الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التشكيك في الآخرين وسوء الظن

التشكيك في الآخرين وسوء الظن

بعض الناس يتصرفون تصرفات عفوية في أقوالهم وأفعالهم وسلوكياتهم في الحياة اليومية، ولكن هناك من يتربصون بأقوال الناس وأفعالهم ويحملونها مالا تحتمل ويفترضون سوء النية، بل تتطور هذه النظرة إلى الظن السيئ بالآخرين عند رؤية سلوك معين، بل يذهب البعض إلى تزكية نفسه، والانتقاص من الآخرين، ولاشك أن هذه الصفات الموجودة لدى البعض اعتبرت من أمراض القلوب، ومن السلوكيات غير الحسنة.. اثنان من أصحاب الفضيلة تحدثا عن تلك التصرفات.

مراتب الأحكام

يشير الدكتور حميد العربي الوافي أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بجامعة القصيم إلى أنه لم تكن رسالة الإسلام غير بناء الإنسان بناء يحقق مقصود الشرع من الخلق، بما يظهر عظيم السر في الجمع والترتيب في قوله تعالى: {لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}. وهو ما اقتضى عند ابتداء تنزيل الآيات هدى وبينات للناس تفريقها على فترات من الزمن لتحقيق تلك النقلة النوعية في الأنفس، والتمكين لمعاني التكليف وأسراره التربوية في العقول {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}.

وكان من صور نجاح المنهج التربوي إحداث ذلك التحول في النفس بالتركيز على نقد الذات والاهتمام بعيوبها قبل نقد الآخر والبحث عن مساوئه. ولئن كان لنقد الآخر نوع من الاعتبار في الشرع؛ فإن بعض الممارسات النقدية وإن كانت مقصودة؛ فإنها لأسباب عديدة نقلت عن أصل موضوعها في مقصود الشرع، من كونها أداة منهجية لحفظ مقصوده من تشريع الأحكام إلى أن أصبحت أداة لتحقيق نوع من المكاسب، وتحصيل حظوظ النفس؛ وذلك لغياب رؤية شرعية تربوية تميز بين الوسائل والمقاصد وتبين الفروق بين مقاصد الشرع نفسه.

وإن من مكاسب الاشتغال بعيوب الناس لفت الأنظار لخامل الذكر المعجب بالنفس، وتقديم صورة تجعل غيره يشعر بحضوره، وكأنه من طرف خفي يمدح نفسه خصوصاً إذا كان السلوك محل النقد مما لا يندرج تحت ما يجب في الشرع الإنكار على مثله؛ لكونه إما من باب المباح أو من باب المندوب الذي لا يأثم تاركه، وإن رتب الشرع على فعله ثوابا.

فيكون من الشاق على النفس تزكيتها بالعمل إتيانا للخيرات، وسباقا إلى مبرات الأعمال، وتقربا إلى الله تعالى؛ إذ لا يزال العبد دائراً في سيره إلى الله تعالى بين فعل ما افترض عليه، والإكثار من نوافل الخير رغبة في ما لديه. وإنه لعمل شاق فعلا على كثير من الأنفس، فيكون لإبليس عليه نوع سلطان فيوهمه أن الطريق قد يكون بتتبع عورات الناس والتفتيش على عيوبهم أو ما يظن أنه عيب، وما هو بعيب، كأن يزين له إطلاق لسانه غمزاً ولمزاً، من بعد ما مد بصره تجسساً وسخر أذنيه ابتغاء نميمة يلتقطها، أو غيبة يوهم غيره أنها من النصيحة ويقتضي إظهارها مبدأ النهي عن منكر. وما بقي له إلا أن يقول اليوم يوم غيبة تعالوا نغتب في الله؟، مع العلم أن كثيرا مما يجري فيه هذا السلوك من حيث مرتبة اعتباره في الشرع بعيد عن قواطع الأحكام، وأصول المصالح والمفاسد. ويندرج في مواقع العمل الذي أجاز الشرع فيه الترك على الجملة، أو لم يرتب على تركه، أو فعله عقاباً إلا ما انتظم من اجتهاد مقاصدي تربوي يفضي إليه الفعل أو الترك من مصالح أو مفاسد بحسب ما سيقت له تلك الأحكام حفظاً لكليات التكليف؛ فيقع تنبيه السائرين إلى الله تعالى إلى ما بين تلك التكاليف من التفاضل سواء تعلقت بالأفعال أو التروك، وأن المواظبة على الاقتصار على فروض الطاعات يوشك أن يدخل نقصًا عليها وأن اقتحام المكروهات يترتب عليه حذر الوقوع في المحرمات.وذلك لا يقتضي غير التنبيه والإرشاد فيما يظهر من الأعمال دون التنقيب عن الخفايا والأسرار. بل يكل ذلك إن تعاق بالقصود والنيات للذي يعلم السر وأخفى.

