الجمعة , 9 ديسمبر 2016

تقسيم العراق

كان الحديث عنه بالهمس الخافت الذي يحس المرء بمجرد ذكره أنه قد أُقترف إثما أو أمرا معيبا يحتاج معه أن يذهب إلى للوضوء للتطهر… كان أمرا محصورا خلف الكواليس أو في الأقبية المظلمة، لكنه أصبح اليوم موضوعا على الطاولة وحلا سائغاً بل ومحبذاً لدى الكثير من الساسة، والأدهى من ذلك لدى شريحة لا يستهان بها من المجتمع العراقي.

… تحول الهمس ضجيجا يصم الأسماع ويزعج الأبدان ويؤرق الضمائر…

هذا الذي كان العراقيون يعدونه “الطامة الكبرى” وأقسى “فصول المؤامرة” ضد وطنهم، أصبح اليوم في نظر البعض “وصفة الخلاص” و”خشبة الإنقاذ” من علل نظامنا السياسي وإنقسامنا الإجتماعي…!!!

إنه “التقسيم…” (ولا زال القلم يرتعش في يدي وأنا أسطر هذه الكلمة)…!! وتحويل العراق إلى مزق وأشلاء ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو زد على ذلك…

النخبة السياسية (إن جاز لنا أن نطلق عليها وصف النخبة) باتت تتحدث عن ذلك بصراحة وجدية في غرفها الخاصة… وصار التقسيم يَطِلُ علينا برأسه الذي يشبه رؤوس الشياطين، ولم يعد الأمر مجرد تصريح من سيناتور أميركي… أو تقرير صادر عن مركز دراسات…أو مجرد مقالة في صحيفة غربية… وبتنا على قناعة تامة بأن الكثير من ساسة عراق اليوم وبعض النظر على المفردات والعناوين التي نسمعها منهم كل صباح ومساء صاروا يبنون حساباتهم ويوجهون بوصلتهم وفق مشروع التقسيم الذي يرونه قادما لا محالة، ويؤمنون بأنه صار بمثابة القدر الذي لا فكاك منه، وعند هؤلاء فإن كل التطورات والأحداث السياسية التي تجري على الساحة مرتبطة بهذا الخيار والقرار الاستراتيجي وهي تمهيد له بصيغة أو بأخرى.

صار العراق بالنسبة لهؤلاء الساسة “ميراثا كريها” و”عبئا ثقيلا” يريد الجميع التبرؤ منه والقائه عن كاهله، وبدا المشهد وكأن أطراف البيت العراقي ضاقوا ذرعا ببعضهم البعض وقرروا فض الشراكة فيما بينهم.

وعلى الرغم من الحديث المتكرر والممل عن الوطنية و”المشروع الوطني” فإن أصحاب الوعي وممن يحسنون قراءة المشهد وتجلياته يدركون أن ذلك لا يعدو إلا ذرا للرماد في العيون، وهو كغثاء السيل، وأن الحسابات الحقيقية للقوى السياسية باتت تدور في فلك مختلف تماما…!!!

هنالك اليوم الكثير من “الحالمين” و”الواهمين” في فناء السياسة العراقية ممن يصح فيهم الوصف القرآني “لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون”…!!! أولئك الذين يحلمون بدول جديدة تخرج من حطام العراق الموحد وتنبعث من بين اشلائه الممزقة… دول يتوهمون بأنها ستكون قوية ومنسجمة مع ذاتها ومع محيطها.

هؤلاء الحالمون على ثلاثة أصناف (بقدر كانتونات العراق المفترضة..)..

فريق يحلم بدولة رخاء تستأثر بعائدات النفط وتطل على الخليج، تحفظ خصوصية أهلها العقيدية والثقافية، وتعوضهم قرونا من “المظلومية” و”المحرومية”…!!!؟

وفريق يحلم بدولة تعيد أيام العز والسلطة الخوالي لأصحابها وترتبط بمحيطها العربي خصوصا بعد أن ينتهي الإعصار السوري وتتضح نتائجه…

أما الفريق الثالث فيرى في الوضع الحالي “فرصة العمر” لإقامة دولته حيث “لكل أعراق الأرض كيانات ودول إلا (نحن)”…!!! وهذا الفريق يتبع استراتيجية “بركة يا جامع” بقصتها المعروفة.

فالحلم الذي عاشوا عليه دهورا سيتحقق بفعل إنقسامات الغير وصراعاته، وعندها لن يلومهم أو يضغط عليهم أحد.

هؤلاء الحالمون… والواهمون… لن يطول بهم الزمن حتى يدركوا بأن أحلامهم لم تكن من صنع الرحمن بل هي من وسوسات الشيطان…وعندما يفيقوا من تلك الأحلام وتحل الكارثة سيكتشفون فداحة الخطأ في حساباتهم وحجم المصيبة التي ألحقوها بوطنهم وذلك عندما تبدأ مرحلة “تقسيم المقسم… وتهشيم المهشم” وحين يستمر التشظي السرطاني، وكما يفعل السرطان بخلايا الأعضاء التي يصيبها… عندها “ستكر السبحة” كما يقولون ويتواصل مسلسل الإنقسام ليتفاجأ هؤلاء الحالمون بأن كانتوناتهم الموعودة أنجبت كانتونات جديدة وفرخت كيانات… فمسلسل الإنقسام عندما تبتلى به أمة من الأمم فإنه لا يعرف حدودا أو نهاية يتوقف عندها…

الكانتون الكردي ستضربه التناقضات الإجتماعية والثقافية ما بين “سوران” و”بهدينان” تلك التناقضات نفسها التي أفرزت الإدارتين الكرديتين في أربيل والسليمانية، وقد تفرز المزيد…

محافظات النفط في الجنوب ستحاول أن تنأى بثرواتها عن مشاركة غيرها وستبرز تقسيمات أو أوصاف ما سمعنا بها من أبائنا الأولين….

