السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إغلاق مضيق هرمز والحرب النفسية

إغلاق مضيق هرمز والحرب النفسية

 منذ أواخر الشهر الماضي وإيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز في حال الحظر الأوربي على صادراتها النفطية، ولفتت أنظار العالم متباهية بمناورات لطالما كررتها لكي تظهر قدرتها على إغلاق المضيق. فهل يمكن تصور إغلاق الممر المائي الذي يعتبر

الشريان الرئيسي لتدفق النفط إلى الأسواق العالمية؟

ورغم أن إيران تدعي أن مضيق هرمز إيراني يقع ضمن مياهها الإقليمية وسيادتها، إلا أن الرأي العام العالمي يعتبر أية محاولة لعرقلة أو وقف الملاحة البحرية فيه هي انتهاك للقانون الدولي، لذا يرى الأمريكان أن إغلاقه عبر زرع الألغام فيه كما تتوعد إيران، هو شكل من أشكال الإرهاب (لوس أنجلوس تايمز). قانونياً، أوضحت الاتفاقية الدولية لقانون البحار عام 1982 أن جميع السفن العابرة للمضايق الدولية سواء مدنية أو عسكرية لها حق المرور العابر دون تمييز أو عراقيل. إلا أن الاتفاقية أعطت الدول المطلة على المضيق (عمان وإيران) بعض الحقوق المتعلقة بتنظيم المرور العابر خلال المضيق، وبما يضمن المحافظة على سلامتها وأمنها الإقليمي. وهنا تدخل السياسة في تفسير القوانين!

في كل الأحوال فإن مغامرة الإغلاق ستثير سخط المجتمع الدولي لأن اقتصاديات دول العالم ستتضرر بشدة إذا توقفت واردات النفط عبر الخليج العربي. لذا، يرى أغلب المحللين أن هذا الأسلوب هدفه التخويف وليس التنفيذ، ومن ثم فهو تعبير عن حالة إحباط بسبب التأثير الواضح للعقوبات الاقتصادية على إيران، إلا أنه يظل تصعيداً خطيراً (صحيفة الإندبندنت). ورغم خواء هذا التهديد، فإن العقيدة العسكرية الأمريكية تؤمن بمقولة «لا يوجد عدو تافه»، فقد وعدت واشنطن بالإبقاء على سفنها الحربية في الخليج على أهبة الاستعداد للرد الحاسم والسريع لو نفذ التهديد.

ماذا ستستفيد إيران من هذا التهديد بإغلاق ممر يعبر منه حوالي 35% من النفط العالمي، وتحصل منه إيران نفسها على حوالي نصف إيرادات ميزانيتها من صادرات النفط؟ هناك هدفان: اقتصادي وسياسي. اقتصادياً تتصور إيران أن الوضع الاقتصادي المتردي في أوروبا قد يجعل الأوربيين يختلفون مع السياسة الأمريكية في فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية. أما سياسياً، فيعتقد الكثير من المحللين أنها محاولة من النظام الإيراني لإلهاء الناخبين الإيرانيين عن المشاكل الداخلية المتزايدة قبل الانتخابات التشريعية التي ستجرى في مارس. كما تشير رويترز إلى أنه ينظر إلى المؤسسة الإيرانية الحاكمة على نطاق واسع على أنها تعاني انقسامات عميقة إذ تتطلع بعض العناصر – خاصة الحرس الثوري المتشدد والمسلح جيداً – إلى المواجهة أكثر من غيرها.

لكن هل إيران قادرة عسكرياً على إغلاق المضيق؟ يقول جون روزاموند رئيس القسم البحري في «آي.إتش.إس» جينز «كل ما على الإيرانيين أن يفعلوه هو أن يقولوا إنهم لغموا المضيق وسيتوقف عبور كافة الناقلات فورا». كذلك تشير رويترز إلى أنه إذا نفذ حكام إيران تهديداتهم بإغلاق مضيق هرمز فمن شبه المؤكد أن يحققوا هدفهم في غضون ساعات لكنهم قد يكتشفون أيضاً أنهم أشعلوا صراعاً إقليمياً عقابياً قد يكونون فيه الخاسر الرئيسي.

