الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المعلّم والطالب والثورات

المعلّم والطالب والثورات

من السذاجة أن نعتقد أن طلاب المدارس كائنات معزولة عن العالم، لا تعرف ما يدور فيه، فقد ظهر للعالم كله أن الشباب يفهمون كل شيء، وأن لهم آراء وتوجهات، إما أن نحترمها ونسمعها ونناقشها معهم، وإما أن نضع رؤوسنا في الرمال، ونتحرج من الحديث معهم عنها، ونكتفي بأن يصدر علماء الدين فتاوى، وعندها يجب ألا نلوم طلابنا إذا استقوا آراءهم من شبكات التواصل الاجتماعي.

مهمة التربوي

قبل سنوات قليلة تنبهت بعض الدول العربية إلى أن تجاهل مادة التربية الوطنية، جعل بعض الأبناء يعتقد أن هناك تضاربًا بين الانتماء للوطن، وبين الانتماء للأمة الإسلامية، فتقرر الاهتمام بهذه المادة، لترسيخ حب الوطن، والاعتزاز بهذه الهوية الوطنية، ولكن السؤال الذي يجب طرحه: هل نعل�’ِم الطالب أن وطنه هو جنة الله على الأرض، وأنه لا مشاكل فيه على الإطلاق، ونرسم له واقعًا خياليًا؟ أم نتكلم معه كإنسان عاقل مدرك، يعرف أن هذا الكلام لا يقوله إلا كاذب أو منافق.

ينبغي أن لا يجد المعلم حرجًا في التحدث مع تلاميذه وطلابه، عن الأوضاع الحقيقية في وطنه وعالمه العربي والإسلامي بل والعالمي، بإيجابياتها وسلبياتها، ويسمع لهم بإصغاء شديد، ليناقشهم في آرائهم بكل جدية واهتمام.

معلم اليوم يجب أن يكون واسع الثقافة، يعرف ما يدور في العالم، معرفة متعمقة، فلا يكفي أن يردد ما شاهده في موجز نشرة الأخبار، بل يجب عليه أن يقرأ التحليلات من المتخصصين، بحيث لا يكون أقل دراية من طلابه، وهذا أمر لم يعد باليسير، في ظل وجود ملايين المدونات، والمواقع الإخبارية، ومقاطع الأحداث على «يوتيوب»، وسيل الآراء على الفيسبوك وتويتر وغيرهما.

ومعلم اليوم يجب أن يكون واسع الصدر، لا يكبت النقد أو الاتهام، بل يعرف كيف يستخلص من الكلام الكثير المشحون بالانفعالات، نقاطًا موضوعية محددة، يمكن النقاش حولها، ويعرض الحجج المؤيدة والمعارضة، ويتوصل مع طلابه إلى نتائج منطقية مقنعة لهم، بحيث لا يغادرون الصف، والأسئلة مازالت تشغل أذهانهم.

مهمة المنهاج

الجدال مع إنسان جاهل، لا يوصل أبدًا إلى نتائج عقلانية، والجهل في السياسة، يجعل من أمامك لا يجد نماذج سابقة يقارن معها، ويفتقد آليات التفكير في القضايا السياسية، ومن ثم التوصل إلى أحكام، فكما لا يكون منطقيًا الحديث مع شخص عن أدعية ختام الصلاة، وهو لا يعرف شيئًا عن الصلوات الخمس، فإنه لا يعقل أن نتحدث مع شخص عن حق النقض (الفيتو)، الذي تتمتع به الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، إذا كان لا يعرف شيئًا عن الأمم المتحدة من الأصل.

