الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » خلفيات مراسلة جماعة العدل والإحسان لحزب العدالة والتنمية .

خلفيات مراسلة جماعة العدل والإحسان لحزب العدالة والتنمية .

وجهت جماعة العدل والإحسان ــ بتاريخ 8 يناير 2012 ــ رسالة إلى حركة التوحيد والإصلاح وجناحها السياسي حزب العدالة والتنمية الذي بوأته الانتخابات التشريعية ليوم 25 نونبر 2011 صدارة النتائج ، ومن ثمة قيادة الحكومة بمقتضى الدستور الجديد .
وتعد هذه الرسالة الأولى العلنية والرسمية من الجماعة إلى حزب العدالة والتنمية منذ تحمله المسئولية الحكومية . وكان متوقعا أن يصدر عن الجماعة ما يحدد موقفها من الدعوات الصريحة والضمنية التي وجهها إليها إسلاميو العدالة والتنمية بهدف تأسيس حزب سياسي والانخراط في المؤسسات الدستورية عبر خوض الانتخابات المقبلة التي تفتح للجماعة مجالا للمشاركة في إدارة الشأن العام .
فعلى امتداد عقدين من الزمان ، والحزب يراهن على مشاركة الجماعة في الحياة السياسية الرسمية ؛ بل تجندت أقلام من داخل الحزب لتسويق استعداد الجماعة وقبولها المشاركة في الانتخابات في ظل الدستور والقوانين الجاري بهما العمل . وبعد الفوز البيّن لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية الأخيرة ، عظم طموحه إلى إدماج الجماعة في الحياة السياسية مثلما فعل مع جزء هام من التيار السلفي . إلا أن الجماعة لم تنتظر طويلا فأرسلت للحزب رسالتين لهما دلالة سياسية عميقة . بالنسبة للرسالة الأولى كانت مشفرة وعملية ، حيث تركت الجماعة للحزب مهمة فك رموز قرار وقف مشاركتها في الاحتجاجات التي تؤطرها حركة 20 فبراير حتى لا تبقى الجماعة ورقة ضغط يستعملها الحزب لانتزاع مكاسب سياسية لصالحه . أما الرسالة الثانية فجاءت مكتوبة وواضحة الدلالة لا يقبل مضمونها التأويل ولا يترك لكتبة الحزب أي مجال لإجراء عمليات تجميلية تسمح بتسويق الجماعة على غير حقيقتها .
لهذا حرصت الجماعة ، في رسالتها إلى حزب العدالة والتنمية ، على إعادة التذكير بموقفها المبدئي والعقائدي من النظام الملكي ومن كل مشاركة في مؤسساته الدستورية وبيان تلبيسات الحزب على  الشكل التالي :
1 ـ تذكير الحزب بأن الجماعة وفية لموقفها الذي اتخذته منذ ثلاثين سنة ،وهو ذات الموقف الذي يعلم الحزب كل تفاصيله . تقول الرسالة (  نكتب إليكم إخوتنا وأخواتنا في هذا الظرف الدقيق من تاريخ شعبنا وأمتنا لنعبر لكم عن نظرتنا وموقفنا من تفاعلكم مع الأحداث الجارية واجتهادكم في التعاطي مع الشأن العام لهذا البلد.
وهو موقف تعلمون إجماله وتفصيله منذ أزيد من ثلاثين سنة لَمَّا كنا نجهر لكم به، ولَمَّا كانت نواة الاجتهاد الذي تعملون وفقه الآن فكرة في رؤوس أشخاص يعدون على رؤوس أصابع اليد الواحدة، قبل أن يعم فرقة معتبرة من أبناء وبنات الحركة الإسلامية بالمغرب.) .إذن موقف المقاطعة هو مبدئي وثابت لدى الجماعة .
