الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الدول سنة 2012 بين سندان الداخل ومطرقة الخارج

الدول سنة 2012 بين سندان الداخل ومطرقة الخارج

 تعيش دول العام في حال من الارتباك الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لا يخفى على أحد؛ وهذا الارتباك لا يسلم منه أحد حتى الدول الاقتصادية العظمى بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وجل دول أوربا؛ فهناك أحداث عميقة الأثر لم يكن أحد

ينذر بها؛ وهناك تحولات متزامنة تجعل اَخذي القرار في حيرة من أمرهم؛ وانتقلت سياسات الدول من الليبرالية إلى سياسات حمائية، ومن داعية للاستقرار إلى سند للتغيير، دون نسيان الحراك الاجتماعي العربي في بعض الجمهلوكيات العربية والذي وسم سنة 2011 حيث تغيرت بين عشية وضحاها أدبيات العلوم السياسية في تلك الدول تاركة بعضها في علم الغيب بسبب الفوضى والمجهول، وأخرى ركبت سفينة النجاة دون أن تبصر المدى المتوسط والمدى البعيد، وأخرى بقيت في منأى عن تلك الاحتجاجات الجارفة؛ ولكن محددات السياسات الخارجية عموما، والنظام الاقتصادي، والإستراتيجيات التحالفية والأمنية، تغيرت في معظم الدول، أو لنقل تجندت الدول كلها لإعادة النظر في إعادة الأولويات لاستتباب الأمن في الداخل وتحقيق التنمية لشعوبها وإعادة النظر في سياساتها الخارجية وتحالفاتها الإقليمية والدولية؛ وهاته الوضعية أحدثت ارتباكا في النفوس وقلقا في الأذهان وصعوبة في أخذ القرارات الحاسمة.

فالبيئة السياسية والاقتصادية والإستراتيجية للدول أصبحت ذات طبيعة فوضوية ومعقدة، والعالم بدأ يتغير بسرعة فائقة وبوتيرة أكبر؛ ولم تجذَّر على أرضية يمكن أن توصف بالديمومة أو الثبات؛ وبدأ منظرو العلاقات الدولية تصيبهم الحيرة أكثر من أي وقت مضى، وقد تراءت إليهم محدودية نظرياتهم عن الأنظمة الإقليمية والدولية، وهي في أصلها متغيرة وانتقالية على الدوام، وتحاول تَوَقُع نظام دولي أو إقليمي له محددات كافية لتثبيت الاستقرار؛ كما أن معظم المحللين الأنتروبولوجيين والسياسيين باغتهم الحراك الشعبي الكبير الذي شهدته بعض الجمهوريات العربية قبل أن تنتقل العدوى إلى بعض الدول الأوربية كاليونان وإيطاليا وإسبانيا حيث الربيع الرأسمالي أطاح بحكومات ديمقراطية عاجزة عن تحسين مستوى عيش الإنسان الغربي.

إن الإحاطة بالآَثار المرتقبة لهذا الوضع العربي والعالمي أمر صعب؛ ولكن صانعي السياسة في حاجة إلى وضوح الرؤية ليضمنوا إعادة تشكيل ما أسميه بالبيئة الحامية للوطن؛ وكما هو الشأن عندما ندرس الإستراتيجية لطلبتنا في الجامعات، فإن فهم هاته البيئة الجديدة ذات المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وحتى تتضح لنا الرؤية ونبتعد عن القشرة أو الهامش، إن لم نقل النافل من الحدث، يتطلب الإلمام بالمنظومات الفرعية المتنوعة، وتبني سياسات أو استراتيجيات تركز بشدة على القشرة الحامية للدولة والضامنة للاستقرار والازدهار.

وهاته البيئة الحامية للوطن هي عالمية ومحلية الأفق معا: عالمية لأن الأحداث التي تقع في دولة من الدول يمكن أن تنتقل عدواها في رمشة عين إلى دول قريبة وبعيدة؛ فلنأخذ مثلا الاقتصاد العالمي: فكلما عطس الاقتصاد الأمريكي إلا وأصيب الاقتصاد الأوربي والعالمي بزكام حاد ومعد؛ وكلما تداعت حكومات بسبب الأزمة الاقتصادية وأزمة الديون إلا وتبعتها حكومات أخرى؛ وما كان لانتفاضة الثوار الليبيين على نظام معمر القذافي من نجاح لولا سابقتي تونس ومصر؛ وعالمية أيضا لأن البيئة الدولية خاضعة للتغيير كما أسلفنا؛ وتزيد درجة التغيير وعدم الاستقرار كلما ارتفع مستوى التفاعل، ناهيك إذا حاول طرف من الأطراف وضع تغييرات على البيئة الإستراتيجية بصفة مرضية وغير ديمقراطية وعشوائية.