الوظيفة التربوية

ويضيف د. الوافي: من هنا تظهر الوظيفة التربوية لمراتب الأحكام فيلزم التفريق بين الواجبات والمندوبات والمباحات والمكروهات والمحرمات. فقد ميز الشرع بينها بأوصافها وحدودها، وما رتبه عليها من إثم أو مدح، وما نبه عليه مما يتعلق بها من عقاب أو ثواب. فكل تسوية بينها في الاعتبار الفقهي والتديني، والإنكار عند المخالفة فعلاً أو تركاً، كل ذلك يفضي إلى نوع من الابتداع في التدين؛ لأن الفاعل في هذه الحالة نزل نفسه منزلة المشرع، وأحدث للتكاليف مرتبة لم تكن معهودة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن مفهوم الاهتداء بهديه والاقتداء به يلزم أن يفعل المكلف مثل الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم. فإن كان قد فعله واجباً فعله المكلف واجباً، وإن ندبا فندب، وإن مباحا فمباح، وإن تركه كراهة فكراهة، وإن تركه حراماً فحرام. وتلك مهمة العلماء في البيان تحملا لرسالة البلاغ المبين، وما أوتوه من علم نهوا عن كتمانه، وإن صاحب هذا المنزع غافل عن سلاسل العيوب؛ إذ تتبع عورات الناس باسم النقد وتغيير المنكر عندما يفتقد تلك الرؤية الشرعية لمفهوم المنكر، وضوابط النقد تجريحاً للناس يدفعه إلى التفتيش عن العيوب؛ فيبيح لنفسه التجسس والنميمة والغيبة، ولعله بدافع الحسد أو الكبر، لكنه يسعى إلى ستره بتغيير اسمه فيسميه نقداً؟ أو بإثارة الاهتمام بشخصه تزكية لنفسه متوهما أنه يعرف غيره بقدراته، متأسيا بيوسف عليه السلام في فعله، ومعرضا بغيره منتقصا من قدراتهم أو مؤهلاتهم ومفيضا في بيان نواقصهم؟ ومتهما أحيانا غيره بأنهم ما عرفوا قدره فقدموا عليه من ليس أهلا لذلك؟ وإن صاحب هذا التصور يثقل نفسه بذنوب غيره، ويعمل لغير لصالحها وإنه لهو المفلس حقا.

ولعلنا في هذا المقام نجد بعض الناس يعتبر ذلك من باب الواجب الذي به تعرف مراتب الناس ومنازلهم، ويرى أنه في ذلك ؛إنما يتبع الأفاضل في ما سنوه من جرح وتعديل؟ وهذا يدل على ضعف في إدراك مقاصد الأولين في إجازة ذلك رخصة لحفظ أصول الدين من أن يختلط بها ما ليس منها؛ فتضيع نصوص الوحي. ولو أنه أبصر لأدرك الفرق بين المقامين مقام الولوغ في أعراض الناس بدوافع نفسية، وبين من يأتي ذلك مستشعرا لحرمته شرعا ومقدرا لذلك بحسب الضرورة. وهي تقدر بقدرها. ثم أين هو من أولئك الأفذاذ في التدقيق حتى لا ينقلب فعل الطاعة معصية؟ وهل قامت به أوصاف الاعتبار الشرعي التي تبيح له اقتحام ذلك الحمى؟ وهل ما يجري فيه تتبعه لعورات الناس من الجرح والتعديل لتحقيق مصلحة شرعية أم لمكاسب شخصية؟

