الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الياسمين بذرة "بائع الخضار" في حقول الربيع العربي

الياسمين بذرة "بائع الخضار" في حقول الربيع العربي

شرارة “البوعزيزي” ألهمت ثوار تونس ودفعت “بن علي” إلى الهرب من وهجها

يا توانسة يا اللي غبنوكم، يا توانسة يا اللي عذبوكم، يا توانسة يا اللي قهروكم، تنفسوا الحرية، يا توانسة ما عادش خوف، بن علي هرب، بن علي هرب، يا شعبنا يا عظيم، يا شعبنا يا باهي، يا شعبنا يا غالي، يا شعبنا يا سمح، تنفس الحرية، البقاء للشعب التونسي”.
 بهذه الكلمات البسيطة في أحرفها وألفاظها، العميقة في معانيها، خرج المحامي محمد ناصر العويني مساء الرابع عشر من يناير العام الماضي مبشِّراً شعبه بفجرٍ جديد.
 ربما كان يريد أن يثبت لنفسه قبل الآخرين أن عهد زين العابدين بن علي، قد ولَّى إلى غير رجعة، وأن أيام الخوف قد انقضت بلا عودة، وأن ساعة الحساب قد أزفت. كلمات بسيطة ناجى بها نفسه قبل شعبه، لكن وقعها على مسامعهم كان أروع من سيمفونيات “بيتهوفن” و “باخ”، وأرقَّ من كلمات شاعرهم المجيد أبو القاسم الشابي الذي كان أكثر يقيناً بأن “إذا الشعب يوما أراد الحياة… فلا بد أن يستجيب القدر”.
 هكذا كانت البداية
 لعل من المفارقات أن تندلع شرارة الثورة من ضاحية سيدي بو زيد الفقيرة التي استمرأ ساسة تونس إهمالها، ودرجوا على تهميشها، ولم يكترثوا لما يعيشه أهلها من بؤس وشقاء، وربما لم تخطر بأذهانهم، أن يكون مشعلها هو ذلك الشاب الجامعي محمد البوعزيزي الذي سُدَّت في وجهه أبواب العمل، وحُجبت عن ناظريه الوظائف التي ذهبت إلى أقارب أقطاب النظام وأهل الواسطة، فلجأ إلى عربة يدوية بسيطة يبيع عليها الخضروات والفاكهة، متنقلاً بها بين الأزقة والحواري. يدفعها أمامه وكأنه يدفع واقعاً مريراً وحيفاً حاق به. يبثها همومه ويشكو إليها قلة الحيلة وظلماً أشد على النفس من وقع الحسام المهنَّد.
 ولكن لأن الظالم لا حدود لظلمه، ولا سقف لعدوانه، فقد استكثروا عليه نشاطه المضني ودراهمه المعدودة التي يسد بها رمق العيش، ويطبب بها والدته المريضة ويطعم إخوته الجياع، فمنعوه من العمل بحجة عدم حصوله على تصديق السلطات، وصادروا عربته المهترئة، وأتلفوا بضاعته التي كانت رغم زهدها تعني له الكثير. حتى عندما أراد أن يسترحم مسؤولي البلدية ويستدر عطفهم منعوه من مقابلتهم وزجروه، وتطاولت عليه إحدى الموظفات فضربته وبصقت على وجهه. فأي طغيان هذا وأي ظلم؟ وأي تكبر وجبروت؟
 كان هذا الفعل المتعدي من تلك المرأة المتجاوزة كافياً لإثارة الحسرة المتدثرة بالعزة والكرامة في نفس ذلك الشاب العربي، وجعله يعلم علم اليقين أنهم حكموا عليه بالموت جوعاً، وعلى أسرته بالهلاك مسغبة، فأقدم في لحظة يأسٍ طاغٍ على إضرام النار في جسده النحيل المنهك الذي أعيته قلة الحيلة، وأنهكته كثرة التجوال، وكأنه يريد أن يقول لهم “سأموت بيدي لا بأيديكم”.
 كانت النار التي التهمت ذلك الجسد كافية لإنارة طريق الثورة أمام أبناء تلك الضاحية التي تقبع في ردهات النسيان، فساروا عليه غير مكترثين بنهايته، ولا مبالين بعواقبه، وهل هناك عاقبة أسوأ من الظلم أو أشدّ وقعاً على النفوس الحرَّة من الذل؟
 التونسيون ينتفضون
 تناهت إلى مسامع جميع التونسيين قصة البوعزيزي فتنادوا زرافات ووحدانا إلى الثورة والتظاهر، وخرجوا إلى الشوارع محتجين على واقعهم المرير، ومتعاطفين مع ذلك الشاب الذي كان واقعه مشابهاً للكثيرين منهم، وإن اختلفوا معه في بعض التفاصيل أو أحجموا عن القيام بما قام به، تمسكاً ببقية من أمل وإن كان واهناً خابيا.