نفهم جليا مثلا صواب مقترح خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بالانتقال بدول مجلس التعاون الخليجي من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد؛ إذ أضحى هذا الاتحاد ضرورة في مواجهة الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية وخاصة الأمنية، حيث استمرار التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون الخليجي ومحاولة بث التفرقة وإثارة الفتنة بين مواطنيها في انتهاك لسيادتها واستقلالها ناهيك عن الملف النووي الإيراني؛ وهذا الكلام إن دل على شيء فإنما يدل على أن هاته البيئة الحامية للمواطن تتسم في جميع مستوياتها بأربع سمات: التقلب والتوجس والتعقيد والغموض؛ وهذا لا يعني أنه يستحيل دراستها وتحليلها وتقويمها، أو لا يمكن استباق التطورات المستقبلية أو توقعها، بل يمكن ذلك إذا استطاع اخذ القرار إحكام آليات التأثير والمبادرة والفعل؛ ومسألة الاتحاد هاته أفضل مثال يمكن أن نعطيه كرد استباقي لما يمكن أن يحدث في أوطان دول مجلس التعاون الخليجي وفي بيئة معقدة شيئا ما، ولكن لم تصل بعد إلى حد التعقيد التام أو عدم الاستقرار التام، لأنه في هاته المرحلة ستتبنى الدول استراتيجيات يمكن أن نسميها بردات الفعل التي تسعى إلى حل المشكلات الآنية وتكون بذلك تتبنى سياسات لا خطية؛ وفي هاته المرحلة تتعقد الأمور ويمكن أن تتحول إلى فوضى شاملة ومعرضة لأخطار جذرية.

هناك تغيرات جذرية في النظام الاقتصادي العالمي بسبب الأزمة المالية العالمية، وهناك عولمة تتغير لونها كالحرباء، وهناك تكنولوجيا رقمية أبهرت الجميع، وهذا يعني وجود عوامل محددة وأخرى غير مستقرة تغير أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية في كل دول المعمور؛ وهناك دول تسعى لنقل مشاكلها الداخلية أو مشاكلها مع المنتظم الدولي، إلى البيئة الإقليمية المحيطة لتختلط الأوراق وتربح الوقت وتنجح في إعادة صياغة التحالفات وغيرها.

إذا كانت هناك من كلمة يمكن أن تلخص هاته الوضعية الحالية لهاته البيئة العالمية المعقدة فهي كلمة تشعب، مع نظام عالمي يبحث عن قواعد جديدة يصعب كتابتها موازاة مع أطراف هامشية أو ذات مشاكل مستعصية تسعى لمقاومة أي توازن جديد.

ثم هاته البيئة الحامية للوطن هي محلية بالدرجة الأولى: فالثقة إذا فقدت مثلا داخل الجسم المجتمعي والسياسي لأي دولة من الدول فإن الظواهر الاحتجاجية تظهر حتى ولو كان رأس الجسم السياسي من أعرق الديمقراطيات كما هو شأن حكومة سيلفيو برلسكوني بإيطاليا وحكومة ثاباتيرو بإسبانيا؛ ثم إن العامل المحدد لهاته الثقة هو الرخاء الاقتصادي والنمو الاقتصادي وتلبية متطلبات عيش المواطن.

لهذا في نظري سيكون عام 2012 عاما مصيريا بالنسبة للاقتصاد العالمي والسلم الاجتماعي في كل دولة من دول العالم؛ ستقام انتخابات عديدة في الكثير من دول العالم بما فيها الرئاسية (الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، العديد من دول إفريقيا) والبرلمانية في العشرات من الدول؛ والناخبون في قلق وحيرة من أمرهم: أي من الساسة بالإمكان التصويت عليهم؟ كما أن الساسة يخبطون خبط عشواء في تصور سياسات اقتصادية واجتماعية كفيلة بإيصال الشعوب إلى بر الثبات والتعافي من الركود وسداد الديون (المقدرة حاليا مثلا في أوربا ب 637 مليار يورو والتي يحين أجل استحقاقها في عام 2012)؛ وإذا بقينا في الفضاء الأوربي وسلمنا بفشل سياسة المنطقة في بناء ثقة المستثمر في المالية العامة لمنطقة اليورو، وذلك بترسيخ الاستقرار للنظام المالي بأسره وإعادة النظر في صياغة صندوق إنقاذ أوربا مجسدا في مرفق الاستقرار المالي والأوربي، فإما سينهار اليورو أو ستغادر دول عديدة منطقة اليورو كاليونان.

الشعارات الرنانة وذات السجع الجميل في السياسة لم تعد تطرب آَذان الشعوب؛ الشعوب في حاجة إلى ما يملأ بطنها في جو من العز والكرامة والإنسانية؛ والمخرج الوحيد للأزمات الداخلية هو النمو الاقتصادي، وللأزمات الخارجية هو استباق التفاعل داخل البيئة الإستراتيجية وتطوير سياسات ملائمة لخدمة المصالح الوطنية.

-- صحيفة الجزيرة:د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*