سلوكيات الآخرين

أما الدكتور سليمان محمد الحسن أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم فيقول: دعنا نتفق أولاً بأن ذلك موجود لدى كثير من الناس، وأنه يمكن أن يعد مرضاً من أمراض القلوب وداءً خطيراً من أدواء النفوس، لكن المفترض أن يكون وجوده مقصوراً على العوام والجهلة، نظراً لجهلهم وقصورهم وشعورهم بالنقص وضعفهم في مواجهة ما جبلت عليه النفس الإنسانية من غرور واعتزاز بالذات يقود إلى الرضا عنها، ومن ثمَّ التفرغ إلى إصلاح الآخرين، فتجده يتقمص دور المصلح الاجتماعي فيجعل كل همه تتبع سلوكيات الآخرين والحكم عليها، بغرض تقويمها – بزعمه – وإصلاحها دون أن يملك أيَّاً من مقومات الإصلاح والتقويم، وينسى إصلاح نفسه، والسعي في نجاتها وتقويمها وإصلاح عيوبها، لكن المرض يكون أشد فتكاً في المجتمع وآثاره أعظم تدميراً إذا سرت عدواه إلى طلبة العلم وأهل الدعوة والإصلاح، فأصبح الكثير منهم يشتغل بنقد الآخرين وتتبع عثراتهم وتصيد زلاتهم، وربما جعل همه وصرف جهده ووقته في بيان أن فلانا أخطأ في كذا وجانبه الصواب في كذا، وقد يقوده ذلك في الغالب إلى الحكم على النيات والمقاصد التي لا يطلع عليها إلا الله – حتى يخلص – في الغالب – إلى الحكم عليه بسوء القصد وفساد النية ومن ثمَّ التحذير منه وكيل التهم له جزافاً وتراه يؤول كلامه – مهما كان واضحاً – إلى أن قصده كذا ومراده كذا مما قد لا يكون قد خطر ببال صاحبه أصلا، وترى بعضهم – مع الأسف الشديد – ربما أطلع على هفوة أو خطأ أو زلة من أحدهم فيأخذ ينفخ فيها ويكبرها حتى ربما أخرجه – بسببها – إلى البدعة أو الضلال وصار يصنفه من الطائفة المارقة الفلانية أو الفرقة الضالة الأخرى، وكفى بمثل ذلك عائقاً للإصلاح، ومشتتاً للجهود، بل ومنفراً للمدعوين، وصاداً لهم عن الخير والصلاح.

قلة العلم

ويبين الدكتور الحسن مجموعة من الأسباب التي تجر إلى الوقوع في مثل ذلك فإن من أهمها: قلة العلم الشرعي وعدم الرسوخ فيه، والاغترار بالحصول على شهادة جامعية أو مناداته من قبل المحيطين به بالشيخ أو العالم أو طالب العلم حتى ظن أنه قد أصبح عالماً بمجرد ذلك، ولهذا لا تكاد تجد عالماً راسخاً في العلم يصاب بمثل ذلك، بل كلما ازداد رسوخاً في العلم ازداد بعداً عن ذلك وازداد معرفة بنفسه وأدوائها فاشتغل بإصلاحها عن الاشتغال بعيوب الناس وأخطائهم، وجعل كل همه مصروفاً إلى البناء والإصلاح، ولا يشتغل إطلاقاً بنقد الأشخاص أو التعرض لهم حتى ولو تعرض هو للنقد والتجريح من قبلهم، كما أن الكثير من أولئك خلط بين التحذير من المنكر والنهي عنه وبين الكلام في الأشخاص المعينين الذين يقعون فيه – في اعتقاده – وتجريحهم والتحذير منهم، فتجده – وقد يكون ذلك بحسن نية – يحذر من فلان ويجرحه وينهي عن مجالسته ويستبيح عرضه لمجرد أنه وقع فيما يعتقده هو خطأ أو ضلال، مع أن المطلوب إنما هو بيان الحق والصواب بالدليل الواضح ورد الخطأ والضلال دون التعرض للأشخاص الذين قد يكونوا معذورين لو فرض أن ما فعلوه أو قالوه خطأ وضلال، فكيف إذا لم يكن كذلك – وكان الحق معهم – أو كان الأمر مما يسوغ فيه الخلاف أو من قبيل اختلاف التنوع لا التضاد، ومن الأسباب قلة العلم وعدم الرسوخ فيه أيضاً وهو الغرور وتزكية النفس واعتقاد أنه الذي يعرف الحق وحده دون الآخرين، ولذا تجده دائماً يزكي نفسه ويصوب رأيه وفهمه ويحكم على غيره بالخطأ وقلة الفهم والعلم والبصيرة وقد قال ربنا جلَّ وعلا: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}، وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}، ومن الأسباب أيضاً: التعصب للأشخاص أو الطوائف حتى لا يقبل الحق إلا منهم ويعتقد أن الحق والصواب دائما معهم وأن من خالفهم فهو على باطل وضلال، حتى ربما قاده ذلك إلى رد الدليل الواضح لأنه يخالف قول فلان، وقبول الخطأ البين لأنه صدر من فلان، وهذا أيضاً من نتائج قلة العلم وضحالة المعرفة.