أليس من الضروري أن يعرف الطالب جهود بلاده في المحافل الدولية؟ أليس لازمًا أن يحصل على معلومات عن دور مجلس الشورى أو البرلمان أو مجلس النواب؟ أليس من المهم أن يدرك الفرق بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية؟ أليس من اللازم أن يعرف معنى دولة المؤسسات ودولة القانون؟ ألا يفيد أن يعرف معنى حقوق الإنسان، ويطبقها في حياته اليومية؟

وعندما تكون لديه قاعدة من المعلومات عن ذلك، أمكنه أن يكون كائنًا ناضجًا، قادرًا على تبني آراء مستقلة، تجعله مستعدًا لتقبل الرأي الآخر، إذا كان مقتنعًا به، ومدركًا لمعنى التعددية، بأن رأيه ليس بالضرورة هو الصواب المطلق، والحكم الوحيد المقبول في المسألة المطروحة للنقاش، ومستعد للإسهام في أن يسود السلام وأن تعم الحرية، وأن يكون لديه وعي بأن التسامح والوعي البيئي والعدالة والسلام والتضامن والإنسانية، هي الأعمدة التي تقوم عليها المجتمعات العصرية، وأن يكون منفتحًا على العالم، محبًا لخير البشر جميعًا، مهتمًا بالتحديات والمشاكل التي تواجه الإنسانية جمعاء، وأن يكون قادرًا على رؤية الأحداث من مختلف الزوايا، وعدم الاقتصار على النظر إلى مصلحته الفردية، بل إلى مصلحة المجتمع ككل، أي التخلص من (الأنا)، والتحول إلى (نحن)، والتخلص من الأحكام المسبقة. كل ذلك يجعل تدريس مادة السياسة أو تضمين مبادئها في مقررات التربية الوطنية أمرًا ضروريًا.

ويمكن تلخيص أهداف مادة السياسية في المدارس في الغرب، في أربع نقاط، هي:

1) اكتساب معلومات أساسية عن الدول والمؤسسات والمنظمات.

2) فهم السياسة.

3) تكوين أحكام مستقلة.

4) المشاركة الفاعلة في القضايا السياسية.

ورغم أن الاتهامات الغربية إلى بعض الشعوب بـ(عدم النضج الديمقراطي)، فيها الكثير من العنصرية والتعالي والاستكبار، فإنه لا يمكن إنكار أنه بدون وجود أي أساس من المعلومات، وبدون فهم العلاقات التي تربط بين السياسة والاقتصاد، وبين مؤسسات الدولة المختلفة، فإن تكوين أحكام مستقلة، بدلاً من تكرار آراء الآخرين، والاستسلام لعقول الآخرين، سيكون أمرًا عسيرًا، وستكون المشاركة الفاعلة في القضايا السياسية، اندفاعًا أهوج، من المؤكد أن ضرره أكثر من فائدته.

مناقشة ما حدث في مصر

إذا توصلنا إلى قناعة بأن التكتم والتجاهل لا يفيدان، وأن صمت المعلم، لا يعني توقف الطلاب عن التفكير في الأمر، فإن تناول ما حدث في مصر – على سبيل المثال -، يمكن أن يتم في حصة الاجتماعيات، التي تتعرض لجغرافيا العالم العربي وتاريخه، وبالتالي يمكن تحقيق الهدف الأول من الأهداف المذكورة أعلاه، أي تزويد الطالب بمعلومات أساسية، مثل:

• أهمية مصر بسبب موقعها الاستراتيجي بين قارتي آسيا وإفريقيا، وعلى البحرين الأبيض والأحمر، ووجود قناة السويس، التي تمر فيها سفن النفط، داخل الأراضي المصرية، وبسبب عناصر التاريخ، وعدد السكان، وحجم قواتها العسكرية، واحتلالها المرتبة الثالثة من حيث الاقتصاد في المنطقة العربية، بعد المملكة والإمارات.

• الحكم المصري منذ ثورة 1952م، وانتقاله من النظام الاشتراكي إلى الرأسمالي، والعودة إلى سيطرة رأس المال، رغم أن الثورة جاءت للقضاء على ذلك.

• فقدان مؤسسات الدولة لجوهرها، فالبرلمان لم يعد يمثل إرادة الشعب، ووزارة الداخلية لم تعد في خدمة الشعب، والسياسة الخارجية لم تعد تتفق مع رغبات الشعب، والرخاء الاقتصادي ظل مقتصرًا على فئة محدودة.

