الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » واجبات الإنسان بين الشريعة والقانون

واجبات الإنسان بين الشريعة والقانون

صدر عن جلسة مجلس الوزراء الموقر المنعقدة بقصر السلام بجدة في يوم الاثنين 17 -8 -1432هـ في الفقرة ثالثاً: ما نصه:

بعد الاطلاع على ما رفعه صاحب السمو الملكي وزير الخارجية في شأن مشروع الإعلان العالمي لواجبات الإنسان، أقرّ مجلس الوزراء عدداً من الإجراءات من بينها:

أولاً – تشكيل فريق في وزارة الخارجية بمشاركة ممثلين من وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة العدل وهيئة الخبراء بمجلس الوزراء وهيئة حقوق الإنسان، يكون جميع أعضائه من المؤهلين تأهيلاً عالياً في المجالات ذات العلاقة بمشروع الإعلان العالمي لواجبات الإنسان، على أن يكون من بينهم متخصصون في الشريعة والأنظمة.

ثانياً – يتولّى الفريق المشار إليه في البند (أولاً) ما يلي:

1 – دراسة مشروع الإعلان بحسب الصيغ المتوافرة منه وما قد يرد في شأنه من تعديلات أو ملاحظات من الدول الأخرى والتحقق من أنّ نصوصه لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية وإعداد المرئيات والاقتراحات في شأنه.

2 – تمثيل المملكة في جميع الاجتماعات التي ستعقد لصياغة مشروع الإعلان.

3 – إبداء الملاحظات والمقترحات في شأن محتوى المشروع وأحكامه.

ولنا مع ما صدر عن مجلس الوزراء عدة وقفات:

الوقفة الأولى: ما يتمتع به مجلس الوزراء بالمملكة من شفافية في عرض القضايا المحلية والدولية والإعلان عنها لكافة فئات المجتمع السعودي، والتي تبرهن على أنّ قيادة الدولة السعودية بأيدٍ واعية ولديها الثقة الكبيرة بشعبها وبأجهزتها الرسمية ومؤسساتها المدنية مما شكَّل تلاحماً عظيماً بين القيادة والمواطن يندر أن تجده في كثير من بلدان ما يطلق عليه بالعالم الثالث، مما جعل المملكة العربية السعودية مثالاً تحتذي به كثير من دول العالم في مجال علاقة القيادة بشعوبها.

الوقفة الثانية: تظهر أهمية موضوع الإعلان العالمي المقترح لواجبات الإنسان سواء على الصعيد المحلي أو الدولي إذا ما تمّت مقارنته بالخلافات المحتدمة بين واضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10-12- 1948م وبين الدول التي تخالف بعض بنود هذا الإعلان مبادئها الدينية أو الاجتماعية ومنها الدول الإسلامية منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

لذا كان لزاماً على هذه الدول المشاركة الفاعلة في صياغة بنود هذا الإعلان الجديد لتلافي تكرار ذلك مستقبلاً، ولعل ما يجدر ذكره هو أنّ المملكة العربية السعودية بحكم ريادتها للعالم الإسلامي واحتضانها للحرمين الشريفين، ولكونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تطبق الإسلام شريعة ومنهاجاً، تعتبر الدولة المسؤولة والمعنية بالدفاع عن القيم والأحكام الشرعية الإسلامية وعدم إلغائها أو تهميشها من قبل منظمات الأمم المتحدة أو غيرها من المنظمات العلمانية أو الليبرالية، ولقد خاضت المملكة مجادلات وحوارات عديدة لإثبات الرؤية الإسلامية الصحيحة تجاه أهمية علاقة الدين بحقوق الإنسان.

ومن هذه اللقاءات ما طلبه عدد من كبار فقهاء القانون والفكر الأوربيين عن طريق سفارة المملكة في باريس منذ أربعين سنة، ورغبتهم الاجتماع بعلماء من المملكة العربية السعودية للتعمُّق في مفاهيم حقوق الإنسان في الإسلام، وقد نظّمت وزارة العدل في المملكة لهم ثلاث ندوات خلال شهر صفر عام 1392هـ الموافق لشهر مارس عام 1972م، حاورهم فيها معالي وزير العدل وعدد من العلماء وأساتذة الجامعات ومن الجانب الأوربي أربعة من أساتذة القانون الوضعي الكبار، يترأسهم وزير خارجية ايرلندا السابق سكرتير عام اللجنة الأوربية التشريعية وأحد المستشرقين الأستاذ للدراسات الإسلامية، وكذلك أحد أساتذة القانون العام مدير المجلة الدولية لحقوق الإنسان الصادرة في فرنسا، والرابع من كبار المحامين في محكمة الاستئناف في باريس. وقد طرح الجانب الأوربي عدة مسائل يعتبرها من المسائل الحساسة تتلخص بما يلي:

