السبت , 10 ديسمبر 2016

نحو 'جزأرة' سوريا

  النظام الأسدي لا مانع لديه، بل بالعكس لديه كل الاستعدادات الكاملة للخوض في تجربة مماثلة لمقاتل الجزائريين في التسعينات طالما أن التدخل الخارجي ممنوع وغير مقبول كلياً.
   
  مزيد من العنف ستشهده سوريا خلال الأسابيع القليلة المقبلة. خطاب الرئيس بشار الأسد في جامعة دمشق ومن ثم في ساحة الأمويين يذهب إلى هذا التصعيد خصوصاً أنّ انفجار حيّ الميدان ومن ثم القذيفة التي قتلت الصحافي الفرنسي في حمص، يؤكد كل ذلك. الرئيس الأسد اختار الحل الأمني، والمجتمع الدولي يتوجه نحو الحسم عبر تجميع الأصوات اللازمة لذلك، بعد الوضوح الكامل بفشل الجامعة العربية ومراقبيها في تنفيذ البروتوكول الذي وقّعه الأسد نفسه.

لم يفاجئ خطاب الأسد في جامعة دمشق إلا الذين ما زالوا يعتقدون أنه منقطع عن العالم لا يعرف ما يدور فعلاً في سوريا وحولها، فالخطاب خارج من حقبة الثمانينات عندما حلّ والده الرئيس حافظ الأسد مشكلة حماه والاخوان المسلمين بتدمير المدينة على روؤسهم للقضاء عليهم إما بالقتل أو بالتهجير من جهة اخرى. الرئيس الابن لم يجد في كل ما يجري في سوريا منذ عشرة أشهر حتى الآن من ثورة شعبية حقيقية سوى مؤامرة كونية وعربية ينفذها المتآمرون والانتهازيون والإرهابيون السوريين.لذلك فان قتلهم يصبح مشروعا.

أما الشعب السوري الذي ما زال مصمماً على المواجهة خصوصاً في الحزامين، الريفي الشامل والريفي الصغير لدمشق وحلب، رغم كل الخسائر التي يدفعها من دماء أبنائه وأملاكهم. مشكلة الأسد أنّه لا يستطيع تنفيذ حماه أسدية ثانية، فالوضع لا يحتمل ذلك لا بل أنّه سيُسقِط آخر الدفاعات عنه وتحديداً الدفاع الروسي. يعتمد الاسد على صلابة الموقف الإيراني معه، لان سقوطه يشكل خسارة استراتيجية لها، في حين ان موسكو لا تستطيع في لحظة معينة الاستمرار في دعمه خصوصا اذا صعّد في تجاوز خطوطاًَ حمراء لا يمكن الدفاع عنه. أما المعارضة الشعبية فإنّها تبدو أيضاً محشورة سواء بسبب انقساماتها الداخلية، أو رفضها للحل العسكري رغم كل إشاراته الغنية مؤخراً.

في ظل هاتين الاستحالتين يبدو أنّ النظام الأسدي يتوجّه نحو حل أمني أخفّ وطأة من حل حماه وأكثر دموية مما يحصل حالياً. ترجمة ذلك بوضوح تكمن في انفجار حي الميدان أولاً ومن ثم في حمص ثانياً، هذا مع تزايد كل المعلومات عن حصول تصفيات دموية سواء كانت مذهبية أو عرقية في بعض المناطق، مما يؤشّر إلى اقتراب حصول هجرات واسعة بين المدن والأحياء لكي يتخندق كل طرف من الأطراف بين أهله ومحازبيه.
هذا الحل هو ما يمكن أن يطلق عليه “جزأرة” سوريا، و”الجزأرة” هي على وزن “اللبننة” و”العرقنة” و”الصوملة”. فقد خرجت من قلب الجزائر كونها وليدة “العشرية السوداء” في الجزائر التي ذهب ضحيتها حسب اقل التقديرات أكثر من مئة ألف قتيل، اضيفوا الى المليون شهيد الذين حرروا الجزائر، علما ان الفرق شاسع بين ضحايا “الجزأرة” الذين سقطوا ضحية حرب ضاعت هوية القاتل فيها، وغابت أهمية الضحايا عنها. بدأت الحرب مع فوز الإسلاميين في أول انتخابات تشريعية حقيقية شهدتها الجزائر في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد. لكن “العسكر” لم يقبلوا النتيجة ولم يتحمّلوا ومعهم شرائح واسعة من الجزائريين ومن المجتمعين العربي والدولي وصول الإسلاميين الى السلطة، بذلك بدأت حرب أقل ما يُقال فيها أنها كانت إجرامية.
الإسلاميون قاتلوا وقتلوا وارتكبوا مذابح واسعة، والجيش الذي كان يتولى قيادته الجنرالات المعروفين باسم “حزب فرنسا” وأبرزهم محمد التواتي وخالد نزار والعربي بلخير وغيرهم، ومعهم الأمن العسكري الذي أطلق عليه الجزائريون لقب “S.S” نسبة إلى “الغستابو النازي” لكثرة ما ارتكبوا من الجرائم بقيادة اسماعيل وتوفيق مدين وغيرهم.
في تلك الحرب الدموية جرائم كثيرة وقعت اتُهم فيها الإسلاميون وتبيّن فيما بعد أنّ الجيش والأمن هم الذين ارتكبوها. أحدث الاكتشافات حول تضييع هوية القاتل أن الرهبان الفرنسيين الذين قُتلوا وقُطعت رقابهم قتلهم الجيش وليس الإسلاميون، بقي هذا السر مدفوناً حوالى أكثر من عشر سنوات. الهدف كان تصحير شعبية الإسلاميين وخلق جو من الكراهية الشعبية ضدّهم.
ما كان يساعد “العسكر” والجنرالات في هذه الحرب أن العالمين الغربي والعربي كانا يقفان علناً أو ضمناً مع النظام، مما سمح لهم الامساك بالسلطة وإلغاء انتصار الإسلاميين والمجيء بالسياسي المخضرم عبدالعزيز بوتفليقة رئيساً للجمهورية.