2 ــ الرد الحاسم على دعوات الحزب ورهانه على المشاركة السياسية للجماعة ( ولسنا بصدد الرجوع إلى الوراء فلا حاجة ولا معنى لذلك، إلا من باب بيان المقدمات ونتائجها، والمنطلقات ومآلاتها، خاصة ونحن نسمع اليوم بعض قيادييكم يعبرون بجلاء عن “الوصول” وعن “نجاح” اجتهاد يجب على جماعة العدل والإحسان أن تعتقده وتعتنقه لتعمل به من “داخل المؤسسات”.) . فالجماعة لو أرادت المشاركة في مؤسسات النظام لفعلت من ثلاثين سنة خلت ولما تركت الفرصة للحزب أن يبرز ويصير رقما مهما في المعادلة السياسية .
3 ــ اتهام  الجماعة للحزب بالتلبيس والخلط  حين ساوى بين الإصلاح في المغرب والإصلاح في تونس ومصر ( إن ما ينبغي أن نقف عليه أولا هو هذا الخلط بين ما يجري في المغرب وبين ما حدث ويحدث في بلدان أخرى مثل تونس ومصر وليبيا ونعتبره تلبيسا فظيعا) . ومعنى هذا أن الجماعة تتهم الحزب بتغليط الرأي العام والمتاجرة بآماله في الإصلاح .
4 ــ تصنيف الجماعة للحزب بأنه طرف في لعبة المناورة والخداع والمكر للتلبيس على المواطنين بأن ما يحدث في المغرب من إصلاح شبيه بما يحدث في تونس ومصر ؛ لتؤكد الرسالة  ( فشتان شتان بين شعوب انتفضت شبابا وشابات، ورجالا ونساء، وصبرت وصابرت ورابطت في الميادين إلى أن أسقطت أنظمة كان يستحيل على الكثيرين مجرد تخيل زعزعتها، وبين بلد لم يستطع حكامه –وجزء لا يستهان به من طبقته السياسية والحزبية مع الأسف– إدراك عمق وحجم التحولات التي تفرضها الأمة اليوم على العالم أجمع، ولم يستطيعوا التخلص مما دأبوا عليه لعقود من المناورة والخداع والمكر مما لا يفيد اليوم على الإطلاق، بل إن تلك التصرفات والأساليب هي التي أفضت إلى هذه النتائج التي نعيشها الآن، وإن الاستمرار فيها لن يؤدي إلا إلى الكوارث ) . وفي هذا اتهام صريح للحزب بأنه سيتحمل مسئولية الكوارث التي ستقع لأنه مسئول عن تزوير الواقع وإخفاء الحقائق .
5 ــ  تحميل الجماعة للحزب مسئولية إضاعة فرصة ثمينة للتغيير  بموافقته على الدستور الجديد التي اعتبرتها الجماعة التفافا على مطالب الشعب (وهنا، إخوتنا الأفاضل، نختلف معكم جذريا، ونعتبر –وهذا تقديرنا– أن تزكيتكم ودفاعكم عن هذا الدستور كانا مساهمة في الالتفاف على المطالب الحقيقية للشعب، ومساهمة كذلك في تضييع فرصة ليست بالهينة، مع العلم أن الفرص الكبرى لا تدوم إلى الأبد ).
فالجماعة كانت تراهن على توسيع جبهة الرفض والمقاطعة للدستور لمحاصرة النظام والضغط عليه كمقدمة لهدّ أساساته . وهذا اتهام صريح للحزب بأنه انحاز إلى مصلحة النظام بدل الانخراط في نضال الشعب من أجل التغيير الذي لا معنى له ، في أدبيات الجماعة، إن لم يؤد إلى تغيير النظام .
فالموقف من النظام هو جوهر الاختلاف بين الجماعة والحزب . ذلك أن الجماعة تحمل مشروعا سياسيا نقيضا للنظام الملكي ، فيما حزب العدالة والتنمية يؤمن بالإصلاح والتغيير التدريجي من داخل النظام وبتشارك مع الملك الذي يقر له الحزب بإمارة المؤمنين ، فيما تنكرها عنه جماعة العدل والإحسان التي تصر على نعت الحكم الملكي “بالعاض والجبري”.
