الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحرب المشتعلة في إيران –

الحرب المشتعلة في إيران –

بعيدا عن الأنظار.. هناك حرب تدور في إيران منذ أشهر إن لم يكن منذ سنوات، لكن وتيرتها تسارعت في الآونة الأخيرة. الخبراء يصفونها بالحرب السرية، لأنه لم يصدر بها إعلان رسمي، ولا يتبنى أي من الأطراف المعنية عملياتها، ولا يظهر الجنود الذين يقومون بها على شاشات التلفزيون. لكنها تبقى حربا حقيقية تستخدم فيها أعقد التقنيات وأكثرها تطورا في مجال الحرب الإلكترونية، إلى جانب بعض أقدم وسائل الحروب الاستخباراتية. وتسارع خطوات هذه الحرب، ربما يوحي بأن المنطقة مقبلة على مواجهة ساخنة مع تراكم المؤشرات على احتمال توجيه ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية.

قصة طائرة التجسس التابعة لوكالة الاستخبارات الأميركية التي أعلنت إيران إسقاطها في أوائل الشهر الحالي، بينما قالت دوائر أميركية إنها سقطت بفعل خلل عندما كانت تقوم بمهمة داخل إيران، هي أحدث فصل في هذه الحرب. فالطائرة من طراز «آر. كيو 170 سنتينيل» تعتبر من الجيل المتقدم من طائرات التجسس والاستطلاع التي تعمل بلا طيار، ومزودة بتقنيات حديثة بالغة السرية بالنسبة للأميركيين، لذلك جرى التفكير في محاولة تدميرها بعد فقدانها بوقت قصير، لكن الإيرانيين عثروا عليها أولا، وفقا للمصادر الأميركية.

الطائرة التي قيل إنها دخلت الأجواء الإيرانية من جهة الحدود الأفغانية، كانت تقوم بمهمة متعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وفق تقرير نسبته شبكة تلفزيون «سي إن إن» لمصادر عسكرية أميركية.

وقبل أن تهدأ الضجة حول موضوع الطائرة، عرضت إيران ما وصفته بأنه اعترافات «جاسوس» أميركي من أصل إيراني اعتقل بعد عبوره من أفغانستان إلى إيران، وذلك في مؤشر آخر على تصاعد وتيرة الحرب السرية واحتمال أن تكون هناك خطوات متسارعة نحو توجيه ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية.

ليس معروفا متى بدأت هذه الحرب السرية بالتحديد، لكن عملية جرت في يونيو (حزيران) 2010 دفعت بأخبارها إلى الواجهة. ففي ذلك التاريخ كشف عن تعرض منشأة نووية إيرانية لأكبر هجوم إلكتروني من نوعه، من خلال زرع دودة إلكترونية أطلق عليها «ستكسنت» عطلت برامج التشغيل في الكومبيوترات التي تستخدمها إيران. أثار الأمر ضجة واسعة لأنه دشن مرحلة جديدة في حروب المستقبل الإلكترونية، حيث تستخدم الدول الفيروسات الكومبيوترية لتخريب قدرات الخصم وتعطيل منشآته.

ويعتقد الخبراء أن أميركا وإسرائيل وربما ألمانيا كانت ضالعة في تطوير دودة «ستكسنت» وزرعها لتعطيل العمل في منشآت إيران النووية.الحرب السرية شملت أيضا عمليات تجسسية، واغتيالات وتفجيرات وعمليات تخريب وحربا نفسية.

فقد أعلن عن استهداف واغتيال علماء إيرانيين على صلة بالبرنامج النووي، بينما وقعت انفجارات في منشآت أخرى كان أكبرها الانفجار الذي استهدف الشهر الماضي منشأة للصواريخ طويلة المدى قرب طهران، قتل فيه أحد مؤسسي برنامج إيران الصاروخي وهو اللواء حسن مقدم و16 من الضباط.