1- اتخاذ المملكة القرآن الكريم دستوراً لها وأصلاً لقوانينها وهو قد نزل منذ أربعة عشر قرناً ويرى الجانب الأوربي أنّ ذلك جدير بالملاحظة.

2 – ما نزل به القرآن الكريم من عقوبات الحدود كالقتل والقطع والجلد.

3- قضية المرأة.

4- مسألة حظر التنظيمات النقابية وعدم وضع دستور حكم. وقد مثل الجانب السعودي معالي وزير العدل وعدد من العلماء وأساتذة الجامعات في المملكة الذي شرح للجانب الأوروبي مفهوم الدين عند المسلمين وعند غيرهم، وميّزوا فيه بين القواعد العامة الثابتة في الشريعة الإسلامية وبين الأحكام الجزئية والتفصيلية فيها، وكشفوا عن أنّ الشريعة تحفظ المصالح الحقيقية للعباد في مضمونها وقواعدها، وبينوا أنّ العقوبات الحدية على جرائم خطيرة وقليلة وهي سياسة جنائية حكيمة تحفظ أمن الناس، وتقلل إلى أبعد حد من انتشار الجريمة والاستهانة بأرواح الناس وأعراضهم وأموالهم.

وكانت نتائج اللقاء أن أبدى الجانب الأوربي إعجابه بما سمعه عن الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان فيها، وقال رئيس الوفد المستر (ماك برايد) ما نصه: (من هنا ومن هذا البلد المسلم يجب أن تعلن حقوق الإنسان لا من غيره وأنه يتوجب على العلماء المسلمين أن يعلنوا هذه الحقوق المجهولة على الرأي العام العالمي والتي كان الجهل بها سبباً لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين والحكم الإسلامي)، كما قال أحد أعضاء الوفد: (بصفتي مسيحياً أعلن أنه في هذا البلد يعبد الله حقيقة وأنه يوافق السادة العلماء في أنّ أحكام القرآن في حقوق الإنسان بعد أن سمعها ورأى الواقع في تطبيقها تتفوق بلا شك على ميثاق حقوق الإنسان).

الوقفة الثالثة: تختلف مصادر حقوق وواجبات الإنسان في الأديان السماوية عن مصادرها في القوانين الوضعية، ففي القانون يهدف واضعو هذه الحقوق والواجبات بأن لا تكون مرتبطة بالدين أو مستمدة منه تحقيقاً لمبدأ فصل الدين عن الدولة الذي ساد بعد الثورة الفرنسية عام 1789م واستبدلوه بما يطلق عليه بضمير الجماعة، ومن ثم فإنّ الجماعة هي التي تخوّل الفرد التمتع بحرياته وبحقوقه بعيدة عن متناول السلطة الدينية أو السياسية.

فلا تستطيع إهدارهما دون جزاء قانوني، ثم تطوّرت المدرسة الأوربية فأرجعت حقوق الإنسان إلى فكرة الحق ويتعين الاعتراف بها لمجرد كونه إنساناً ولا يشترط أن يكون لها حماية قانونية وهي كذلك التي تقرر عليه الواجبات التي يتعيّن عليه أداؤها وهذا يكشف الخلل لدى واضعي الأنظمة الوضعية في فهم مهمة الإنسان في هذه الحياة، حيث أغفلوا التلازم بين حقوق الإنسان وبين واجباته، وذلك منذ أن تخلوا عن مناهج الأديان السماوية وهاهم بدا لهم الآن وضع واجبات الإنسان في مقابل حقوقه وذلك بعد عقود من الزمان.

