الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ذهب شهناز ودراجة مهرداد

ذهب شهناز ودراجة مهرداد

في الثامن من أغسطس (آب) 1988، انهارت أسعار العملات الأجنبية والذهب في إيران، إلى الحد الذي دفع بالعشرات من الإيرانيين إلى الانتحار لعجزهم عن سداد الديون أو خسارتهم لثرواتهم -كما أوردت ذلك جريدة كيهان في حينه – ويؤكد بعض المؤرخين على أن فقدان الريال الإيراني لثلثي قيمته مثّل كارثة قومية للنظام، لا سيما وأن البلد لم يتعاف وقتها من صدمة أسواق المال في1987، وقد كانت الأوضاع الاقتصادية الصعبة أحد الدوافع الرئيسية لقبول طهران وقف اطلاق النار وفق شروط اعتبرتها مجحفة، ولكن كان على النظام أن يتجرع «السم» ـ كما قال الإمام الراحل الخميني- كي لا يموت الشعب جوعا.
يختلف المؤرخون حول الأسباب الرئيسية التي أدت إلى انهيار الاقتصاد الايراني، ولكن هناك شبه إجماع على أن محاولة بعض فرق البحرية التابعة للحرس الثوري زرع ألغام بحرية في مضيق هرمز، واستهداف سفن البحرية الأميركية بالخليج في أبريل (نيسان) 1988، وما تبعها من عمليات أميركية خاطفة لضرب البحرية الايرانية حملت اسم «فرس النبي»، وأدت في نهاية المطاف إلى إسقاط طائرة الركاب الإيرانية 655 في يوليو (تموز) 1988. كل تلك المحاولات اليائسة لتهديد سلامة العبور في المضيق، ارتدت آثارها سريعاً على ايران اقتصاديا وعسكرياً، بحيث وجدت نفسها غير قادرة مالياً على مواصلة الحرب.
خلال الأسبوع الماضي تكررت بعض مشاهد 1988، فقد خرج قائد البحرية الايرانية حبيب الله ساري ليقول إن: «إغلاق المضيق أمام ناقلات النفط أسهل من شربة ماء»، وفي الوقت ذاته حاولت البحرية الايرانية استعراض قوتها عبر مناورات كبيرة، واختبار لتشكيلة من الأسلحة، وعلى الرغم من أن الحكومة الايرانية نفت نيتها إغلاق المضيق لاحقاً، وبعثت برسالة إلى الاتحاد الأوروبي تطلب فيها معاودة فتح باب المفاوضات، إلا أن ردود الفعل الدولية كانت منزعجة من استعراض القوة الايراني، وسياسة الابتزاز كوسيلة للتفاوض.
نتيجة لذلك، لم تفلح المناورة الايرانية في تغيير المناخ السلبي السائد، بل في الوقت الذي قام فيه النظام بتهديد المضيق، وقع الرئيس الأميركي باراك أوباما على قرار يضع حزمة العقوبات الأميركية الجديدة على ايران موضع التنفيذ، وهو قرار جريء ومباشر يفرض عقوبات على بنك ايران المركزي المسؤول عن واردات شركة النفط الايرانية. بعض المراقبين شبه القرار بـ«إعلان حرب» عبر تجميد نشاطات البنك المركزي الإيراني، الذي تتم عن طريقه تعاملات البلاد المالية، وهو ما قاد إلى فقدان الريال الايراني 35 في المائة من قيمته، منذ الاعلان عن العقوبات في سبتمبر(أيلول) الماضي.
لا شك أن النظام الايراني يمر بحالة من الصدمة والغضب، بسبب استهداف اقتصاده بشكل مباشر، ولكن لا يبدو أن لدى صانع القرار الايراني خيارات آخرى لتلافي الانهيار المحتمل في أسواقه المالية، وللدلالة على ذلك، فإن التهديدات الايرانية بوقف التبادل التجاري مع دولة الإمارات، وقبل ذلك مشروع قرار في الشورى الايراني، بهدف قطع العلاقات التجارية مع السعودية بعد حوادث البحرين كلها، ظلت تهديدات لم يقدم النظام على القيام بها، لأن من شأن ذلك زيادة العزلة الاقتصادية بالنسبة له.
