السبت , 10 ديسمبر 2016

آداب النصيحة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

كيف كانت النصيحة هي الدين؟ 

عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَاَلَ صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلاثًا، قُلْنا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» [مُسلم ح(55)]، مع أن تكاليف الدين كثيرة، وليست محصورة في النصح وحده، ولذا فما مراده صلى الله عليه وسلم من ذلك؟ 

قال الإمام النووي-رَحِمَهُ اللَّه-: «هَذَا حَدِيث عَظِيم الشَّأْن، وَعَلَيْهِ مَدَار الإِسْلاَم» [شرح مسلم (1/144)].

وقال الحافظ ابن حجر-رَحِمَهُ اللَّه-: «يَحْتَمِل أَنْ يُحْمَل عَلَى الْمُبَالَغَة، أَيْ: مُعْظَم الدِّين النَّصِيحَة، كَمَا قِيلَ فِي حَدِيث: الْحَجّ عَرَفَة» [صحيح الجامع ح (3512)]، وقال أيضاً: «وَيَحْتَمِل أَنْ يُحْمَل عَلَى ظَاهِره؛ لأَنَّ كُلّ عَمَل لَمْ يُرِدْ بِهِ عَامِله الإِخْلاَص، فَلَيْسَ مِنْ الدِّين» [فتح الباري: (1/138)].

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي-رَحِمَهُ اللَّه-: «فهذا يدلُّ على أنَّ النصيحة تَشْمَلُ خصالَ الإسلام والإيمانِ والإحسانِ التي ذُكرت في حديث جبريل، وسمَّى ذلك كُلَّه ديناً» [جامع العلوم: (ص110)].

كيف تكون النصيحة لله؟ 

قَالَ الإمام الْخَطَّابِيُّ-رَحْمه اللَّه-: «حَقِيقَةُ هَذِهِ الإِضَافَة رَاجِعَة إِلَى الْعَبْد فِي نُصْحه نَفْسه، فَاَللَّه تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ النَّاصِح» [شرح مسلم (2/38)].

وقال الإمام النووي-رَحِمَهُ اللَّه-: «أَمَّا النَّصِيحَة لِلَّهِ تَعَالَى فَمَعْنَاهَا مُنْصَرِفٌ إِلَى الإِيمَان بِهِ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ، وَتَرْكِ الإِلْحَاد فِي صِفَاته وَوَصْفِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَال وَالْجَلاَل كُلّهَا، وَتَنْزِيهه سبحانه وتعالى عن جَمِيع النَّقَائِص، وَالْقِيَام بِطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَاب مَعْصِيَته، وَالْحُبّ فِيهِ، وَالْبُغْض فِيهِ، وَمُوَالاَة مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاة مَنْ عَصَاهُ، وَجِهَاد مَنْ كَفَرَ بِهِ، وَالاعْتِرَاف بِنِعْمَتِهِ، وَشُكْره عَلَيْهَا، وَالإِخْلاَص فِي جَمِيع الأُمُور، وَالدُّعَاء إِلَى جَمِيع الأَوْصَاف الْمَذْكُورَة، وَالْحَثّ عَلَيْهَا، وَالتَّلَطُّف فِي جَمْع النَّاس، أَوْ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ عَلَيْهَا» [شرح مسلم (2/38)].

كيف تكون النصيحة لكتاب الله؟

وَالنَّصِيحَة لِكِتَابِ اللَّه: تَعَلُّمه، وَتَعْلِيمه، وَإِقَامَة حُرُوفه فِي التِّلاوَة، وَتَحْرِيرهَا فِي الْكِتَابَة، وَتَفَهُّم مَعَانِيه، وَحِفْظ حُدُوده، وَالْعَمَل بِمَا فِيهِ، وَذَبّ تَحْرِيف الْمُبْطِلِينَ عَنْهُ، وَالإِيمَان بِأَنَّهُ كَلاَم اللَّه تَعَالَى وَتَنْزِيله، لاَ يُشْبِههُ شَيْءٌ مِنْ كَلاَم الْخَلْق، وَلاَ يَقْدِر عَلَى مِثْله أَحَد مِنْ الْخَلْق، ثُمَّ تَعْظِيمه وَتِلاَوَته حَقّ تِلاَوَته. [انظر: شرح مسلم (2/38)، وفتح الباري: (1/138) بتصرف].