أمراض القلوب

كما أن من الأسباب المؤدية إلى مثل هذه الظاهرة السيئة الغفلة عن معرفة أدواء النفوس وأمراض القلوب الخفية وعدم الاشتغال بمداواتها وعلاجها، ومردّ ذلك – والله أعلم – إلى الاكتفاء من العبادات والشعائر بالظواهر والمظاهر دون الاهتمام بإقامة عبودية القلب والروح، فأضحى التعبد لله – في نظر كثير من أولئك – يتحقق بأداء الفعل المأمور به أداءً عملياً بحتاً فتجده يهتم بسنن الصلاة البدنية – مثلاً – وربما أنكر على من تركها – حتى ولو كانت محل نزاع وخلاف – بل ربما عادى ووالى من أجلها في حين أنه لا يهتم بإحضار قلبه وخشوعه في صلاته الذي هو لب الصلاة وروحها، ولا يحاسب نفسه على ما يحسب له في ميزانه من صلاته وما ضاع عليه منها، ولا ينظر إلى أثر صلاته في قلبه، ومدى تأثيرها في زيادة إيمانه وقربه من ربه، وقد يكون لغياب الاهتمام بتزكية النفوس وعبودية القلوب والتحدث عن أدوائها وأمراضها ووسائل علاجها وصحتها وحياتها وآداب السلوك وحسن الخلق من مناهجنا التعليمية الدينية وقلة التطرق لذلك والاهتمام به في خطب الجمعة وفي منابر الدعوة الجادة من الراسخين في العلم، أثر في ضعف الاهتمام بها وقلة الاشتغال بها، مما أفقد أو أضعف من تأثير العبادات في سلوك الكثير من المسلمين اليوم، حتى من أولئك المحسوبين على أهل الصلاح والاستقامة مما أوجد فجوة واضحة بين المعرفة النظرية والسلوك العملي في واقع التعامل بين الأفراد لدى كثير من المسلمين، خواصهم وعوامهم على حد سواء، حتى أصبح مألوفاً أن ترى من إذا سئل عن حكم الغيبة أو النميمة أو الاستهزاء بالآخرين والسخرية منهم أو حكم الغش والخداع ونحو ذلك ساق لك الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على تحريمها والنهي عنها وربما وقف خطيباً يحذر منها ثم لا تلبث أن تجده يمارس ذلك كله في واقعه العملي دون اكتراث.

وأصبح مألوفاً أن ترى من يهتم بإعفاء لحيته – حتى ربما لا يجرؤ على أخذ شعرة واحدة منها لو تطايرت – وتقصير ثوبه وإحفاء شاربه، ولكنك ما أن تعامله حتى تجد عنده من سوء الخلق وضيق العطن وسرعة الغضب والانتصار للنفس على حساب إحقاق الحق ما يحملك على الحيرة، ويؤكد لك وجود خلل واضح في مفهوم التدين والصلاح والاستقامة لدى الكثير من الناس، لذا أرى من الضروري التركيز على الاهتمام بالجانب السلوكي في مناهجنا التعليمية وتضمينها مواد – في كافة المراحل – في تهذيب السلوك والأخلاق، وأدب الحوار، وكذا الاهتمام بتضمين مواد العقيدة والثقافة الإسلامية الموضوعات التي تتعلق بأمراض القلوب، وعلاجها، والموضوعات التي تتعلق بذكر ثمرات الإيمان والآثار المرجوة من العبادات المشروعة وحكم التشريع ومقاصد الشريعة، والاهتمام بذلك من خطباء المساجد والدعاة في منابر الدعوة المختلفة.

-- خاص بصحيفة الجزيرة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*