الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » علاقة العدل والإحسان المغربية باحتجاجات المعطلين !

علاقة العدل والإحسان المغربية باحتجاجات المعطلين !

 عرفت مدينة تازة أحداث عنيفة ومصادمات قوية بين المجازين المعطلين وقوات الأمن العمومية مطلع الأسبوع الأول من شهر يناير 2012  .
وبقدر ما يأسف المرء لسقوط جرحى من المدنيين والعناصر الأمنية وإحراق وتخريب الممتلكات العمومية وحتى الخاصة ، بقدر ما يطرح سؤالا مباشرا حول دواعي هذه المصادمات وخلفياتها ؛ علما أن المجازين المعطلين خاضوا من قبل حركاتهم الاحتجاجية دون أن تسجل أعمال عنف ، سواء في مدينة تازة أو في غيرها من المدن وعلى رأسها الرباط الذي احتلوا فيه مقر حزب الاستقلال دون عنف ولا تخريب. بل الاحتجاجات التي تخوضها فئة المعطلين الجامعيين على اختلاف شرائحهم ظلت تحافظ على طابعها السلمي والحضاري على امتداد السنوات الماضية ، رغم التدخلات العنيفة للقوات الأمنية في بعض المواقف .
واستطاع الدكاترة المعطلون انتزاع مكسب قرار التوظيف المباشر لفائدة أزيد من أربعة آلاف معطل على عهد حكومة عباس الفاسي في إطار التفاعل مع احتجاجات حركة 20 فبراير .
وهو الأمر الذي ألهم فئة المجازين المعطلين تشكيل تنسيقياتهم وخوض حركات احتجاجية قصد الضغط على الحكومة من أجل توظيفهم أسوة بالدكاترة المعطلين .
وإلى حدود نهاية شهر ديسمبر 2011 كانت الاحتجاجات تحافظ على طابعها السلمي  دون أن تسجل مواجهات عنيفة مع القوات الأمنية .
وقد أقرت  لجنة الإعلام والتواصل الخاصة بمجموعة “الاستشهاديين المعطلين” بإقليم تازة بهذا بالمنحى السلمي الذي كانت عليه الاحتجاجات كالتالي :
• يوم الاثنين 26 دجنبر 2011 اقتحام العمالة والاعتصام فوق سطح البناية القديمة من الساعة العاشرة صباحا إلى حدود الساعة الخامسة مساء.
• يوم الأربعاء 28 دجنبر 2011 محاولة اقتحام العمالة نتج عنه احتكاكات كادت أن تتطور إلى مواجهات بسبب اندفاع أحد عناصر القوات المساعدة الذي قام بضرب أحد المجازين مما تسبب في توتر كبير بين الطرفين كاد أن يتحول إلى ما لا يحمد عقباه، وكرد على ما حدث اعتصم المعطلون فوق سور الحي الإداري للعمالة وأمام مدخل الحي من الساعة العاشرة صباحا إلى حدود الساعة الواحدة زوالا.
• يوم الخميس 29 دجنبر 2011 اعتصام إنذاري أمام عمالة الإقليم من الساعة العاشرة صباحا إلى حدود الرابعة عصرا، مع نصب خيمة وطبخ وجبة الغذاء بالمعتصم، حاول المخزن التدخل من أجل فكه، جوبه بإصرار المجازين والتصدي لهم ومحاصرة القوات القمعية بباب العمالة مما جعلهم يتراجعون ويكتفون بالمراقبة.)
فما الذي حدث وأدى إلى تصعيد غير مسبوق ومواجهات مباشرة بين المعتصمين والقوات الأمنية سقط على إثرها بعض العشرات من الجانبين فضلا عن إحراق وتخريب عدد من  السيارات العمومية والخاصة ؟
الجواب عن هذا السؤال نستشفه من البلاغ الذي نشرته لجنة الإعلام والتواصل على موقع جماعة العدل والإحسان تحت عنوان ” “المجازون الاستشهاديون” بتازة يقتحمون العمالة مجددا ويعتصمون بداخلها” ، حيث نفهم منه أن قرار التصعيد هذا اتخذه المعطلون أنفسهم كالتالي ( في خطوة تصعيدية أخرى للمجازين المعطلين بتازة اقتحموا، يوم الاثنين 02/01/2012 على الساعة 11 صباحا، العمالة واعتصموا بداخلها، وقد عمد عدد منهم إلى صعود أسطح البنايات المرتفعة بداخلها مطلقين على أنفسهم مجموعة الاستشهاديين ومعهم كميات من البنزين الحارق مهددين بحرق أنفسهم وكل من يقترب منهم، ومنهم من يعتزم الإلقاء بنفسه من أعلى سطح البناية.
• يوم الخميس 22 دجنبر 2011 على الساعة العاشرة صباحا اقتحام عمالة الإقليم والاعتصام بداخلها وفوق أسطح البنايات المتواجدة بداخلها).
ما الذي دفع المعطلين إلى اتخاذ قرار التصعيد واحتلال بناية العمالة والمقرات التابعة لها ؟ إن المؤشرات المتوفرة حتى الآن تسمح بترجيح افتراض واحد ووحيد ، وهو دخول جماعة العدل والإحسان على الخط لتجعل من احتجاجات المجازين المعطلين واحدة من الواجهات الاحتجاجية التي ستتخذها الجماعة بديلا عن احتجاجات حركة 20 فبراير التي قررت الانسحاب منها ووقف أنشطتها داخلها . ومن أبرز المؤشرات إياها نذكر :
1 ـ إن تنسيقية المجازين المعطلين بتازة من تأسيس وتسيير أعضاء جماعة العدل والإحسان . مما يجعل كل القرارات التي تتخذها التنسيقية تعكس تصور الجماعة وتخدم خطواتها التكتيكية تبعا لما تقرره قيادة الجماعة . وهذا يحيلنا إلى تجربة الجماعة في القطاع الطلابي داخل الجامعة الذي اتخذته الجماعة واجهة للصراع ضد النظام بعيدا عن هموم ومطالب هذه الفئة .
2 ـ إن الجماعة جعلت موقعها الإلكتروني الرسمي منبرا لتنسيقية معطلي تازة  وواجهة إعلامية تنشر وجهة نظر هذه التنسيقة وتدافع عنها .
وهذا الارتباط الإعلامي هو الوجه الثاني للارتباط التنظيمي للتنسيقية بالجماعة .
3 ـ إن الجماعة سبق وقررت استبدال الاحتجاج على واجهات أخرى بالاحتجاج من داخل حركة 20 فبراير . وهذا ما شدد عليه بيان الجماعة في الموضوع كالتالي ( ثباتنا على مبادئنا في الدفاع عن حقوق هذا الشعب المستضعف بكل الوسائل المشروعة في وجه الظلم والقهر والاستبداد والفساد، إلى أن تتحقق سنة الله سبحانه في القوم الظالمين. ..
دعوتنا كل الفضلاء إلى الاصطفاف إلى جانب القوى المطالبة بالتغيير ضد نظام مخزني عتيق أثبتت هذه المدة أنه مقاوم للإصلاح ومصر على الاستمرار بنفس العقلية والمنهجية الاستبدادية. ..  دعوتنا كل فئات الشعب إلى اليقظة والمشاركة الإيجابية من أجل مغرب تسوده الحرية والكرامة والعدل.) .
فالجماعة عاقدة العزم على فتح جبهات جديدة للمواجهة وحشد المواطنين ضد “المخزن” ممثلا في النظام وضد حكومة بنكيران الإسلامية التي لا تريد لها الجماعة النجاح في امتصاص الغضب والتنفيس عن المواطنين .
وقد سبق لعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة عمر إحرشان ، أن أجاب ، في حوار لأسبوعية “الوطن الآن” في عددها 453  عن سؤال يتعلق بتقديم خدمة لحكومة العدالة والتنمية من خلال قرار انسحاب الجماعة من 20 فبراير ، أجاب بالتالي ( لماذا لا يفهم من هذا القرار أنه سحب للبساط من حكومة تقودها العدالة والتنمية ودعوة لها أن لا تعول على الضغط من خلال الحركة؟) .
ويضيف إحرشان (ولذلك لا علاقة لقرارنا بهذا التأويل، ولكننا نلاحظ أن الحركة في مفترق طرق، واستمرارها وتناميها يتطلب تغييرا في الوسائل والسقف والوتيرة والإيقاع) . الأمر الذي يفيد دخول الجماعة مرحلة الضغط على الحكومة الحالية وتغيير وسائل الاحتجاج وبدائل الضغط.
 ودعما لهذا التوجه ميز إحرشان بين الوسائل وطرق تعامل الجماعة معها كالتالي ( هنا ننتقل إلى الحديث عن الوسائل والبدائل، وهنا نميز بين نوعين، هناك وسائل خاصة بالجماعة ونحن دأبنا أن لا نعلن عنها قبل الشروع في العمل بها مراعاة لظروف الحصار وحفاظا على جدواها، وهناك وسائل مشتركة مع غيرنا ممن نتقاسم معهم نفس التحليل للمرحلة ومتطلباتها ) . فنحن هنا أمام واحد من البدائل والتكتيكات الذي لم تعلن عنه الجماعة قبل الشروع في تطبيقه.
4 ـ إن مدينة تازة عرفت يوم الجمعة 6 يناير 2012 مسيرة دعت إليها الهيآت السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية  دون تسجيل أي حادث ،  بل ، حسب ما نشره موقع الجماعة نفسها “لوحظ غياب تام للأجهزة الأمنية في محيط العمالة ما عدا بعض الأفراد المرابطين داخل العمالة .
وقد تميزت المسيرة بالتنظيم المحكم وتركيزها على المطالب الاجتماعية الملحة وكذا رفض الحكرة والإقصاء والتهميش لبعض الأحياء الشعبية ) . وهذا دليل على أن الاحتجاجات لا تتحول إلى أعمال عنف حين تؤطرها هيئات تشتغل من داخل مؤسسات النظام وتقر بشرعيته .

