السبت , 3 ديسمبر 2016

لحظة الخليج الحاسمة!

لحظة الخليج الحاسمة!لا يمكن قراءة اللحظة الخليجية الحاسمة التي دشنها الملك عبد الله بن عبد العزيز خارج السياق العام للقمة التي تأتي في نهاية سنة العجائب التي أفرزت واقعا مختلفا ومضطربا وجديدا استدعى قفزة بالواقع الخليجي من التغير التراكمي البطيء، والذي تعثر في جوانب اقتصادية وربما في رؤى سياسية محددة، إلا أن الضمانة الحقيقية لمجلس التعاون خارج أقواس الدبلوماسية والتعاون المشترك هي التشابه الكبير بين دول المجلس في المصير والتحديات والمطامع، والتي سرعان ما تذيب عند الأزمات الفوارق في الرؤى والسياسات المستقلة.

نحن إذن أمام هوية جامعة تصوغها وحدة المصير أكثر مما يضعفها التنوع الكبير بين دول المجلس والذي لم يتم التعامل معه دائما كتنوع إيجابي وإضافة، وهو ما جعل ذلك المصير المشترك مرهونا بالتحديات والمخاطر أكثر من كونه استثمارا للتنوع.

ومن هنا فإن فكرة «الاتحاد» التي لا تلغي ذلك التنوع والتمايز في هذا التوقيت فرصة هائلة لإعادة تصحيح هوية المجلس على أساس التنوع في الرؤى والاتحاد في المصير المشترك، وهذا يعني بلغة غير شعاراتية متطلبات أساسية، أبرزها إيجاد صيغة توافقية في الرؤى السياسية العامة من شأنها تأطير عمل المجلس بما يحقق الأمن الإقليمي في ظل ارتفاع منسوب التهديدات وتغير موازين القوى في المنطقة والتحولات العميقة التي تفرض بروز كتلة سنية متجانسة إلى حد ما في اختيار آيديولوجية «الإسلام السياسي».

ويأتي هذا بالتزامن مع قرب امتلاك إيران للسلاح النووي والتدخلات المتكررة في الشؤون الخليجية، في ظل المزيد من الاستقطاب باتجاه المحور الإيراني في العراق ولبنان وصمود النظام السوري بسبب ما سميته سابقا سياسة النهايات المؤجلة، وهي استثمار عامل الوقت والتناقضات التي يفرزها الواقع.

الأكيد أن السياق الأهم هو التحولات التي تعيشها دول عربية ستسعى لاحقا إلى إيجاد صيغة توافقية بينها لتشابه ظروف النشأة والثورة وحتى مصائر القوى السياسية ما بعد الثورة، مما يعني أننا بإزاء ولادة هويات سياسية جديدة قد لا تنحاز للمحور الإيراني أو ترتبط بسياسات ومصالح الولايات المتحدة التي تسارع الآن وبأنفاس لاهثة إلى مد جسور التعاون مع هذه التكتلات الجديدة، لكنها في السياق نفسه قد لا تتبنى المواقف نفسها لدول مجلس التعاون والنابعة من الإيمان العميق بالمخاطر الحقيقية للمرحلة القادمة.

والأكيد في دول ما بعد الثورات أنها ستكون أقل تأثرا بالخارج لأنها ستشعر بأن «تحررها» جاء من الداخل وبإرادة شعبية، وهو الشعور الذي بدأ يتنامى وتتم مقارنته بشكل خاطئ، يستبعد سياقات التجربة التركية وخصوصيتها، بتجربة أردوغان.

السياق العربي والإقليمي يفرض أن يبحث الخليجيون عن ضمانات للأمن المشترك أكثر من الغرق في التفاصيل الاقتصادية والجمركية، وربما كان تأمل إعلان هلسنكي لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي في السبعينات مثالا جيدا على مفهوم الأمن المشترك الذي أكد على الاحترام المتبادل لمبدأ السيادة والحقوق لكل دولة واحترام الحدود القائمة وتسوية المنازعات سلميا، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

خمسة وثلاثون عاما تقريبا على بنود إعلان هلسنكي لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي الناجحة بامتياز والتي أكدت قدرة الدبلوماسية الخلاقة على إقامة تحالفات طويلة الأمد تخلق فرصا واعدة واستقرارا بات مطلبا ملحا في زمن التحولات الجذرية الذي نعيشه الآن.

إن اتحاد الرؤى الخليجية في ما يخص الهوية السياسية العامة للأمن المشترك سيدعم أكثر موقف دول المجلس في أي مقاربة دبلوماسية أميركية تجاه إيران، فدول الخليج متحدة وفقا لرؤية الملك عبد الله، وهي الضمانة الوحيدة للتفاوض الأمثل مع التهديد النووي المحتمل وكل مخرجات الحالة الإيرانية والتي هي جزء من المشكلة لكنها ليست «كل» المشكلة، حيث ارتباك الحالة الخليجية والغرق في التفاصيل التوافقية حول الحدود والمبادرات والمواقف المختلفة حول القضايا الأساسية يمثل الجزء الآخر من المشكلة.

وهو الذي سيسهم ما لم ينظر إلى مبادرة الملك عبد الله كطوق نجاة للمجلس في تعميق المشكلة لا سيما مع ولادة أوضاع متأزمة جديدة أبرزها الحالة اليمنية التي دخلت مرحلة المسكنات والهدوء المترقب والحذر والذي يمكن أن ينفجر في أي لحظة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة ودخول اليمن في دوامة مرحلة ما بعد صالح والتي يجب أن يكون للمجلس دوره الكبير فيها للحفاظ على أمن اليمن الذي هو العمق الاستراتيجي الأول لأمن الخليج.

وفي السياق ذاته، فإن ابتلاع الحالة العراقية من قبل إيران في ظل رحيل الولايات المتحدة العسكري سيسهم في ترميم الخلافات بين الحكومة العراقية وإيران، بحكم علاقات التبني السياسي للفصائل الشيعية العراقية والذي يحول بين إعادة دمج العراق في المنظومة الخليجية.

اللحظة الخليجية الحاسمة يجب أن ينظر لها بتفاؤل شديد، وحتى النقد اللاذع الذي واجهه المجلس حول تباين سقف الطموحات وما ينجز على الأرض ينبغي ألا يكون ملهاة عن التركيز على الهدف الأساسي وهو إعادة بلورة الهوية السياسية للأمن الخليجي المشترك على قاعدة التنوع لا يلغي وحدة المصير.

yousef.aldayni@asharqalawsat.com

-- الشرق الأوسط :- يوسف الديني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*