الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

الأمن نعمة عظيمة

الحمدُ لله وحدَه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهَد أنَّ سيِّدنا ونبيَّنا محمَّدًا عبده ورسوله، اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وصحبه وبعدُ

فمِنَ الأصولِ العُظمَى في هذا الدينِ وجوبُ أداءِ الأمانةِ بشتَّى صورِها، ومِن القواعدِ الكُبرى تحريمُ الخيانةِ بمختَلفِ أشكالها، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الأنفال ، ويقول «كلُّكُم راعٍ، وكلّكم مسئولٌ عن رعيَّته، والإمامُ راعٍ ومسئولٌ عن رعيَّتِه» متفق عليه

ومن هنا فأعظمُ أسبابِ كوارثِ الأمّة وفسادِ أوضاعِها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة وغيرها الإخلالُ بهذه الأصول العُظمى والقواعِد الكُبرى، فكم وقَع من المصائبِ في الأبدانِ، والآلام في البلدان والكوارثِ في المُقدَّرات بسبَبِ تضييع الأمانةِ والوقوعِ في الخيانة

وإنَّ أعظمَ الأماناتِ أمانةُ الولايَةِ بمختلف مستوياتها، وتنوُّعِ مراتبها مِن الولايةِ العُظمَى إلى الولاياتِ الصغرى؛ ولهذا جاء التشديدُ على أهمِّيَّة الولاية والعنايةِ العظيمةِ في الإسلام، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال قلتُ يا رسولَ الله، ألا تستَعمِلُني؟ فضرَب بيده على منكِبي، ثم قال «يا أبا ذرٍّ، إنّك ضعيف، وإنها أمانة، وإنّها يومَ القيامة خِزيٌ وندامَة، إلا من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها» مسلم ، وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال قالَ رسولُ اللهِ «إنّكم ستَحرِصون على الإمارةِ، وستكون ندامَة يومَ القيامَة» البخاري

ومِن هذا المنطلَق أحاطَ الشرعُ العظيمُ جميعَ الولاياتِ وكافّةَ المناصِبِ بسياجاتٍ من الأوامِرِ والنواهِي التي متى رُوعِيَت أُدِّيَت الأمانةُ على أكمَل وجهِها، وتحقَّقت بهذِه الولايَةِ المصالحُ المتنوِّعَة، واندرأَت بها المفاسد المختلفةُ، فكانت العاقبةُ حميدةً والسيرة طيِّبة والنتائج مرضيّةً، وصدق الله تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ القصص

وإنَّ من هذه السِّياجات أنَّ الإسلام أوجبَ على صاحِبِ الولاية حاكمًا كان أو غَيره العَدلَ التام في جميعِ مسئوليّات ولايته، فقال تبارك وتعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ النساء ، وقد مدَحَ النبيُّ العادِلَ في ولايتهِ القائمَ بالقسطِ في منصبه، فقد ذكر في السَّبعة الذين يُظلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظلُّه «إمامٌ عادِل» متفق عليه ، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه قال قال رسول الله «إنَّ المُقسِطين عندَ الله على منَابِرَ من نورٍ؛ الذين يعدِلون في حُكمِهم وأهليهم وما وَلُوا» مسلم

ومن الأصولِ التي جاء بها الشرعُ في بابِ الولاية التحذيرُ من الظّلم بشتَّى صوره، ففي الحديثِ القدسي فيما يرويهِ عن ربِّه أنّه قال «يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسِي، وجعلتُه بينَكم مُحرَّمًا، فلا تَظَالَموا» مسلم ، وفي توجيهِ النبيِّ لمعاذٍ رضي الله عنه حين بعَثَه إلى أهلِ اليمَن قال «واتَّقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنّه ليس بينها وبين الله حجابٌ» متفق عليه

ويُوجِّهُ الرسولُ التَّحذيرَ لمن تولَّى للمسلِمين عملاً حكَّامًا كانوا أم غيرهم أن ينهَجوا أيَّ صورةٍ من صوَرِ الظلم في ولايتهم، فيقول «إنَّ اللهَ ليُملِي للظَّالم حتى إذا أخَذَه لم يُفلِتْه»، ثم قرأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ هود متفق عليه

ومن السِّياجات أنَّ الشريعةَ فرَضَت على كلِّ من تولَّى أيَّ ولايةٍ للمسلِمين أن ينصَحَ لهم ويُخلِصَ في خدمتهم، وأن يصدُقَ في رعايةِ حاجاتهم، قال «ما مِن عَبدٍ يسترعيهِ الله رعِيةً يموت يومَ يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته إلا حرَّم الله عليه الجنَّةَ»، وفي روايةٍ «فلَم يُحِطْها بنُصحِه لم يجِدْ رائحةَ الجنة» متفق عليه ، وفي روايةٍ لمسلم «ما من أميرٍ يلِي أمورَ المسلمين ثم لا يجهَدُ لهم وينصَحُ لهم إلا لم يَدخلِ الجنةَ معهم» مسلم