• العلاقات الوطيدة بين البلدين، على جميع الأصعدة، السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، والانعكاسات المتوقعة للأحداث هناك على هذه العلاقات.
وبعد هذه الخلفية، يمكن استعراض آراء الطلاب التي ستكون إما مؤيدة لثورة الشباب المصريين، أو رافضة لها، أو لا تأبه لها، والأهم من الرأي الذي يتبناه الطالب، هو معرفة المبرر لهذا الموقف من هذه الثورة، هل يعتمد رفضه مثلاً على اعتبار ذلك مخططات مدبرة من أعداء الإسلام، لأن ذلك يضر بالاستقرار والأمن، كما ذكر بعض علماء الدين، أو يرى أن في ذلك اعتداء على هيبة الدولة، وخروج على الشرعية، أو سيكون مبنيًا على الأضرار الاقتصادية الناجمة عن هروب الاستثمارات الأجنبية من جراء عدم الاستقرار، وتوقف السياحة، وانقطاع العمل في المصانع، أو على الخوف من حدوث شقاق بين أبناء الوطن الواحد واندلاع حرب أهلية، أو ما حذر منه البعض من احتمال تدخل جيوش أجنبية في حالة هيمنة الفوضى، أم سيكون الطالب مؤيدًا لأنه يعتقد بأن النظام الجمهوري، لا ينبغي له أن يطبق آليات الحكم الملكي، من انتقال الحكم بالوراثة، وأن امتلاك البعض للمليارات في دولة يعيش الكثيرون فيها تحت خط الفقر، غير مقبول، خاصة إذا كانت هذه الأموال مسروقة من خزائن الدولة، وأن الدولة لابد أن تحترم إرادة شعبها، وتحترم كرامة المواطن، وأن تحترم القوانين، وأن تستمع إلى الشباب، وتتيح لهم فرص المشاركة في سياسة بلدهم.

في تحليل المعلم لهذه الحجج، لابد عليه أن يكون قادرًا على مناقشتها بصورة موضوعية، مع مراعاة توجهات الدولة التي يعمل موظفًا فيها، ويمثل موقفها، ويوضح خلفيات هذا الموقف، مع السماح للطالب في النهاية أن يكون له رأي مستقل، بشرط أن يعبر عنه بأسلوب متحضر.

المدارس في الغرب بعد الثورات والحروب

إذا كان الهدف من الثورات أو الحروب أن تقوم بإحداث تعديلات جوهرية على كافة نواحي الحياة، فإن المدارس قبل هذه الثورات، ستكون لا محالة مختلفة عن المدارس بعدها، ولن يقبل المنتصر أن تستمر المناهج المتأثرة بالنظام الذي كان سائدًا من قبل، وهو ما يمكن ملاحظته في أوضح صورة في شرق ألمانيا، الذي وقع ابتداء من عام 1945م تحت الهيمنة السوفيتية بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ثم انضم إلى غرب ألمانيا في عام 1990م، أي أن شرق ألمانيا شهد تغيريين جوهريين في كافة نواحي الحياة، ومنها النظام التعليمي في أقل من خمسة عقود.

بعد الحرب العالمية الثانية فرضت الإدارة السوفيتية من خلال الحزب الشيوعي الحاكم في برلين، التخلص من كافة آثار النازية في المناهج التعليمية، واتباع الأيدلوجية الشيوعية، الهادفة إلى محاربة الفاشية، والقضاء على التعليم الخاص، وفصل الدين عن الدولة، وإعادة تشكيل الهيئات التدريسية في كافة أنحاء البلاد، عن طريق التخلص من المعلمين السابقين الموالين للنظام النازي، الأمر الذي تسبب في فصل حوالي 80 في المئة من المعلمين والمعلمات، واستبدالهم بمعلمين مما أحيلوا على المعاش من قبل، علاوة على تعيين مديري مدارس وإداريين من أتباع الحزب الشيوعي الحاكم، الذين لم يكونوا يتمتعون بالمؤهلات المطلوبة، مما تسبب في حدوث فوضى في المدارس استمرت حتى عام 1949م.

