الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » البعد الاستراتيجي الجديد لاتحــاد مجلس التعاون الخليجي ودوره في التنمية والإصلاح

البعد الاستراتيجي الجديد لاتحــاد مجلس التعاون الخليجي ودوره في التنمية والإصلاح

إن دول مجلس التعاون الخليجي تملك كل مقومات القوة التي تجعلها لاعبا رئيسيا في المجتمع والاقتصاد الدولي، فهي تتمتع بالموقع الاستراتيجي وبامتداد سواحلها البحرية وعظيم ثرواتها الطبيعية والنفطية التي هي أساس التطور الصناعي العالمي، وجميع هذه العناصر تجعلها تملك المؤهلات الفعلية المؤثرة على الاقتصاد العالمي من خلال إيجاد استراتيجية جماعية واضحة للسياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي تستطيع أن توظف عمليا هذه العوامل وعناصر القوة في ممارستها بالمجتمع والنظام الدولي الجديد.
ولعل تعاظم نجاح هذا الدور يدعمه السعي نحو تحقيق اتحاد شامل بين دول المجلس، حيث يمكن للاتحاد من خلال عناصر ومقومات القوة الاستراتيجية التي يملكها أن يقود عملية تنموية سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية بالمنطقة بأعلى المواصفات ليضع منطقة الخليج بثقلها الصحيح على الخارطة الدولية.
ومن هذا المنطلق لعله يمكننا أن نجمل عددا من المحاور ذات الأهمية القصوى التي يمكن تحقيقها من خلال هذا الاتحاد.
} أهمية الوحدة الوطنية بمنظومة مجلس التعاون الخليجي.
إن ما حدث في منطقة الشرق الأوسط – واعتبره البعض ثورة طالت تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا – وهو في حقيقته بالمفهوم السياسي والقانوني لا يعدو أن يكون حركات إصلاح، ذلك أن القاعدة المشتركة لهذه الأنظمة جميعها أنها أنظمة جمهورية يفترض أن يكون رئيس الدولة فيها قد جاء عن طريق صناديق الاقتراع والانتخاب ليمثل إرادة وسيادة الشعب الذي ارتأى في هذه المرحلة تغييره. الأسباب سيعلمها الجميع في المستقبل القريب حين تبدأ ملامح الشرق الأوسط الجديد بالتشكل في النظام الدولي الجديد. فالوحدة الوطنية في هذه الأنظمة ليست بقدر أهميتها في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث منظومته السياسية والقانونية قائمة على أنظمة حكم وراثية مترابطة فيما بينها، فالوحدة الوطنية في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي تمثل أساسا يعزز الشرعية وسياجا أمينا لوحدة وقوة هذه المنظومة.
البعد الاستراتيجي
الجديد لوحدة المجلس
} تتمتع دول الخليج بعدد من الخصائص لو أحكمت استخدامها ستمكنها من لعب دور استراتيجي على المستوى الإقليمي والدولي، في النظام الدولي الجديد الذي يقوم جوهره على تأسيس شرق أوسط جديد، فهي (1) بامتدادها الجغرافي تمتلك مساحات تختزن في باطنها ثروات وموارد نادرة بكميات هائلة تعتبر العصب الرئيسي للتطور الصناعي والتكنولوجي العالمي (2) إن النظام السياسي والقانوني القائم على أساس نظام حكم وراثي في دول المجلس، يلعب دوراً بارزاً في استقرار النظام الاقتصادي الدولي (3) ميزة الامتداد الجغرافي لسواحلها الطويلة على البحار، أكسبتها بعداً جوهرياً وتشكل محوراً رئيسياً من محاور الاستراتيجية الدولية في جوانبها السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية.
فالبعد الاقتصادي المتمثل في الثروات الطبيعية والنفطية لدول الخليج، وأنظمة الحكم التي تتمتع باستقرار وثبات، والبعد الجغرافي الاستراتيجي جميعها تكتسب أهمية فائقة في تخطيط واستراتيجيات الدول الكبرى والاقتصاد الدولي، وهي ما تملي وتفرض على الاتحاد الخليجي ضرورة أخذها بعين الاعتبار في سياساته الخارجية وبرامجه التنموية لتمكينه من وضع أطر وسياسات وبرامج لها دور فعال ومؤثر على المستوى الإقليمي والدولي.
} إن أطر التنمية والتطوير التي يجب على الاتحاد صياغتها وتبنيها ينبغي أن تكون شاملة لكل المناحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية قادرة على أن تنتقل بدول المنطقة إلى مرحلة جديدة تستوعب طموحات وآمال شعوب المنطقة كافة في إطار الثوابت والسيادة الوطنية مع استيعاب التغييرات الجارية في منطقة الشرق الأوسط التي تؤسس لنظام سياسي عربي جديد، والتي تمهد لتطبيق علاقات جديدة في إطار منظومة إقليمية وعلاقات دولية بما يستجيب لمتطلبات النظام الدولي الجديد.
