ونزيهة، والوقوف بجانب الشعوب العربية الثائرة في نظر قادة الحزب هو بمثابة الوقوف بجانب القوى الإسلامية، وهذا آخر ما سيفعله حزب الشعب الجمهوري الذي يتبنى أشد أنواع العلمانية مبدأ ويعادي جميع الحركات الإسلامية، بغض النظر عن تطرفها أو اعتدالها. والثورات التي تنطلق من المساجد وتحمل الأحزاب الإسلامية إلى سدة الحكم تطور مزعج لحزب الشعب الجمهوري بلا أدنى شك.

ثالثا: معظم أنصار حزب الشعب الجمهوري ومثقفيه لا يحبون العرب، بل يحتقرونهم ويرونهم مصدر الجهل والتخلف، والعرب في نظرهم رعاة إبل غير قادرين على القيام بأي ثورة شعبية وإقامة نظام ديمقراطي، وهم أبعد الناس من المطالبة بالحرية والكرامة؛ لكونهم قبائل تتقاتل على مصالحها وتقودها الدول الكبرى، وأما التطورات التي يشهدها العالم العربي فليست سوى إعادة ترتيب الأوضاع من جديد تقوم بها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

لم يختلف موقف حزب الحركة القومية من الربيع العربي عن موقف حزب الشعب الجمهوري؛ لأنه اقترب كثيرا في السنوات الأخيرة من أيدلوجية حزب الشعب الجمهوري، وأصبح الحزبان يخاطبان الشريحة نفسها من الناخبين. ويرى حزب الحركة القومية أن ما يحدث في العالم العربي لا يعني تركيا كثيرا ويدعو حكومة أردوغان للاهتمام بالعالم التركي أكثر من اهتمامها بالعالم العربي.

ولعل الأغرب من بين مواقف أحزاب المعارضة التركية هو موقف حزب السعادة الذي يمثل تيار أربكان؛ ذلك الحزب الذي كان أقرب الأحزاب التركية من الحركات الإسلامية السياسية في العالم العربي يختلف اليوم في قراءة أحداث الربيع العربي عن تلك الحركات 180 درجة. وفي الوقت الذي تبشر جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس وبقية الحركات الإسلامية الأخرى بنتائج الربيع العربي، تجاوز تيار أربكان في الوقوف ضد إرادة الشعوب العربية الثائرة كل الأحزاب التركية ليصف الثورات العربية بالمؤامرة الأمريكية وما قام به الثوار الليبيون بـ”تدخل الصليبيين” لنهب ثروات ليبيا.

ويستعد حزب السعادة هذه الأيام لإرسال وفد من ”الحكماء” إلى بشار الأسد لتجنيب سورية من ”احتلال الصليبيين”، ويدعي بأن الصهاينة يسعون لإشعال حرب بين تركيا وإيران في الساحة السورية. في الحقيقة، انضم تيار أربكان بعد تراجع شعبيته إلى نحو 1 في المائة أمام صعود حزب العدالة والتنمية، إلى المحور الإيراني الذي استغل ظروف التيار وأفول نجمه في الساحة الإسلامية، وهذا يفسر موقف حزب السعادة السلبي من الثورة السورية وتخندقه مع إيران وحزب الله للدفاع عن بشار الأسد.

-- الاقتصادية:إسماعيل ياشا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*