وقد برزت هذه المبادرة منذ عشر سنوات عندما طالب المستشار الأسبق لألمانيا هيلموت شميدت، ووزير خارجية كندا الأسبق اكسويرزي ورجال فكر آخرون بلغ عددهم ستة وعشرين شخصية قيادية من مختلف أنحاء العالم اعتماد إعلان دولي يتناول واجبات الإنسان ليكون مرادفاً لحقوقه، وكان ذلك بدعم من رجل الأعمال الأمريكي (تيدتيرنر) الذي تبرع لهذه المهمة بمليار دولار، وقد جاء في ديباجة مشروع قرار واجبات الإنسان الأممي المقترح (أنه استناداً إلى المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948م والتي تنص بأنّ (على كل فرد واجبات إزاء الجماعة التي فيها وحدها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر والكامل).

ولو نظرنا إلى منهج الإسلام مع مهمة الإنسان فى الحياة لوجدناها مبنية على أساس من التوازن والتكامل بين واجبات الإنسان وحقوقه في مهمته الحياتية المتمثلة بأن الإنسان مستخلف بأمر الله تعالى لعمارة الأرض، وأنّ البيئة وبقية الخلائق مسخرة للإنسان لإنجاز مهمة الاستخلاف، وأنّ الواجبات والحقوق في منهاج الإسلام تكاليف إيمانية تعبدية، بالإضافة إلى كونها قضايا شخصية والعلاقة بين واجبات الإنسان وحقوقه علاقة تكاملية. وبالنظر إلى ما توفّر عن المسودة المقترحة الخاصة بمشروع واجبات الإنسان، نلاحظ أن بعض بنودا البالغة ثلاثين بنداً مقتبسة من القرار رقم ثلاثين في الفصل الثاني (الواجبات) والذي اتخذه المؤتمر الدولي التاسع للدول الأمريكية عام 1948م تحت مظلة منظمة الدول الأمريكية.

كما يلاحظ أنّ واضعي مسودة هذا الإعلان ربطوا مشروع واجبات الإنسان المقترح بعملية العولمة، حيث نصّت المادة رقم (24) منه على ما يلي: (واضعاً نصب عينيه عملية العولمة بوجه عام ويلتزم الجميع للمساعدة في تعزيز التفاهم المتبادل والتطوّر الإيجابي للبشرية …..)، كما أنهم بنوا كرامة الإنسان على كون المجتمع يتكون من مخلوقات ذكية وأنّ رجاحة العقل هي السبب الرئيسي لكرامته، إلى غير ذلك من المواد التي تنطلق من مفهوم غربي لواجبات الإنسان مما يحتم علينا كمسلمين وضع خطة للمشاركة في صياغة هذا الإعلان المقترح وفق رؤية إسلامية تنطلق مما أشار إليه قرار مجلس الوزراء السعودي الموقر، على أنه استكمالاً لما ورد في هذا القرار فإنه يستحسن اتخاذ ما يلي:

1- تكليف ضابط اتصال بين اللجنة التي أمر بتشكيلها مجلس الوزراء يكون ضمن بعثتي المملكة بمقر الأمم المتحدة بنيويورك وجنيف، تكون مهمته متابعة سير القرار الأممي المقترح والتواصل أولاً بأول مع اللجنة، وبعث ما يتم طرحه من مداولات حيال القرار واستقبال ما يتم توجيهه به من قِبل اللجنة المذكورة.

2- أن ترتبط اللجنة الأولى التي أقرّها مجلس الوزراء بلجنة استشارية عليا تتكون من علماء كبار لهم باع طويل واختصاص ومؤلفات في مجال حقوق الإنسان، أمثال معالي الدكتور الشيخ عبد الله التركي رئيس رابطة العالم الإسلامي ومعالي الدكتور الشيخ صالح بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى ومعالي الدكتور عبد الله بن عبيد وزير التربية والتعليم السابق، وتكون مهمة هذه اللجنة مراجعة ما توصلت إليه اللجنة الأولى من قرارات ومدى مطابقته لأحكام الشريعة الإسلامية، ونكون بذلك قد أدينا دورنا الذي اختصّ الله به هذه الدولة وقيادتها المباركة في الذّود عن أحكام الشريعة الإسلامية ومنهاجها القويم لصالح الإنسان أيّاً كان جنسه وديانته.

(*) عضو هيئة التدريس بكلية المجتمع ببريدة جامعة القصيم – باحث في مجال حقوق الإنسان والعدالة الجنائية

-- صحيفة الجزيرة:د. عبد الوهاب بن منصور الشقحاء

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*