 لم يكترث الساسة في البداية لأمر الثائرين، وعدَّوهم مجرد حفنة من البسطاء الحانقين الذين لن يقووا على الاستمرار في احتجاجاتهم، وأنهم سرعان ما يعودون إلى منازلهم بعد أن يخرجوا بعض الهواء الساخن من صدورهم، فكان رهانهم على عامل الزمن خاسراً هذه المرة، لأنهم ما دروا أن معظم النار من مستصغر الشرر، وأن الثورات في بداياتها دائماً ما يفجرها البسطاء قبل أن تتخطفها أيدي النخبة.
 لا تراجع
 بعد أن استشرت حركة الاحتجاجات وانتشرت كما النار في الهشيم، سعت السلطات إلى محاولة إيقافها، ولجأت كعادة كل الأنظمة القاهرة لشعوبها إلى ردع المحتجين وقمعهم، فصوَّبت فوهات بنادقها إلى صدورهم، ظناً منها أنهم سيتراجعون، لكن النار لا تطفئها النار، ومن أفقده حكامه الإحساس بكرامته لن يعبأ بما يبذله في سبيل استعادتها.
لم يبال الغاضبون بسقوط أكثر من 200 شهيد، واستمروا على نهجهم، وزاد إصرارهم، فكانوا كأنهم يدفعون مهر حريتهم، ويسددون ثمن مستقبل أبنائهم وإخوانهم، وهم على ثقة أن شمس الحرية ستشرق لا ريب، وأن فجر الخلاص قد دنا واقترب. كانوا كأنهم يصغون إلى هاتف داخلي يطالبهم بالصمود، فاستمروا يراقبون خروج الوردة من كمها، ويضعون اللمسات الأخيرة على لحن النصر العظيم.
 بن علي يرتبك
 حاول بن علي تلطيف الموقف، فزار البوعزيزي في المستشفى قبل أن تصعد روحه إلى بارئها لاحقا، وأحضر معه جميع وسائل الإعلام، لتنقل الحدث الذي كان الرئيس يظن أنه سيحتوي غضب الشارع، وعندما يئس النظام من احتواء الموقف، خرج الرئيس مرة أخرى إلى الشعب الغاضب، وأراد أن يجرب أسلوباً آخر، فلجأ إلى أسلوب الوعد بالتغيير والإصلاح، ونسي أن الشعب قد ملّ الوعود، فقال الكلمة الشهيرة التي أصبحت أيقونة ثورة الياسمين “لقد فهمتكم.. لقد فهمتكم”. كلمات ألقاها على الجموع الحاشدة المترقبة التي لا تنتظر شيئاً سوى التغيير، ولا تريد سوى وضع نقطة في آخر السطر والبداية من جديد. وما درى الرئيس أنه كان كمثل التلميذ الذي فهم الدرس واستوعبه بعد انقضاء وقت الامتحان، فما أسعفه الفهم، وما نفعه الاعتذار.
 أراد “الزين” التملص من كل أخطاء النظام، وألقى باللوم على حاشيته وبطانته، وحمَّلهم وزر إخفاقاته، لكن كل ذلك لم يشفع له عند من يئسوا من صلاح حاله، وقنطوا من إمكانية تقويمه، وإن كانت ثقتهم في رحمة الله قوية لم تتزعزع، وراسخة لم تهتز.
كره الشعب ذلك النظام الذي سلم البلاد لقمة سائغة لزوجة الرئيس وأسرتها وأهل حظوتها، فأحالوه إلى مزرعة خاصة بهم، يتصرفون بها كيفما شاءوا، وأنَّى أرادوا، فعاث المحظيون فساداً في البلاد، واستأثروا بخيراتها وحصروا الثروة في أيادي قلَّة تنعَّمت بها، وأسبغت على الشعب رداء الفقر والعوز والحاجة.
 هروب الرئيس
 تكرر مشهد خروج بن علي إلى الجماهير الغاضبة عبر خطابات عدة مرات، وفي كل مرة كان “الزين” يحاول استمالة الشعب، لكنه لم يجد زينة يخرج بها على قومه، فقد جرّدوه في أذهانهم من كل لقب رئاسي، ورسخت صورته الحقيقية في أذهانهم، ضعيفاً لا يقدر على ردع الظالمين والمعتدين باسمه، وإن كان في الظاهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد.
” سيدي الرئيس، لم أعد منذ اليوم قادراً على ضمان أمنكم في هذه البلاد “، كلمات معدودات، لكنها واضحة حاسمة، واجهه بها رئيس جهاز أمنه الشخصي، فسارع – خائفاً يترقب – يجر وراءه عائلته إلى طائرته التي كانت قد أدارت محركاتها مسبقاً، وغادرت به من البلاد.
 الشعب ينتصر
 انتصر الشعب! وارتفع صوت الحق! وبزغت شمس الحرية! وعادت الخضرة إلى أشجار البلاد وحدائقها التي فقدت أبرز صفاتها بفعل الأيام السوداء والليالي الشاحبة.