كيف تكون النصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم؟

وَأَمَّا النَّصِيحَة لِرَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم: فَتَصْدِيقه عَلَى الرِّسَالَة، وَالإِيمَان بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَطَاعَته فِي أَمْرِهِ وَنَهْيه، وَنُصْرَته حَيًّا وَمَيِّتًا، وَمُعَادَاة مَنْ عَادَاهُ، وَمُوَالاَة مَنْ وَالاَهُ، وَإِعْظَام حَقّه، وَتَوْقِيره، وَإِحْيَاء طَرِيقَته وَسُنَّته، وَبَثّ دَعَوْته، وَنَشْر شَرِيعَته، وَنَفْي التُّهْمَة عَنْهَا، وَاسْتِثَارَة عُلُومهَا، وَالتَّفَقُّه فِي مَعَانِيهَا، وَالدُّعَاء إِلَيْهَا، وَالتَّلَطُّف فِي تَعَلُّمهَا وَتَعْلِيمهَا، وَإِعْظَامهَا، وَإِجْلاَلهَا، وَالتَّأَدُّب عِنْد قِرَاءَتهَا، وَالإِمْسَاك عَنْ الْكَلاَم فِيهَا بِغَيْرِ عِلْم، وَإِجْلاَل أَهْلهَا لانْتِسَابِهِمْ إِلَيْهَا، وَالتَّخَلُّق بِأَخْلاَقِهِ، وَالتَّأَدُّب بِآدَابِهِ، وَمَحَبَّة أَهْل بَيْته وَأَصْحَابه، وَمُجَانَبَة مَنْ اِبْتَدَعَ فِي سُنَّته، أَوْ تَعَرَّضَ لأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابه، وَنَحْو ذَلِكَ. [شرح مسلم (2/38)].

كيف تكون النصيحة لأئمة المسلمين؟

وَأَمَّا النَّصِيحَة لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَمُعَاوَنَتهمْ عَلَى الْحَقّ، وَطَاعَتُهُمْ فِيهِ، وَأَمْرُهُمْ بِهِ، وَتَنْبِيههمْ وَتَذْكِيرهمْ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ، وَإِعْلاَمهمْ بِمَا غَفَلُوا عَنْهُ وَلَمْ يَبْلُغهُمْ مِنْ حُقُوق الْمُسْلِمِينَ [قلت: ويكون ذلك سرًّا]، وَتَرْك الْخُرُوج عَلَيْهِمْ، وَجَمْع الْكَلِمَة عَلَيْهِمْ، وَرَدّ الْقُلُوب النَّافِرَة إِلَيْهِمْ، وَتَأَلُّف قُلُوب النَّاس لِطَاعَتِهِمْ. 

قَالَ الإمامُ الْخَطَّابِيُّ-رَحِمَهُ اللَّه-: «وَمِنْ النَّصِيحَة لَهُمْ: الصَّلاَة خَلْفهمْ، وَالْجِهَاد مَعَهُمْ، وَأَدَاء الصَّدَقَات إِلَيْهِمْ، وَتَرْك الْخُرُوج بِالسَّيْفِ عَلَيْهِمْ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ حَيْفٌ أَوْ سُوءُ عِشْرَة، وَأَنْ لاَ يُغَرُّوا بِالثَّنَاءِ الْكَاذِب عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُدْعَى لَهُمْ بِالصَّلاَحِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَقَدْ يُتَأَوَّل ذَلِكَ عَلَى الأَئِمَّة الَّذِينَ هُمْ عُلَمَاء الدِّين، وَتَقَع النَّصِيحَة لَهُمْ بِبَثِّ عُلُومهمْ، وَنَشْر مَنَاقِبهمْ، وَقَبُول مَا رَوَوْهُ، وَتَقْلِيدهمْ فِي الأَحْكَام، وَإِحْسَان الظَّنِّ بِهِمْ» [شرح مسلم (2/39) بتصرف].

وليُعلم أن أئمة المسلمين لا يُرَاد بهم الأئمة الذين لهم الإمامة العظمى، ولكن يُراد به ما هو أعم، فكل من له إمرة ولو في مدرسة؛ فإنه يعتبر من أئمة المسلمين، إذا نصح وصلح، صلح من تحت يده. [شرح رياض الصالحين للعثيمين (2/355)]. 

كيف تكون النصيحة لعامة المسلمين؟

وَأَمَّا نَصِيحَة عَامَّة الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مَنْ عَدَا وُلاَة الأَمْر؛ فَإِرْشَادهمْ لِمَصَالِحِهِمْ فِي آخِرَتهمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَكَفّ الأَذَى عَنْهُمْ، فَيُعَلِّمهُمْ مَا يَجْهَلُونَهُ مِنْ دِينهمْ، وَيُعِينهُمْ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل، وَسِتْر عَوْرَاتهمْ، وَسَدّ خَلاَّتهمْ، وَدَفْع الْمَضَارّ عَنْهُمْ، وَجَلْب الْمَنَافِع لَهُمْ، وَأَمْرهمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيهمْ عَنْ الْمُنْكَر بِرِفْقٍ وَإِخْلاَصٍ، وَالشَّفَقَة عَلَيْهِمْ، وَتَوْقِير كَبِيرهمْ، وَرَحْمَة صَغِيرهمْ، وَتَخَوُّلهمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة، وَتَرْك غِشِّهِمْ وَحَسَدِهِمْ، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْر، وَيَكْرَه لَهُمْ مَا يَكْرَه لِنَفْسِهِ مِنَ الْمَكْرُوه، وَالذَّبّ عَنْ أَمْوَالهمْ وَأَعْرَاضهمْ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالهمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل، وَحَثّهمْ عَلَى التَّخَلُّق بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْوَاع النَّصِيحَة، وَتَنْشِيط هَمِّهِمْ إِلَى الطَّاعَات. [شرح مسلم (2/39)].

هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

-- مجلة التوحيد:اعداد / أيمن دياب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*