أما الكانتون الثالث فحدث عن البحر ولا حرج، إذ أن التشرذم داء مستوطن فيه، ولا يحتاج المرء إلى كبير عناء ليجد عناوينا للإنقسام والصراعات، حيث عدد ” المتزعمين” و”الرؤوس” تفوق ماهو موجود في مزرعة للبصل…

ما جذور هذا الذي يحدث في بلادنا…؟؟ ولماذا تهاوت كل “المحرمات” وسقطت كل “التابوهات” والخطوط الحمر بهذا الشكل..؟؟

بلا شك أنه سقوط مدوي للتجربة السياسية الراهنة… بثقافتها… وإطاراتها… ورجالاتها…

إننا نقف اليوم أمام لحظة فشل لا مراء فيها لما يطلق عليه العملية السياسية التي أنتجت مجتمعا منقسما وكيانا مهددا بتقطيع الأوصال.

إنه “حصاد مر” لسنوات من التأجيج والتثقيف الطائفي والعرقي الذي صب في وجدان العراقيين وحرف وعيهم وهز وطنيتهم وإنتمائهم حتى صارت المناداة بالوطنية الحقيقية تغريدا خارج السرب على الرغم من “العشق المتصنع” و”الغزل الزائف” بالعراق والوطنية العراقية الذي نسمعه ونشاهده من ساسة العراق كل ساعة والذي لا يعدو أن يكون من قبيل “كلام الليل يمحوه النهار…!!”

المستغرب أن صحفا غربية وعربية تتحدث عن الكيان العراقي وكأنه كومة من الزجاج تم تلزيقها بقرار دولي… وإن هذا العراق الذي عمره ستة ألاف عام من الحضارة والعطاء ما هو إلا كيان مصطنع…!!!

وكأن مصطلح “بلاد ما بين الرافدين” أو ” ميسوبوتاميا” ظهر بالأمس أو منذ بضع سنين وليس قديما قدم التأريخ ليسود بعد ذلك المصطلح العربي لهذه الأرض… “العراق”.

وإذا جاز لنا أن نطرح تساؤلا عن حقيقة مصطلح الكيان العراقي ومصداقيته وشرعيته وجذور هذا المصطلح فإن كل كيانات الأرض الحالية جديرة بطرح الأسئلة حولها… وإن كان هناك من مفارقة متعلقة بالطريقة القانونية التي ولد بها العراق الحديث فإن مجمل دول العالم المستقلة والمعروفة اليوم شهدت النور وبرزت إلى الوجود بمثل هذه الطريقة…

وإذا كان هناك اليوم في العالم “دولة واحدة” يمكن وصفها بأنها “كيان تأريخي” فإن العراق المعاصر هو الأجدر بحمل هذا الوصف…

ولذا يبدو طرح الأسئلة وإثارة الشكوك عن الكيان العراقي الحديث ليس إلا “نكتة سخيفة” يمتزج فيها الخبث بالجهالة… أما الانقسام والصراع في مجتمعنا فواقع لا ننكره، ويبدو أنه أحد الحقائق الكبرى اللصيقة بهذه الأرض منذ خلقها الله، ولقد تحدثت عن ذلك بإسهاب في مقالتي السابقة التي عنونتها بــ”مدن بابل عندما تقرر الإنتحار…” وأكرر اليوم أن إمتحان أية زعامة في العراق ومعيار كفائتها إنما يكمن في قدرتها على إحتواء هذه التناقضات الكثيرة التي يمكن أن تتحول إلى مصدر إغناء وإثراء للواقع العراقي لا محاولة شطبها أو إلغائها.

هل يتحول العراق “صومالا مصغرا”… أو لنقل “صومالا مكبراً” تأتي فيه الصراعات والأحقاد على كل شيء… وينفجر زلزال الإنقسامات ليحيل الأرض قاعا صفصفا…

بالتأكيد أن مخاض التقسيم لن يكون سلميا في بلدنا وسيخلف مخاضا دمويا، وسنجد أنهار الدم تنفجر فيه حيث نزاعات الحدود والأراضي والمياه ومصادر النفط، وحيث يذر الشيطان قرنه بين أبناء الوطن الواحد وتنضج الدول الإقليمية “شوائها” في حريق العراق…!!!

إن الأمر ليس كابوسا مزعجا بل هو أعظم بكثير من كارثة وطنية والعبارات الملطفة والمتفائلة التي يطلقها السياسيون لا مكان لها هنا على الإطلاق.

يا “حسرة على العباد” كما ينطق القرآن…

بل يا “حسرة على العراق” ذلك الوطن… الحلم… القضية… الذي وهبه الله كل أسباب الثراء الحضاري والمعنوي التي كان بإمكانها أن تجعل مواطنيه… أسعد مواطني العالم…

هل نكتفي بإطلاق الحسرات… والأهات… ونقف موقف المتفرج ونسمح بإنزلاق وطننا نحو الهاوية السحيقة…؟؟

بالتأكيد… ليس هذا ما نريده من الوطنيين العراقيين الذين تتطلب منهم الظروف الحالية أعلى قدر من التحلي بالمسؤولية، وخصوصا أولئك الذين هم في موقع السلطة وإتخاذ القرار…

الوقت لم ينفذ بعد رغم خطورة الحالة وجسامة الموقف، ولا يزال بالإمكان عمل الكثير لإيقاف هذا التداعي قبل أن يفوت الأوان… وعندها لات ساعة ندم…

ألا هل بلغت… اللهم فأشهد…!!!

-- علي بابان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*