السبت , 3 ديسمبر 2016

خطر اللسان

 من جملة النِّعم التي امتنّ الله بها على الإنسان نعمة النطق والبيان قال جلّ ذكره: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} [البلد: 8-9] وقال سبحانه: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 3-4]، فاللسان هو الأداةُ التي يَظهر بها البيان والشاهدُ الذي يُخبر عمّا في الجنَان، ومن رحمة الله بعبده أن جعل اللسان في الإنسان عضوًا لحميًّا لا عَظْم فيه ولا عَصَب لتسهيل حركته، ولا تجد في من يكترث بكثرة الحركة سواه، فإنّ أيّ عضو من أعضاء الإنسان إذا حرّكته كما تحرّك اللسان لم يطق ذلك، ولم يلبث أن يكلَّ ويخلد إلى السكون إلاّ اللسان.

– واللسان مع صغر حجمه إمّا واسطة لخير عظيم، أو سبب لشر جسيم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ» أخرجه الإمام أحمد في الزّهد، فاللسان ترجمان القلب، والمسيطر على أعضاء المرء، فترى الأعضاء كلها تُلقي إليه قيادها وتعترف له بأنّ صلاحها بصلاحه وفسادها بفساده، كما عند الترمذي بسند حسن من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه رفعه «إذا أصبح ابن آدم فإنّ الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا».

– فالنجاة في إمساك اللسان عن الخوض في رديء الكلام، لأنّ نطق اللسان يؤثر في الأعضاء بالتوفيق أو الخذلان، فمن أهمل لسانه ولم يُلق لعمَله بالًا، ينطق بما شاء ويتكلم بما أراد، سلك به في ميدان الزلل والخطأ، وما ينجي من خطره إلاّ أن يقيّده بأمر الشرع.

– ورُوي أنّ زيدَ بنَ ثابت كتب إلى أبي بن كعب أما بعد: فإنّ الله قد جعل اللسان ترجمان القلب، وجعل القلب وعاء راعيًا ينقاد له اللسان لما أهداه له القلب، فإذا كان القلب على طوق اللسان جاء الكلام وائتلف القول واعتدل، ولم تكن للسان عثرة ولا زلة، ولا حلم لمن لم يكن قلبه من بين يدي لسانه، فإذا ترك الرجل كلامه بلسانه، وخالفه على ذلك قلبه، جدع بذلك أنفه، وإذا وزن الرجل كلامه بفعله صدق ذلك مواقع حديثة.

– فتأمّل حال كثير من الناس اليوم فيم يقضون أوقاتهم ويشغلون فراغهم، من تأمُّل هـذا الأمر رأى ما يُذهـل ويُروع، من لغـو الحديث والخوض في الباطل وتتبعِ العورات أو التندّرِ بالناس مِن غِيبة ونميمة وانتقاص وسخرية واستهزاء، ويزداد الأمر وتعظم المصيبة حين ترى مَن عليه سمت الوقار والصلاح، وملامح الهدوء والاحتشام، وهو يُسفر عن بذاء وثرثرة ويخوض في لغو وباطل، والله تعالى يقول: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، ويقول سبحانه: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10-12].

– والإنسان يحرص على ألاّ يتكلم إلاّ بأفضل الكلام وأزكاه وأحسن القول وأعلاه، فإذا قال خيرًا غنم، وإذا أمسك عن شر سلم، ومَن خالف ذلك ندم، فالخير والسلامة في حفظ اللسان فلا يذهب الرشد إلاّ مع كثرة الكلام، ومَن أطلق لسانه في الكلام متى أراد ولم يراع صحة دواعيه وإصابة معانيه، كان قوله مرذولًا ورأيه معلولًا. والله ولي التوفيق.

* وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

-- صحيفة الجزيرة:د. عبدالله بن عبدالرحمن الشثري *

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*