وبعد أن رسخت أقدام النظام الجديد في شرق ألمانيا، التي أطلق عليها اسم (جمهورية ألمانيا الديمقراطية)، تغلل شبح الفكر الأيدولوجي في كافة مراحل التعليم، حتى إن الأديبة الألمانية المرموقة كريستا فولف، تحدثت مع جمهور من شرق ألمانيا في الأيام الأخيرة لهذه الدولة الشيوعية، وطلبت من كل واحد منهم أن يدلي برأيه في الأوضاع التي كانت سائدة في هذه الدولة المقبلة على الزوال، فسكت جميع الحاضرين، ثم تحدثت سيدة منهم، قائلة إنها تعلمت منذ التحاقها بروضة الأطفال أن تقول ما جرى تلقينه لها ولكل الطلاب، فالمعلم لا ينتظر رأيًا مستقلاً للطالب، بل تكرار الرأي الذي حفظه من قبل، وعندما نبهتها فولف إلى أن هذه الدولة بصدد الاختفاء من الوجود، وأنه بوسعها أن تقول رأيها الخاص بها بمنتهى الحرية، ردت السيدة قائلة إنها لم تتعلم أن يكون لها رأي، بل إنها لا تعرف ماذا تريد بالضبط.

وحين سقط سور برلين فعلاً، وتحقق حلم الوحدة الألمانية، استعانت السلطات التعليمية بمعلمين من غرب ألمانيا، ليساعدوا زملاءهم من الشرق، أو ما يطلقون عليه الآن مصطلح (الولايات الألمانية الجديدة)، واستطاع المعلمون أن ينسجموا مع النظام الجديد، واضطر معلمو اللغة الروسية، التي كانت اللغة الأجنبية المفروضة على طلاب ألمانيا الشرقية، إلى تعلم اللغة الإنجليزية، لأن حوالي 90 في المئة من الطلاب اختاروا بعد عام واحد من الوحدة الألمانية دراسة اللغة الإنجليزية، بدلاً من الروسية.

ورغم شكاوى المعلمين في شرق ألمانيا من انخفاض رواتبهم عن رواتب زملائهم في غرب ألمانيا، وحديث البعض عن «احتلال» غرب ألمانيا لشرقها، بسبب الاستعانة بقيادات تربوية من الغرب، فإن طلاب شرق ألمانيا، استطاعوا أن يحققوا مستويات تعليمية أفضل من زملائهم من الغرب، واحتلت ولاية سكسونيا الشرقية، المرتبة الأولى في التعليم بين ولايات ألمانيا الست عشرة.

وعودة على التغيير في مصر، فسواء اقتصر الأمر على استبدال صورة الرئيس السابق، بصورة الرئيس الجديد، أو جرى التخلص من صور الرؤساء جميعًا، بهدف القضاء على ظاهرة تقديس الأشخاص، أو حدث تغيير جوهري في المناهج التعليمية، لترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، وإعداد الطلاب لمصر الجديدة، فإن نتائج هذه التعديلات ستحتاج إلى سنوات، حتى يمكن الحكم على نتائجها، لأنه لا يمكن أن يتم مسح ثلاثين سنة من الحكم السابق، بين عشية وضحاها، كما اتضح من تجربة ألمانيا الشرقية.

نهاية سعيدة

ومع الدعوة لامتصاص انفعالات الطلاب، واستيعاب آرائهم ومواقفهم، فإن مناقشة هذه التطورات، لا ينبغي بحال أن تؤدي إلى توقف التدريس، والانشغال بها عن المنهاج الدراسي، بل لابد من تذكير الطلاب بأن كل دولة لها وضعها الخاص، وآلياتها المستقلة في حل الخلافات، وأنه لا مبرر للانفعالات الزائدة، لأن كل ثورة تنتهي، ويجد المنتصر دومًا الجميع في انتظاره لتهنئته، وتعود الحياة للاستمرار من جديد، مثل الصبح الذي ينتهي، ثم يعود يومًا وراء يوم.

-- أسامة أمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*