وإذا كان المراقبون يجمعون على قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز إلا أنهم يؤكدون أنها لن تستطيع ذلك لفترة طويلة، في حين أكد دبلوماسيون ومصادر صناعة النفط لوكالة رويترز أن الدول الغربية أعدت الأسبوع الماضي خطة طوارئ لاستخدام كمية كبيرة من مخزونات الطوارئ للتعويض تقريباً عن كل نفط الخليج الذي سيفقد إذا أغلقت إيران مضيق هرمز. عموماً، لو وقع أسوأ الاحتمالات بإغلاق المضيق، فكما كتب كون كوفلين في صحيفة ديلي تلجراف: أن الإيرانيين يدركون جيداً أنه مهما كانت قوتهم فلا يمكن أن تضاهي القوة الأمريكية، وأن حاملة طائرات أمريكية توازي كامل القوة الجوية الإيرانية.

ورغم أن التهديد الإيراني هو تحذير غير مقبول دولياً، إلا أنه في لعبة السياسة والسوق الاقتصادي يمكن أن يكون له تأثير نفسي مربك، أو خلق حالة ذهنية تتخوف من إمكانية صدق هذه التهديدات التي أوصلت الأمور إلى حافة الهاوية. ومما يزيد تأثير هذا الإرباك هو تردي الأوضاع الاقتصادية في أوروبا مما يجعل أصحاب القرار الأوربيين يترددون في مجاراة الأمريكان في فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران، فأوضاعهم الاقتصادية حرجة، ومن يكن في وضع حرج يرتبك في اتخاذ القرار.

تأزيم العلاقة مع الآخرين هي لعبة سياسية نفسية تمارسها الدكتاتوريات التي تعيش أزمات داخلية خانقة. أوضح مثال كاريكاتيري مضحك مبكي، ما قامت به الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين قبل نحو ثلاثين عاما حين كانت المظاهرات بجماهير غفيرة تجوب الشوارع مطالبة الجنرال جالتيرى بالتنحي عن السلطة، فقام الأخير بإصدار أوامره بغزو مباغت على جزر الفوكلاند المتنازع عليها مع بريطانيا، وهزَّ المشاعر الوطنية معلناً أن الأرجنتين لا تقبل أن يكون جزءاً من أرضها محتلاً، فما أن سمع المتظاهرون ذلك حتى تحولت المظاهرات إلى تأييد حماسي عارم للحكومة، وأسقط المتظاهرون لافتات التنديد ورفعوا لافتات التأييد، وحتى الأحزاب السياسية المعارضة ومن بينها الأشد خصومة مع حكومة العسكر، قامت مضطرة أو راغبة بنفس التأييد.

المفارقات المضحكة المبكية للعبة السياسية يتمثل أيضاً بما كشفت عنه صحيفة تركية عن إجراء لقاءات سرية بين وفدين إيراني وأميركي على الأراضي التركية لبحث سبل إقامة علاقات بين إيران والولايات المتحدة. وذكرت صحيفة «آيدين ليق»: أن مجموعة من الدبلوماسيين المتقاعدين والخبراء الإيرانيين اجتمعوا في الشهر الماضي باسطنبول مع وفد أميركي حيث تم الحديث حول سبل تحسين العلاقات الدبلوماسية بين إيران وأميركا». ولنا أن نتصور تحسين العلاقات في هذا الجو المحتقن بنذر الحرب!

تظل الحرب الباردة عنواناً للعلاقات الأمريكية الإيرانية، فيما يظل التهديد بإغلاق مضيق هرمز عنواناً فرعياً للعبة نفسية، أما المواجهة العسكرية فلا يبدو أنها تلوح في هذه المرحلة طالما أن إيران ليست على مسافة قريبة جداً من تصنيع قنبلتها النووية الأولى، حسبما تشير التقديرات. ما الذي سيحصل: تأزيم، تحسين، مواجهة؟ من يدري، لا توجد في السياسة عداوات دائمة ولا صداقات دائمة ولكن توجد مصالح دائمة خاصة لدى الأمريكان المفرِطون في براجماتيتهم!

alhebib@yahoo.com

-- صحيفة الجزيرة:د.عبد الرحمن الحبيب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*