ومن السِّياجات التي جاءَ بها الإسلامُ في هذا الجانب وجوبُ الرِّفق بالرعيَّة والشفقَة عليهم والرَّحمة بهم، عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعتُ رسول الله يقول في بَيتي هذا «اللّهمّ من ولِيَ من أمرِ أمّتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومن ولِيَ من أمرِ أمّتي شيئًا فرَفَقَ بهم، فارفُق به» مسلم ، وعن عائذِ بن عمرو رضي الله عنه أنه دخَل على عُبيدِ الله بن زياد فقال له أيْ بُنَيّ، إني سمعت رسول الله يقول «إنَّ شرَّ الرِّعاء الحُطَمة»، فإياك أن تكون منهم متفق عليه والحُطَمة هو العنيفُ القاسي الذي يظلمُ من تحتَ رعيَّته، ولا يرقُّ لهم ولا يرحمهم

وإنَّ من التوجيهاتِ الإسلاميَّة لمن تولَّى للمسلمين ولايةً أنه يجب عليه أن يسمَعَ لحاجاتهم، وأن يحرِصَ على البحثِ عن شئونهم، والتحرِّي عن كلِّ ما يُصلِحُ أوضاعَهم، وأن لا يجعلَ بينه وبينَهم ما يحجِبُه عن أحوالهم ومعرفةِ أوضاعهم، فعن أبي مَريمَ الأزدِي رضي الله عنه أنّه قال لمعاوية رضي الله عنه سمعتُ رسولَ الله يقول «مَن ولاَّه الله شيئًا من أمورِ المسلمين فاحتَجَبَ دون حاجاتهم وخلَّتهم وفَقرِهم، احتَجَبَ الله دونَ حاجَتِه وخلَّته وفقرِه يوم القيامة»، فجعل معاويةُ رضي الله عنه رَجلاً على حوائجِ النّاس رواه الترمذي وصححه الألباني

ومِن التوجيهاتِ في الإسلامِ لأهل الولاياتِ أنه أوجبَ عليهم أن يحرِصوا على تقريبِ أهلِ الخيرِ والهُدى وذوِي الصلاحِ والتقوى، وأن يبعُدوا عن أهلِ الشَّرِّ والفسادِ والهوى، روى البخاري عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله قال «مَا بعَثَ اللهُ مِن نبيٍّ ولا استَخلَفَ مِن خليفةٍ إلا كانَت له بِطانتان بِطانَةٌ تأمرُه بالمعروف وتحُضُّه عليه، وبِطانَةٌ تأمرُه بالشّرِّ وتحُضُّه عليه، والمعصومُ من عصَمَه الله» البخاري ، وعن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت قال رسول الله «إذا أرادَ اللهُ بالأمير خيرًا جعَل له وزيرَ صِدقٍ؛ إن نسيَ ذكَّرَه، وإن ذكَرَ أعانَه، وإذا أرادَ به غيرَ ذلك جعَلَ له وزيرَ سوءٍ؛ إن نسيَ لم يُذكِّره، وإن ذكَر لم يُعِنْه» أبو داود ، وصححه الألباني

ومِن أصولِ الشَّريعة في باب الولايةِ
أنَّ الإسلام حرَّم أشدَّ التَّحريم أن يستغِلَّ صاحبُ الولاية أيًّا كانَت مرتبتُه هذا المنصبَ لتحقِيقِ مصالحِه الشخصيّة ومنافعِه الذاتية، قال «إنَّ رِجالاً يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلَهم النّارُ يومَ القيامة» البخاري
فمن أخَذ مالاً مِن الأموالِ العامّة مُستغلاً منصبَه مُتوصِّلاً بولايته إلى ما لا يحِلُّ له فليستَمِع إلى الزجر الشديدِ والوعيدِ الأكيدِ من سيِّد الثَّقَلَيْن حينما قالَ «من استَعمَلنَاه منكم على عَمَلٍ فكَتَمَنا مِخيَطًا أي إِبرةً فما فوقَه، كانَ غُلولاً يأتي بهِ يومَ القيامَةِ» مسلم
ومِن أصولِ التَّشريع في هذا الجانب

أنَّ صاحبَ الولاية يجِب عليه أن يسمَعَ لصوت الحوار الصادق المُخلِص، الحوارِ الهادفِ المُنبثِق من ثوابتِ الشريعة ومنابِع الإصلاحِ، فالله جلَّ وعلا يقول لسيِّد الحُكَّام وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ آل عمران
على ولي أمر المسلمين أن يتقي الله في اختيار بطانته
 
فعلى مَن تقلَّد للمسلِمين ولايةً أن يتَّقِيَ الله جلَّ وعلا في اختيارِ عُمَّاله ومُوظَّفيه الذين تحتَ ولايته، فيَحرِصَ على اختيارِ الأكفَاء ذَوي القوَّة والأمانةِ الذين يُختارُون لكفَاءتهم وعدالَتِهم وأمانتهم، دون نظَرٍ لمحسوبيّةٍ مقيتة، ولا اعتبارٍ لمصالح شخصيّةٍ أو عِرقيَّة، فالله جلّ وعلا يقول إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ القصص ، وفي الخبر «من ولَّى على عِصابةٍ وفيهم من هو أرضَى لله مِنه فقد خان اللهَ ورسولَه والمؤمنين» الحاكم وصححه وسكت عنه الذهبي
ثم إنَّ الله جلَّ وعلا أمرَنا بالصَّلاة والتَّسليم على النبيِّ الكريم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين

-- مجلة التوحيد:اعداد / شوقى عبد الصادق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*