الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مَنْ قَبِل بـ(الاحتلال).. لا يفرح بـ(خروجه)؟

مَنْ قَبِل بـ(الاحتلال).. لا يفرح بـ(خروجه)؟

 أكان عجيباً..؟

لا.. لم يكن عجيباً أن يكون الاحتفال العراقي بـ(انسحاب جنود الاحتلال الأمريكي) من أراضيه بعد تسعة أعوام من التقتيل والتدمير والتخريب والنهب والتشريد والسجون وانتهاكاتها.. هادئاً خجولاً متواضعاً.. طوعاً أو كرهاً، وعلى

نحو ما جرى به في كل من مدينتي (الفلوجة) و(الناصرة) الصغيرتين في يومي الرابع عشر والثامن عشر من شهرنا الحالي (ديسمبر)، إذ إن مدن العراق الكبرى كـ(الموصل) و(البصرة) أو (الكوفة).. كانت غائبة تماماًَ، حتى عن هذه المشاركة الهادئة الخجولة، وكأن الأمر لا يعنيها.. أو كأنها بلغت بعد قسوة السنوات التسع التي عاشتها مع الاحتلال، ذلك الحد.. الذي لم يعد يفرحها بعده فرح.. أو يحزنها بعده حزن.

أما (بغداد).. درة النهرين، وعاصمة الرشيد والمأمون، وقلعة الأسود.. كما قال عنها الشاعر المصري الكبير (محمود حسن إسماعيل) وهو على حق، فقد كانت وما تزال.. مكبلة أسيرة صامتة، تحت وطأة المنطقة الخضراء والسفارة الأمريكية بـ»ثقلها» وجنودها وحرَّاسها والآليات العسكرية التي تحيط بها وبكل ما حولها..

فلم تتمكن من تسيير مسيرات في الشوارع، ولا إقامة تجمعات في الميادين.. ولا تطيير بالونات فرح ملونة في السماء، ولا إطلاق ألعاب نارية على ضفاف دجلتها العظيم، تعبر فيها عن فرح الأمة بخلوصها من قبضة الاحتلال.. فـ»الاحتلال» وإن ذهب بالأكثرية من جنوده..

فقد بقي ببعضها (خمسون ألفاً.. على الأقل)، وبـ»اتفاقاته» الأمنية الصارمة، والاستراتيجية الملزمة، والنفطية الموثقة وبـ»منعه» العراق..

من أن يكون له جيش وطني يدافع عن حدود أرضه وسمائه وبحاره، والاكتفاء بـ»شرطة» مدنية مدربة مهندمة تلبس أجمل الملابس الزرقاء لحفظ الأمن والمرور ومكافحة الحرائق..! أما صمت العواصم والمدن العربية المخجل..

من هذه المناسبة العروبية الكبرى، فقد كان تعبيراً واقعياً صادقاً أميناً عن مواقفها من قبول (الاحتلال).. بـ»التحريض» عليه بداية من العراقيين الأمريكان في واشنطن ونيويورك من أمثال الدكتور كنعان والجلبي وغيرهما، ومباركته من نصف عرب الجامعة العربية، ثم بـ»شرعنته» نهاية..

وإلى حد عدم الإشارة إليه تلميحاً فضلاً عن الدعوة لـ»مقاومته» تصريحاً، فلم يوصف (العدوان الأمريكي) الغاشم على العراق، الذي رفضته دول مجلس الأمن الدائمة وغير الدائمة العضوية مجتمعة..

إلا من بريطانيا (بلير) وإسبانيا (اثنار)، وقاومته دول الأمم المتحدة جميعها.. وأصر عليه الرئيس الأعجوبة – في تاريخ الرئاسات الأمريكية – جورج بوش الابن، وهو يخاطب أعضاء المجلس بكل صلف وغرور الدنيا قبيل ساعات من بدء العدوان.. قائلاً: (إن الأمر ليس هو أمر تفويض منكم، لكن الأمر.. هو أمر إرادة).. وقد أنفذ تلك «الإرادة» التي كان يظن أن لا أحد يعلم من أين هبطت عليه، بينما العالم كله يعلم أنها قادمة من المشروع الإمبراطوري الأمريكي (الحلم) الذي قدم بوش الابن.. للرئاسة من أجله، وأن عرابها الأمريكي الأول.. هو (انديك) مستشاره وسفير أمريكا الأسبق لدى تل أبيب.

 لقد أودت تلك (الإرادة) بحياة خمسة آلاف وأربعمائة جندي أمريكي من خيرة الشباب الأمريكي، إلى جانب أضعافهم من عشرات الآلاف من الجنود العاقيين، وأضعاف أضعافهم من مئات الآلاف من المواطنين العراقيين، وهي تشرد أربعة ملايين عراقي، وتهدم وطناً.. ركناً في الحضارة الإنسانية، وهي تدفعه إلى الوراء.. قرناً بحاله..!!

أقول: لم يُوصَّف ذلك العدوان بـ»الاحتلال» إلا في القمة العربية التاسعة عشرة التي عقدت في شهر مارس من عام 2007م بـ(الرياض)، عندما جاءت على لسان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله.. وهو ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجيتها تقوم وتقعد.. وهي تسأل عن «معنى» ما قاله الملك؟! باعتبار أن القمتين السابقتين لم تشرا إلى ذلك العدوان بأنه (احتلال) بل (وجود أمريكي)..

بينما كانت القمة العربية السادسة عشرة التي عُقدت في شرم الشيخ وبرعاية الرئيس السابق مبارك وقبيل بدء العدوان بأيام (في السابع عشر من شهر مارس من عام 2003م) – أكثر إدراكاً وتفهماً لوجهة النظر الأمريكية!! – حيث إنها أقرت بصمتها..