} تأكيد التلاحم والترابط والتعايش الاجتماعي لشعوب المنطقة ونمائها واستقرارها مع احترام السيادة الشعبية في إطارها الوطني، وان منظومة اتحاد مجلس التعاون الخليجي عليها العمل على تشكيل برلمان خليجي على غرار البرلمان الأوربي ليشارك في وضع إطار استراتيجي للتنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبشرية في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك من شأنه أن يعمق البعد الاستراتيجي للمنطقة على المستوى الدولي والإقليمي ويعزز رفاهية شعوب المنطقة وحماية سيادتها وأوطانها. فإن اتخاذ إطار منهجي للتطوير والتنمية على المستوى الوطني في الدول الأعضاء، تتعزز قوته ويتعاظم أثره ويتكامل نفاذه من خلال الاستراتيجيات التي يضع خطوطها وأطرها العامة برلمان خليجي تتوافق عليه شعوب المنطقة لضمان تنمية واستقرار دائم لمستقبل واضح المعالم.
} أهمية وضع استراتيجية للسياسة والدبلوماسية الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي أكثر عمقاً وفاعلية.
إن دول اتحاد مجلس التعاون الخليجي تملك مقومات سياسية واقتصادية واجتماعية مميزة وفعالة تمكنها وتعزز قدرتها على وضع سياسة خارجية قوية قادرة على تحقيق غايات وأهداف المجلس، وتبرزها كمنظومة ذات تأثير مباشر ودور فعال ومؤثر في النظام والمجتمع الدولي.
ولما كانت السياسة الخارجية تتحقق من خلال الدبلوماسية الخارجية التي تعد أهم العناصر التي تبرز وتعكس قوة الدولة، فان هذه الدبلوماسية يجب أن تتمتع بأعلى المستويات المهنية والعلمية والتحليلية حتى تتمكن من أداء مهامها الفعلية بكفاءة واقتدار في خدمة الأهداف الوطنية لمجلس التعاون ووضع المنطقة في مكانتها الحقة والمؤثرة في النظام الدولي والشرق الأوسط.
دور الاتحاد الخليجي في التنمية والتطوير:
} إن المنطقة بحاجة إلى مشروع وحدوي يجسد البعد الاستراتيجي لمنطقة الخليج، مشروع تتفق عليه قيادات وشعوب المنطقة يطلق من خلاله إبداعاتهم وكفاءاتهم وقدراتهم وطموحاتهم، قادر على وضع اطر متطورة لتنمية الجوانب السياسية والاجتماعية والبشرية والاقتصادية بتبني صيغ ونماذج تنموية ومشاريع كبرى لإنهاء حالة البطالة والفقر الذي يهز الاستقرار الاجتماعي ويهدد الأمن الوطني.
إن البرامج التنموية التي يتطلب إعدادها وتطبيقها، هي تلك التي تستجيب لمتطلبات أجيال المستقبل بما يحقق آمالهم ويطمئنهم على مستقبلهم وفرص العمل والسكن والتمتع بحياة كريمة.
} إن أهم تحديات المجلس تكمن في وضع البرامج التنموية الناجعة، لتتمكن من قيادة هذا الاتحاد بخطوات ثابتة وترسيخ جذوره بثمار دائمة تحقق غاياته وآمال شعوب المنطقة، ولئن كانت عملية الإصلاح والتنمية ينبغي أن تكون شمولية، فإن الإصلاحات الجذرية والحقيقية تبدأ ببناء وتنمية الإنسان الخليجي أولا بزرع كل عناصر القوة فيه لتمكينه من الإنتاجية وتحمل المسئولية والقدرة على اتخاذ القرارات والقيادة الفعالة، وبناء وتنمية البيت الخليجي ثانيا بتلاحم شعوب المنطقة وتعزيز دورها ومكانتها بخريطة الشرق الأوسط الجديد والمجتمع الدولي.
} إننا نؤمن بأن الإصلاح والتطوير والتنمية جميعها ترتبط جذورها بتطوير وإصلاح المؤسسات التعليمية لتتواكب مخرجاتها مع متطلبات المستقبل والتطورات العلمية في مختلف التخصصات والحقوق المعرفية. فشعوب المنطقة حتى تحظى بالاحترام وتمكينها من لعب دور مميز على المسرح الدولي في جميع الميادين يجب أن يتم إعدادها علمياً بأعلى المستويات حتى تتمكن من أن تكون أمة ذات أثر وتأثير في العالم.
وخلاصة القول، فإنه في عصر التكتلات الاقتصادية، إذا كان الاتحاد يهدف موضوعياً إلى تحقيق برامج وطنية وإبراز دوره الفعال على الساحة الدولية، فانه يملك كما أشرنا كل المقومات الرئيسية التي تمكنه من أداء هذا الدور بكفاءة واقتدار، إلا أن ذلك يستدعي تشكيل لجنة متخصصة ذات مستويات مهنية وكفاءات عالية على مستوى دول المجلس يمكنها وضع الأطر العامة لتمكين هذا الاتحاد من تحقيق أهدافه.
على المستوى الوطني، فان الاتحاد يمكنه أن يلعب ويخطط الدور التكاملي بين الدول الأعضاء على جميع المستويات، فضلاً عن تمكينه من مواجهة قرارات الدول الكبرى من خلال برلمان خليجي يكون له دور في المسائل الاستراتيجية الكبرى التي تهم الاتحاد.
ونأمل أن يلعب دوره بجدية وحكمة، فان الجامعة العربية قد أنشئت قبل الأمم المتحدة، والسوق العربية المشتركة تأسست قبل السوق الأوربية، وان المجلس الأوروبي بالرغم من اختلاف أعضائه من حيث اللغة، والتاريخ، والمذاهب المختلفة والمقومات الاقتصادية والأنظمة القانونية استطاع أن يتحول إلى اتحاد أوروبي ليتمكن من مواجهة تحديات كبيرة في عصر التكتلات والمنظومات الإقليمية، وان دول مجلس التعاون الخليجي على نقيض ذلك تتحد في جميع العناصر التاريخية واللغوية والدينية والاقتصادية والأنظمة السياسية والقانونية وهو ما يفترض أن تكون عناصر تعزز نجاح هذا الاتحاد وتمكنه من تحقيق أفضل النتائج على المستويين الدولي والإقليمي بما يحقق رفاهية وعزة شعوبه.
* محامي ومحكم دولي

-- أخبار الخليج:بقلم: د. محمد رضا بوحسين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*