نحن ،إذن ، أمام تطور نوعي في أساليب الاحتجاج التي تلجأ إليها الجماعة ، وذلك بالتركيز على الاحتجاجات القطاعية والفئوية التي تهم شرائح معينة موجودة على امتداد التراب الوطني ، ولا ينقصها سوى التنظيم والتأطير ؛ وهما عمليتان تتقنهما الجماعة لما توفرانه من إمكانية كبيرة لاستغلال خزان بشري نابض وكامن في الوقت نفسه .
فالجماعة تدرك أنها لا تعدم وسائل لتأطير احتجاجات الشارع المغربي الذي تعتبره الواجهة الرئيسية ، إن لم تكن الوحيدة لكسب  صراعها ضد النظام  وفرض التغيير الذي تنشده ، في الوقت الذي اختار فيه إسلاميو العدالة والتنمية النضال من داخل مؤسسات النظام وجعلها بوابة للتغيير المتدرج دون صدام أو مواجهة . من هنا ، فحكومة العدالة والتنمية مطالبة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بنزع الفتيل الاجتماعي الذي تستغله التنظيمات المتشددة يمينا ويسارا ،  ويشكل ، في الآن نفسه ، تحديا حقيقيا أمام تحقيق السلم الاجتماعية .

-- خاص بالسكينة: سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*