إسرائيل على ما يبدو تضغط على واشنطن للانتقال من مرحلة الحرب السرية إلى توجيه ضربة عسكرية لتدمير منشآت إيران النووية. فهي ترى أن التغييرات الإقليمية بعد الربيع العربي تستدعي هذا التعجيل، خصوصا مع الصعود الانتخابي للحركات الإسلامية والمزاج الثوري في الشارع الذي جعل مشهد المظاهرات الحاشدة أمرا مألوفا في العديد من العواصم.

ويتخوف دعاة التعجيل بالضربة العسكرية من أن تأخيرها سيجعلها أكثر صعوبة، وربما يزيد من كلفة ردود الفعل الشعبية العربية خصوصا في دولة مثل مصر التي شهدت مظاهرات ضد إسرائيل واقتحاما لمقر سفارتها بعد مقتل جنود مصريين برصاص إسرائيلي على الحدود.

من ناحية أخرى يبدو نظام الأسد، الحليف الاستراتيجي لإيران، مشغولا بمحاولة إنقاذ نفسه أمام الانتفاضة الداخلية المستمرة والمتصاعدة. وعلى الرغم من المناورات العسكرية الكبيرة التي نفذتها سوريا أخيرا وحرصت على الإعلان عنها فيما بدا أنه رسالة تحذيرية موجهة للخارج، فإن المحللين يستبعدون دخول نظام الأسد في مواجهة مع إسرائيل لأن جيشه مشغول بمواجهة الانتفاضة الشعبية.

ورغم ذلك فقد كان لافتا أن مسؤولين إسرائيليين أطلقوا تصريحات من احتمال وقوع مواجهة عسكرية مع سوريا ضمن مواجهة أكبر في المنطقة تستهدف فيها منشآت إيران النووية بضربة عسكرية، وهي تصريحات فسرت على أنها رسالة تحذير للنظام السوري من الانجرار إلى عمل عسكري إذا تعرضت إيران لضربة. فإسرائيل على ما يبدو لا تسقط من حساباتها احتمال مخاطرة نظام الأسد بالحرب إذا رأى أن ذلك يمكن أن يخلط أوراق معارضيه ويخفف الضغط الداخلي عليه ويحرك الشارع العربي للتعاطف معه.

ما يحدث في إيران وسوريا ينعكس على حزب الله الذي سيتأثر مباشرة بما يحدث في البلدين. فسوريا هي الحبل السري الذي يتغذى عن طريقه حزب الله من إيران، لذلك رمى الحزب بثقله وراء نظام الأسد واصفا ما يتعرض له النظام بالمؤامرة التي تستهدف «الممانعة والمقاومة».

وفي حكم المؤكد أن حزب الله سيقوم بعمل في جبهة الجنوب اللبناني لدعم إيران إذا تعرضت لضربة، وفي هذا الإطار جاءت تصريحات حسن نصر الله الأخيرة عن قدرات المقاومة واستعداداتها، مما يعني انتقال التسخين من جبهة إيران إلى لبنان.موسم حملات انتخابات الرئاسة الأميركية يبدو عاملا آخر في بورصة التصعيد.

فالمتنافسون يتبارون تقليديا في هذا الموسم على كسب تأييد اللوبي الإسرائيلي والصوت اليهودي، وهذه المرة يكثر الحديث عن تصعيد الجهود لتدمير قدرات إيران النووية. وبينما يتحدث المرشحون الجمهوريون عن ضرورة تصعيد الحرب السرية على إيران، فإن أوباما يقوم بذلك فعليا حسب ما أثبتته العمليات الأخيرة التي تكشفت إما بسبب حوادث أو اعتقالات، وهي لا تمثل بالتأكيد سوى جزء قليل من العمليات السرية الجارية.

تصاعد وتيرة هذه العمليات يعني أن المنطقة ربما تقف الآن على شفا مواجهة جديدة في إطار التداعيات المحتملة للضربة المتوقعة لإيران.

o.mirghani@asharqalawsat.com

-- الشرق الأوسط : عثمان ميرغني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*