6 ــ اتهام الحزب وعلماء/ فقهاء حركة التوحيد والإصلاح بالتلبيس على الناس طبيعة النظام السياسي الحاكم ( ولعل من أخطر ما في القضية التلبيس بهذا الموقف على جزء من الشعب، بل جزء من الأمة وفئة من علمائها الذين لا يثنينا احترامهم وإجلالهم عن أن نختلف معهم في الرأي والتقدير، وأن نسمي الأمور بما سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الصحيح: “ملكا عاضا” و”ملكا جبريا”) .
وكأننا بالجماعة تحمل حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح المسئولية الوطنية /التاريخية بتزكية الدستور ، وكذا المسئولية الدينية بعدم تنزيل صفة “الحكم العاض” على النظام الحاكم .
7 ــ  الرد الصريح على دعوة الحزب للجماعة بالانخراط في المؤسسات الدستورية بتذكيره  بأن تلك  المؤسسات التي يفرح الحزب بالهيمنة عليها وقيادتها ( البرلمان والحكومة ) هي ، في حكم الجماعة مجرد “ديكور” للنظام “وتزيين” للحكم المخزني ( وهذه واحدة من أمهات الاختلاف بيننا وبينكم –إخوتنا الكرام– فالمؤسسات التي تعملون وتدعون للعمل من داخلها هي في واقعنا المغربي هوامش على متن الاستبداد، وديكورات لتزيين الحكم المخزني ).
8 ــ  إقرار الجماعة القطعي بأن ( “المشاركة السياسية” بالشروط الفاسدة وفي الأوضاع المختلة هي في أحسن الأحوال مضيعة للوقت وخدمة للاستباد –من حيث لا يدري المرء– وتمكين له أشد التمكين.). ذلك أن الجماعة ظلت تعتبر كل مشاركة في مؤسسات النظام هي “ترميم” لصدعه وإطالة في أمد حكمه . وحين قررت الجماعة مقاطعة النظام ومؤسساته ، فإنها فعلت عن عقيدة لديها تنبئها بقرب زوال النظام . لهذا نجدها ترفض اتخاذ أدنى قرار ترى فيه بصيص أمل للنظام .
9 ــ تنبيه الجماعة للحزب بأن العمل من داخل مؤسسات النظام ما هو إلا انتحار ومخاطرة ( إننا نعتبر الحديث عن المؤسسات وتعددها واختصاصاتها في ظل الحكم الفردي ومشروعه السلطوي الاستبدادي ضربا من الخيال، ونحسب العمل من داخلها وفق شروطه وابتزازه مخاطرة سياسية بل انتحارا حقيقيا ) . والجماعة هنا تتنبأ بفشل الحزب في تدبير الشأن العام وتحقيق الوعود التي تضمنها برنامجه الانتخابي ولا حتى برنامجه الحكومي . وقرار توقيف مشاركتها في احتجاجات حركة 20 فبراير يدخل ضمن إطار إفشال حكومة بنكيران .
10 ــ الجماعة تحذر الحزب من المصير المشئوم بعد الفشل في التدبير الحكومي  ، حيث سيخسر الحزب سمعته وشعبيته ، فيما النظام سيكون الرابح الأكبر ( وهذا ما يدفعنا إلى الخوف الشديد عليكم وعلى مستقبل رجال ونساء من خيرة أبناء هذا الوطن، ولا نزكي على الله أحدا، بذلوا ويبذلون، وما أظننا نخطئ إذا قلنا إنهم سيبذلون جهودا كبيرة، ولكن مع الأسف في الاتجاه الخطإ وفي الزمان الخطإ.) .
وكأننا بالجماعة تنصح الحزب بالتراجع قبل فوات الأوان واقتصاد الجهد لبذله في الاتجاه “الصحيح” وهو دعم موقف الجماعة المناهض للنظام والالتحاق بالميثاق الذي تدعو إليه الجماعة لتشكيل جبهة قوية وواسعة تحاصر النظام وتعصف بحكمه . وقد سبق للجماعة أن دعت أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة إلى “الميثاق الجامع” يضم كل قوى التغيير ، وكان آخرها الدعوةُ التي صدرت تحت عنوان”جميعا من أجل الخلاص” سنة 2007  حيث شددت على نهج الجماعة التالي (دَعَوْنَا منذ أزيد من ربع قرن إلى ميثاق، وكررنا الدعوة مرات ولم نمل.