في سوريا، النظام الأسدي لا مانع لديه، بالعكس لديه كل الاستعدادات الكاملة للخوض في تجربة مماثلة لـ”جزأرة” طالما أن التدخل الخارجي ممنوع وغير مقبول كلياً. من ذلك ان تفجير حي الميدان وهو حي معروف بأنه بؤرة غنية للمعارضة يمكن وضعه في خانة الجزأرة. ترجمة ذلك أنه قد توجد حلقة “ساذجة”، مأخوذة برغبة الثأر للقيام بمثل هكذا عملية غبية يستثمرها النظام الأسدي. أيضاً لدى النظام خبرات طويلة ومشهودة له في لبنان وضد الفلسطينيين والعراق بالقيام بمثل هكذا عمليات تفجيرية لا يُعرف منها إلا هوية الضحايا، أما هوية القاتل فتضيع بسبب عدم وضوح الهدف من هكذا عمليات. الكل يعرف جيداً أنّ النظام الأسدي فتح كل ممراته الحدودية لعبور آلاف الانتحاريين الذين فجّروا أنفسهم وسط المدنيين فقتلوا منهم عشرات الآلاف في حين انه لم يُقتل من الأميركيين إلا القليل، رغم أنّ تلك العمليات جرت باسم المقاومة أو الممانعة.
اما في حمص فإنّ مقتل الصحافي الفرنسي في حي محسوب على النظام يضيّع هوية القاتل، خصوصاً ان السلاح الذي استُخدم في العملية كان مدفع هاون 60 وهو ما لم يُعرف استخدامه حتى الآن ولذلك يمكن ان تضيع هوية “القاتل” لأن النظام يستطيع ان يتهم المعارضة في حين ان المعارضة لم يُعرف عنها حتى الآن استهدافها لأحياء مدنية بمدافع هاون.
سوريا ليست الجزائر. لأنها تمسك بمفتاح الحرب في منطقة الشرق الأوسط الحساسة مما يُخيف ويُقلق العرب والغرب على السواء. لذلك فإنّ العالم لا يستطيع تحمُّل “جزأرة” ثانية في سوريا تطول عدة سنوات لأنه لا يمكن وضع المنطقة والعالم على صفيح ساخن يهدّد بحروب واسعة أو انفجارات محدودة، حتى يتمكن النظام الأسدي من فرض إرادته على الداخل والخارج معاً. لذلك فإنّ السؤال الكبير طالما أن الحرب الواسعة على غرار ليبيا ممنوعة والجزأرة غير مقبولة والأسد لا يقبل سوى حلاً واحداً هو رضوخ الشعب السوري لإرادته وقبوله رئيساً إلى الأبد، فما هو الحل؟
فشل حل المراقبين العرب أصبح مؤكداً. والفشل الأكبر أصلاً في عدم تنفيذ النظام الأسدي للبروتوكول الذي قررته الجامعة العربية ووقعته، ذلك أن سحب الدبابات والقوات من داخل المدن وإطلاق سراح آلاف المعتقلين وكشف مصير آلاف المفقودين لم يُنفذ ولا يبدو ان الرئيس الأسد يريد تنفيذه، لذلك فإنّ صياغة حل خارج من تجاوب الثورات ونتائجها في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن يجري حالياً العمل على صياغته بحيث لا يمكن الوقوف في وجهه داخل مجلس الأمن، خصوصاً في استخدام روسيا والصين للفيتو ضده، هذا الحل يعتمد أصلاً على تشديد العقوبات بحيث لا تعود غربية وعربية فقط وإنما أن تصبح شاملة تشترك فيها باقي الدول، والعثور على صيغة تضمن للمدنيين حداً أدنى من الحماية يساهم بها مراقبون دوليون ومناطق محيدة للجوء المدنيين وتمرير المؤن والأدوية لهم. تتفق أوساط عديدة من دولية وعربية على أنّ النظام الأسدي سيقاوم بشراسة خلال المئة يوم القادمة وان مزيداً من الضحايا السوريين سيسقطون في هذه المواجهات. الفيصل فيها كسر السوريين للخوف وتصميمهم على كسر إرادة النظام ودفعه للتخلي عن كل محاولاته الأمنية ضدهم والتسليم بأنّ بقاؤه رئيساً إلى الأبد لم يعد مقبولاً.

-- ميدل ايست أونلاين:بقلم: أسعد حيدر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*