رقصت أزهار تونس في أشجارها، وتمايلت سنابلها في خيلاء، وشدا كروانها بأروع الألحان، فردَّدت صدى ألحانه العذبة كل العصافير. تناقلت وكالات الأنباء العالمية قصة ذلك الشعب الذي فاجأ الدنيا بأكملها بثورته السلمية المجيدة، وتغزلت بقية الشعوب التي تنشد الحرية من أنظمتها القمعية في ما أنجزه إخوان البوعزيزي وأبناء “المنوبية”، فصاروا مصدر إلهام لغيرهم، ومثلاً تأسى به الثوار.
 هرمنا.. كلمة للتاريخ
 “لقد هرمنا في انتظار هذه اللحظة التاريخية.. فرصتكم أيها الشباب التونسي تستطيعون أن تقدموا إلى تونس ما لم نقدم لها نحن”. قالها المواطن التونسي أحمد الحفناوي في لقاء تلفزيزني عابر في الشارع، فتلقفها كتاب التاريخ، وسطّرها بين دفتيه بأحرف من نور. كيف لا والحكمة تخرج من أفواه البسطاء؟ كان صاحب تلك الكلمات لم يزل في السادسة والأربعين من عمره، ومع ذلك فقد اشتعل رأسه شيباً حتى لم يعد فيه شعرة سوداء بفعل الهموم التي حاصرته، والمخاوف التي سدَّت كل الآفاق ووأدت جميع الأحلام. كان كأنما يريد أن يتأكد من بزوغ فجر جديد في بلاده، وأن عهد زين العابدين قد انتهى. فخرج إلى الشارع يبشِّر شعبه ويستنهض هممه نحو غدٍ آتٍ، لا بد أنه سيكون أكثر رفاهاً وأسعد مآلا.
اختزل الرجل، الذي لقب في ما بعد بحكيم تونس في جملة بسيطة وصادقة، مشاعر الملايين من أبناء شعبه، ممزوجة بشحنة عاطفية قوية رافقت حركة يده وهو يمررها على رأسه الأبيض بياض الثلج، وهو بالكاد يحاول حبس دموعه.
 العودة لسيدي بوزيد
 في السابع عشر من الشهر الماضي احتفل التونسيون بالذكرى الأولى لاندلاع شرارة الثورة، وكان طبيعياً أن يكون الاحتفال في مهد الثورة ومنشئها، سيدي بو زيد، التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، وأقيم بهذه المناسبة مهرجان حضره كل قادة العمل السياسي والدبلوماسي، تقدمهم الرئيس المنصف المرزوقي الذي خاطب أهل الضاحية بقوله “أتيت اليوم لأقول لكم شكراً، لأن هذه الأرض والمناطق المجاورة عانت لعقود طويلة من الاحتقار، لكنها أرجعت الكرامة لتونس ولشعبها. شكراً لأنكم كنتم الشرارة التي أشعلت الثورة وتخطَّت الحدود”، ووعد أهلها بالقول “هذا شكر معنوي، لكن علينا أيضاً إعادة الاعتبار لهذه المنطقة المهمَّشة، ودرونا كمؤسسات إعادة فرحة الحياة التي سرقها الطغاة، فنحن نريد أن تلحقوا بركب المناطق الأخرى ونسعى للنهوض وتحسين البنية التحتية. سنحقِّق ذلك بإذن الله وسنلتقي هنا بعد عام لتقيّموا وعودنا وأعمالنا”.
 “منوبية” نجمة الربيع
 وكانت نجمة الاحتفال الأولى هي والدة البوعزيزي “منوبية” التي ألقت التحية على الحاضرين الذين تجمَّعوا على طول الشارع الرئيس بالبلدة والذي حمل اسم ابنها الراحل، وقد بدا عليها التأثر، وقالت “هذه مناسبة لنشكر كل شهداء تونس وجرحاها الذين قدموا صدورهم عارية أمام رجال الأمن من أجل حياة كريمة” وأضافت “كل تونسي من شمال البلاد إلى جنوبها هو محمد البوعزيزي”.
 الذكرى الأولى للثورة
 واليوم تحتفل تونس بالذكرى الأولى لانتصار الثورة المجيدة، إلا أن عدد الضحايا الذين سقطوا جراءها، يجعل كثيراً من التونسيين غير مستعدين نفسياً للاحتفال بشكلٍ حقيقي، وغير قادرين على الاستمتاع بأحاسيس الفرح بالذكرى الأولى لإسقاط النظام السابق، ويقول الرئيس منصف المرزوقي “سنعيش هذا اليوم في حالة من السعادة والألم”.
 لكن عزاء التونسيين أن طريق الثورة يكون معبداً بجماجم الشهداء، وأن شجرة النصر لا بد أن تسقى بدماء الأنقياء، وصدق قيثارة تونس، أبو القاسم الشابي الذي قال:
 لا ينهض الشعب إلا حين يدفعه
عزم الحياة إذا ما استيقظت فيه
 والحب يخترق الغبراء مندفعًا
 إلى السماء إذا هبت تناديه
 والقيد يألفه الأموات ما لبثوا
 أما الحياة فيبليها وتبليه

-- الوطن أونلاين:نزار عبدالباقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*