ولا تزيدنا الأيام إلا إدراكا أن الخرق أوسع من أوهام الرَّاقعين، وأن الأمر يحتاج إلى كل يد نظيفة. ولم نشك قط أن البلد يزخر بالأيادي النظيفة والنفوس العفيفة رغم مظاهر الخراب التي مهما علت وطغت لن تنسي هذا الشعب المؤمن أن الله على كل شيء قدير) .
11 ــ تحريض الحزب وتوريطه  في مواقف يواجه فيها النظام ويصادمه (وما أظننا في حاجة للتذكير أن مشكلتنا ليست مع الأشخاص، رغم أننا لا ننكر أهميتهم في الصلاح والفساد، لكن الأنظمة هي مناط الخير و الشر في المرتبة الأولى، فكيف مآل الدول وأموالها وأعراضها تحت مؤسسات يعشش فيها الهوى والترف، ويتلاقح فيها استغلال النفوذ باحتجان الأموال بالباطل، ويقتُل قهرُها واستبدادُها كلَّ شهامة وكل إرادة حرة في الأمة؟) .
وسبق للجماعة في وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” أن حصرت جوهر المشاكل التي يعرفها المغرب في نظام الحكم ( إن النظام المخزني بصيغته الحالية وبمنهجيته السياسية أصبح يمثل عائقا أمام الديمقراطية والتنمية في هذا الوطن، كما أصبح مهددا لهوية الأمة في الصميم ومهددا لمصالحها المختلفة، بل أصبح مهددا للاستقرار الإقليمي والمتوسطي بعشرات الآلاف من هكتارات المخدرات، وبهجرة يغذيها بسياسته التفقيرية القاتلة.)
12 ــ  مراهنة الجماعة على “الشرفاء والفضلاء”  داخل الحزب وخراجه من أجل تصحيح مسار التغيير ومدخلاته التي لن تكون مؤسسات النظام وقوانينه ، بل التعبئة ( والعمل بصبر ومصابرة لقطع دابر الفساد والاستبداد، وبناء المؤسسات وتفعيلها على أسس العدل والشورى، والكفاءة والفعالية، بما يصلح الله به أمر أمتنا حالا ومآلا) .
وهذا يقتضي ، حسب الجماعة ، أن يتحمل الجميع ( مسؤوليته بكل شجاعة ووضوح، من علماء أُسكتُوا -إلا من رحم ربك- تحت صولة الحكم القُرُونِيِّ الوِرَاثِي، وأهل الدعوة والفاعلين السياسيين والاقتصاديين وعموم الأمة وكل من لهم غيرة على هذا البلد.) .
13 ــ الجماعة تفرض على الحزب أن يختار بين أمرين أحلاهما مرّ ( إنكم لا تريدون –كما لا نريد- أن تهدر دماء هذا الشعب الحبيب، ولكننا في المقابل نأبى بقوة أن تهدر كرامته وأن يحيى حياة الذل و الخنوع إلى الأبد). فالجماعة لا تقر بأي خيار سوى مواجهة النظام ،وكل مصالحة للنظام أو مشاركة له هي “ذل وخنوع” .
14 ـ تبرئة ذمة الجماعة من مسئولية ما قد يقع من مصادمات أو مواجهات في مقبل الأيام . ذلك أن الجماعة اختارت خندق المواجهة وترفض كل مصالحة مع النظام .
وحين تمارس حركاتها الاحتجاجية بالطرق والوسائل التي تراها مناسبة ، فإنها تفعل ذلك احتجاجا ضد النظام وليس ضد الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية .
فالجماعة تشدد على أنها لن تستكين ولن ترضى “بالذل والخنوع”. لهذا فهي تحمل الحزب كل المسئولية في التصدي للجماعة واحتجاجاتها ، وتطلب منه ألا يكون حاميا للنظام وأداة للدفاع عنه .

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*