الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

إيران ومصيدة الهوية

التطرف في السياسة الإيرانية يحمل مدلولات ومضامين كثيرة تدل على حدة في النفسية والبحث المستمر عن حالة مستقرة من التوازن بين القومية والدين. إفرازات ذلك التجاذب على العلاقة مع العرب مهمة جداً.

إيران بلاد فخورة ولكنها غير مرتاحة لا داخليا حيث إيران في وضع اقتصادي أسوأ من الأوضاع قبل الثورة حتى بعد الخطوات المعتبرة لأحمدي نجاد وليس الوضع السياسي أفضل خاصة بعد انتخابات 2009، ولا خارجيا حيث تختلط حالة الضعف الدفاعية مع حالة من الطموح غير المقبول إقليميا أو دوليا، ليس هذا التعقيد بدون خلفية تاريخية.

اختارت إيران الصفوية المذهب الشيعي أثناء صراعها الجيوستراتيجي مع تركيا السنية في محاولة للاختلاف والتميز. ما زال صدى هذا الاختيار موضوعا لنقاش حي في الدوائر السياسية والاجتماعية اليوم، كان الصراع واضحا حين حاول أسفندر مشاعي مستشار أحمدي نجاد إعادة النظر في العلاقة بين الدين والقومية الفارسية، ليس واضحا ماذا كان يقصد عمليا ولكن الهدف كان إضفاء مزيد من الجرعة القومية للمذهب رغبة في الاستقلال الديني.

لم يجد هذا التوجه رضا لدى المؤسسة الدينية ممثلة في المرشد الأعلى للثورة، الذي رأى فيها تهديدا على النقاء والمصالح الدينية، كذلك هناك إرهاصات سياسية خارجية لم يقبلها المرشد الحذر.

هذا التململ والاضطراب الفكري السياسي يشعر به كل من يتحدث مع الإيرانيين، فالإيرانيون يعشقون الحياة المادية ولديهم ارتباط ووعي مؤثر في علاقاتهم العاطفية مع الإمبراطورية الفارسية. ويحدد الفارسي وليس الإيراني دائما هويته من هذه القاعدة التاريخية ومحاولته السياسية والثقافية لإعادة تأطير الهوية.

بعد دخول بلاد فارس إلى الإسلام أصبح البحث عن الهوية مرتبطا عضويا بتحديد نمط العلاقة مع العرب خاصة؛ ولعل أبسط مثال على ذلك هو مدى اهتمام إيران بمنطقة الخليج على حساب العلاقة مع باكستان الأكثر سكانا، وتمتلك السلاح الذري أو حتى العلاقة مع تركيا، التي تريدها إيران اليوم علاقة اقتصادية ودبلوماسية قدر الإمكان، ولكن هذا يختلف مع العرب. يصعب أن يبدأ حديث بين إيراني وغير عربي وإلا يبدأ الإيراني بذكر الاختلافات عن العرب.

استطاع الفرس ترويض القوميات الأخرى في إيران، التي تشكل ما لا يقل عن نصف السكان مرة استغلالاً للمذهب، ومرة أخرى بتخفيف البعد الفارسي والدعوة إلى الشعب الإيراني، ولكن المحرك والمسيطر هو القومية الفارسية.

هذا الحراك يحمل مدلولات على أن الأمة حية ونشطة ولكنه في الحالة الإيرانية يبعثر الطاقات ويراهن على الماضي على حساب المستقبل ويصعب عملية ليس فهم إيران فقط، بل حتى التعامل معها. فالخطاب الإيراني اليوم يحكم باسم الإسلام، ولكن المحرك الفعلي هو النزعة القومية.

كلما احتدم الصراع في المنطقة، كما حدث مع ما يسمى بالربيع العربي، كلما تعرض الخطاب الإيراني إلى عيوب الازدواجية؛ فالثورة مقبولة في اليمن الباحث عن تأسيس دولة في خضم الانقسامات القبلية والفئوية ولكنها غير مقبولة في إيران والبعث في العراق غير مقبول، ولكنه مقبول في سوريا؛ وشعار الحرب مع إسرائيل مرفوع ولكن الوسيلة الدم العربي، والإسرائيليون يغتالون العلماء الإيرانيين، بينما الإيرانيون يحاولون العبث قدر ما استطاعوا في الدول العربية.

يصعب فهم تصرفات إيران دون التعمق في أزمة الهوية واستحقاقاتها في التصرف الإيراني على جميع الأصعدة. بدأت إيران في الحراك داخليا من سيطرة أيدلوجية إلى سيطرة أمنية ومصالح مالية للمؤسسة الدينية السياسية. وهذا بدأ يثير حفيظة الإيرانيين وأصبح مادة دسمة لتغيرات اجتماعية وسياسية مستقبلية في قلبها قلق فارسي مزمن من مأزق الهوية.

-- الاقتصادية:فواز حمد الفواز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*