ما كان يجري التحضير له آنذاك من تحديد لبدء ساعة العدوان، عندما امتنعت عن الوقوف إلى جانب (فرنسا وألمانيا) اللتين كانتا تعارضان العدوان على العراق بشن حرب عليه لا أسباب لها.. وقد كان يمكنها أن تضمِّن بيانها الختامي إعلان وقوفها إلى جانب الموقف (الفرنسي الألماني) المعارض، لكنها لم تفعل.. فكان صمتها أو تجاهلها للموقفين الفرنسي والألماني.. إنما هو ترحيب ضمني غير مباشر بالعدوان على العراق وعدم تعطيله..!!

***

فما الذي حدث لـ»العروبة»، ولـ»الشرفاء» من أبنائها.. وما أكثرهم وأعظمهم في العراق..؟ وأين العرب خارجهم الذين هبوا لمساندة الثورة الجزائرية ضد المستعمرين الفرنسيين في مطلع الخمسينات، وأين العرب الذين رفضوا «حلف بغداد» في منتصف الخمسينات.. حتى أسقطوه، وهبوا هبة رجل واحد.. أمام الإنزال العسكري الأمريكي في بيروت لإبقاء الرئيس شمعون في مقعده الرئاسي لدورة ثالثة غير دستورية.. حتى أخرجوه من قصر (بعبدا)، وأين العرب الذين تداركوا كارثة 67م بالمال وبالرجال حتى يصنعوا لحظة نصر أكتوبر – رمضان.. المجيد؟ وأين العرب الذين احتفلوا بالملايين.. يوم أن غادر آخر جندي بريطاني ميناء عدن في أواخر الستينات وهم يقذفون وراءه بـ(الحجارة) ويشيعونه بأقذع الألفاظ..؟

فهذا الاحتفال العراقي الهادئ والخجول الذي تم في الفلوجة والناصرة.. بـ»مغادرة» جنود الاحتلال الأمريكي للعراق – الذي سيستكمل مع نهاية هذا الشهر – وفاءً لأجندة التغيير التي جاءت بالرئيس أوباما إلى البيت الأبيض، ولمصلحة إعادة انتخابه لدورة ثانية في نوفمبر القادم.. وليس اعترافاً بجريمة شن تلك الحرب الأحادية الجانب على العراق، أو اعتذاراً عنها..

إنما يعبر واقعياً عن أسعد ما كانت ترجوه الولايات المتحدة الأمريكية وبعض جنودها يغادرون العراق مكرَّمين معززين.. وبيدها كل تلك المكاسب السياسية الاستراتيجية والاقتصادية النفطية والإعمارية، وفوقها: «دولة كردستان» العراق الشمالية، برئيسها وحكومتها، وبرلمانها، ولغتها الكردية، وعلمها ونشيدها الوطني، ودولة شيعية سنية مركزية.. اسماً، ممزقة متناحرة.. واقعاً وفعلاً.

تغتصب فيها المناصب في دولة الديمقراطية الأمريكية، فيأخذ الثاني (المالكي) مكان الأول (العلاوي) في رئاسة الحكومة.. ويتهم نائب رئيسها السني (الهاشمي) بـ(الإرهاب).. فلا يجد ملاذاً آمناً له إلا بالمغادرة إلى دولة كردستان الشمال(!!) ومازال بعض الجنود الأمريكيين المنسحبين يرفعون حقائبهم فوق شاحنات مغادرتهم..!!

***

لقد كان الوداع الذي يليق بهؤلاء الجنود عراقياً.. شيئاً يتماثل مع ما فعله مراسل قناة البغدادية (منتظر الزايدي).. عندما ألقى بفردتي حذائه في وجه زعيم العدوان على العراق ورأسه (الرئيس جورج بوش)، وهو يلقي فرحاً مزهواً بإنجازات الحرية والديمقراطية في العراق.. خطابه الوداعي (للعراقيين) في بغداد قبيل مغادرته البيت الأبيض بسبعة وثلاثين يوماً، فالعراقيون وإن طحنتهم تلك السنوات التسع.. ليسوا ممن يغريهم في النهاية ذهب المعز وسيفه، ومن المؤكد أن مطالبتهم بـ(التعويضات) عما أحدثته سنوات الاحتلال الأمريكي – بأرضهم وإنسانهم – ستبدأ فور مغادرة آخر جنوده لأراضيهم ومع وصول أول حكومة وطنية حقيقية لسدة الحكم، ولهم فيما أُرغمت عليه ألمانيا الاتحادية – بعد نهاية الحرب العالمية الثانية – من دفع تعويضات لـ(إسرائيل) التي لم تكن موجودة – أصلاً – أثناء أحداث (الهولوكوست).. امتد سدادها حتى منتصف الستينات: أسوة.. ومثل يحتذى به..؟!

فإذا كانت ألمانيا الاتحادية.. قد دفعت عن طيب خاطر أو مكرهة تعويضات لأفراد من الطائفة اليهودية، ألحق بهم النظام النازي أضراراً أودت بحياة مائة ألف أو مليون منهم.. أو أكثر أو أقل، فإن من حق الشعب العراقي أن يطالب بـ(التعويضات) عما لحق بأرضه ووطنه ودولته وثرواته النفطية والأثرية، وبـ(الملايين) من أبنائه من أضرار.. تتواضع معها الأضرار اليهودية، فقد تحول على يديه خمسة وعشرون في المائة من أبنائه إلى مشردين ولاجئين ومعوقين.. يضربون في فيافي الأرض وأصقاعها.. بلا حاضر أو مستقبل..!!

dar.almarsaa@hotmail.com

-- صحيفة الجزيرة: د.عبدالله مناع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*