أثناء التحضير لكتابة هذا المقال، لفت نظري تقريران يفصل بينهما ثلاثة وعشرين عاماً يلخصان المشهد الايراني الحالي، حيث نشرت مجلة «المجلة» تقريراً بعنوان «حالات انتحار في طهران» (13 سبتمبر 1988، العدد 448) تحدثت فيه عن حالة البؤس والسوداوية التي لفت الايرانيين، إثر انهيار قيمة الريال، وروى التقرير حكاية أرملة تدعى شهناز دفعتها الظروف الاقتصادية الصعبة إلى بيع بيتها وكل مدخراتها، لكي تشتري به قطعا نقدية ذهبية لتأمين قوت أطفالها الثلاثة. أما التقرير الآخر فنشرته جريدة «نيويورك تايمز» تحت عنوان: «العملة الايرانية تهبط تحت العقوبات الأميركية» (2 يناير 2012)، أوردت فيه أن أسعار البيوت تضاعفت 20 في المائة، وأن البنوك توقفت عن تقديم الضمانات البنكية، أو بيع الدولار بالقيمة المقررة حكومياً، وأوردت الجريدة في ثنايا التقرير حكاية الشاب مهرداد اللهياري الذي كان يحلم بشراء سيارة «بي أم دبليو»، ولكنه اضطر إلى بيع دراجته النارية – وهي كل ما يملكه – لتحويل قيمتها إلى الدولار، خوفاً من فقدان الريال المزيد من قيمته في الأسابيع القادمة.
أمام هذا السيناريو المقلق ينبغي أخذ التهديدات الايرانية جديا، ليس لأن ايران قادرة على إغلاق المضيق، فهي لا تملك الجاهزية العسكرية لذلك، بل لأن النظام الايراني بات في موقف المحاصر اقتصاديا وسياسياً. في داخل معسكر المحافظين الحاكم اليوم، فريقان: أحدهما يدفع نحو المواجهة، والآخر يرغب في تلافي الاصطدام بالدول المجاورة أو القوات الأجنبية المتمركزة في الخليج، وعليه فإن القرار الايراني لا يزال مضطرباً، ونحن لا نعرف حقيقة إلى أين تتجه رياح التغيير.
في مقالة علمية مهمة نشرها الباحثان جوشوا شفرنسون وميراندا بريب من معهد ماسوسيتش (MIT) بعنوان: «تهديد الخام: حدود القدرات الصاروخية الإيرانية ضد منشآت النفط السعودية» خلص فيه الباحثان إلى أن إيران تفتقر إلى الكفاءة العسكرية اللازمة، للقيام بعملية كبرى تغلق فيها المضيق، وتضرب فيها موانئ الدول المجاورة، وتستهدف خطوط انتاج النفط والغاز. قد يكون بوسع الحرس الثوري أن ينفذ سلسلة من العمليات الانتحارية، وتنشيط الخلايا النائمة بغرض التخريب، ولكن الحروب البحرية تتطلب أكثر من مجرد طرادات بحرية مفخخة.
حسناً، ماذا سيحدث لو قرر النظام الإيراني المخاطرة عسكرياً، فهل سيكون بوسعه إغلاق المضيق حقاً؟ يجيب الباحثان شفرنسون وبريب بأن سيناريوا كهذا قد يعطل الملاحة البحرية ما بين ثلاثة أيام وحتى ثلاثة أسابيع، ليتسنى تطهير المضيق من الألغام والسفن الغارقة. أما بخصوص قدرة إيران على تعطيل منشآت النفط السعودية بالصواريخ البالستية فإن القدرات الدفاعية السعودية ستكون قادرة على صد أي هجمات صاروخية، ولن تؤثر على خطوط الإنتاج نظرا لقوتها الجوية المتفوقة، وامتلاكها لنظام الانذار المبكر، وتوافر نظام دفاعات أرضية حديثة (فصلية الأمن الدولي: صيف 2011).
ليس بوسع أحد التكهن بالسلوك الذي سيتبعه النظام الايراني، فلقد تعود قادة النظام ممارسة السياسة على حافة الهاوية، ولكن في المرات العديدة التي كان استمرار النظام فيها معرضاً للخطر، كان الحرص على بقاء النظام يتغلب على نزعة الانتحار لدى بعض رجاله. هناك شبه إجماع على أن إقدام النظام الايراني على إغلاق المضيق، أو تهديد حركة الملاحة فيه سيعرض طهران إلى المواجهة، ليس مع دول الخليج أو القوى الغربية فقط، بل حتى قوى دولية أخرى كالصين والهند واليابان، حيث لن تقبل هذه الدول بأن تتعرض وارداتها من البترول إلى التوقف بقرار إيراني.
النظام الايراني أمام تحد حقيقي، ومشكلته ليست عسكرية -فقط- بقدر ما هي اقتصادية وسياسية في الداخل والخارج. إذا لم يدرك قادة النظام أن انهيار الريال أكبر خطورة من الوجود الأجنبي في مياه الخليج، أو القبول بتنازلات في الملف النووي، فإن إيران ولا شك، ستجر المنطقة إلى حرب عبثية ستكلف الجميع الكثير إنسانيا ومادياً.
شهناز ومهرداد لم يكونا طامعين في الهيمنة على مياه الخليج، أو في بسط النفوذ الأيديولوجي الشيعي بقوة السلاح في المنطقة، ولكن كان كل همهما ولايزال، هو في أن تكون لعملتهما الوطنية قيمة، كي يعيشا حياة كريمة كبقية دول الخليج. يقول المثل الفارسي: «بوسعك أن تغلق بوابات المدينة، ولكن ليس بمقدورك إغلاق أفواه سكانها».

-- الشرق الأوسط:عادل الطريفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*