الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحكومة المغربية الجديدة وتحديث المجتمع لكي يصنع حداثته

الحكومة المغربية الجديدة وتحديث المجتمع لكي يصنع حداثته

مجرد دعوة حزب العدالة والتنمية الى نهج تشاركي أو تشاوري وتطبيقه سواء مع القصر الملكي أو مع اﻷحزاب المشاركة له في الحكومة أو مع مؤسسات المجتمع المدني، يجعل الحزب أكثر نضجا سياسيا وتماشيا مع العصر من غيره من اﻷحزاب.

 
حكومة مسلمة تحديثية، لا هي ملتحية ولا إسلامية

تشكلت الحكومة المغربية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، الذي يتخذ من الشريعة اﻹسلامية مرجعا موجها له، من أربعة أحزاب تجمع بين أقصى ما يسمى اليمين وأقصى ما يسمى باليسار. وهي حكومة وحدة وطنية، وبشر بإحداثها حزب العدالة والتنمية وفق مفهوم الكتلة الوطنية التاريخية، وهو مفهوم تجاوز في سعته مفهوم أنطونيو جرا مشي الذي قصره على ما أسماه بالمثقفين العضويين.
وذلك قبل أن تظهر نتيجة اﻻنتخابات ويتضح أن الحزب تبوأ المركز اﻷول فيها، وحصل على ربع مقاعد البرلمان. كما حدد الحزب مهمة هذه الكتلة التاريخية في تحديث البنيات السياسية واﻻقتصادية واﻻجتماعية والثقافة للمجتمع المغربي، لكي يصنع المجتمع حداثته.واعتبر أن جمع كافة التيارات الفكرية في الحكومة ﻻ يؤثر على وحدتها وانسجامها طالما اعتمدت برنامجا حكوميا والتزمت كافة مكوناتها بتنفيذه.
أي أن تجتمع تلك المكونات على كلمة سواء جامعة، فيما هي متفقة عليه وتترك ما هي مختلفة عليه جانبا. واعتبر هذا سبيل أيضا للتقريب في وجهات النظر بين تلك المكونات طالما ﻻ يوجد خلاف بينها حول مبدأ التحديث.
وهذا المبدأ الذي التزم به الحزب يجعل من الحزب في حقيقة اﻷمر حزبا حداثيا وتقدميا، وإن اتبع وسائل تعتبر إصلاحية وليست ثورية، اﻻ أنها تستهدف تحقيق أهداف ثورية في نهاية المطاف.

مناهضو الحكومة اعتبروها حكومة أسلامية رغم أن حزب العدالة والتنمية لم يحصل فيها على أكثر من ثلث المقاعد الوزارية، والوزارات ذات اﻷهمية البالغة حصلت عليها اﻷحزاب اﻷخرى أو شخصيات مستقلة كان للقصر الملكي دورا في اختيارها.

وحزب العدالة والتنمية ﻻ يعتبر نفسه حزبا إسلاميا لمجرد أنه يتخذ من الشريعة اﻹسلامية مرجعا وموجها له، ﻷن ما يتوصل إليه في تطبيق مبادئ الشريعة هو اجتهاد وفق فهمه البشري لها، وﻻ يمكن اعتباره هو اﻹسلام ذاته كي يكون حزبا إسلاميا، ولكن بسبب شيوع الوصف فقد استعمله أيضا المتعاطفون مع الحزب.

وأكد الحزب منذ اللحظة اﻷولى لتكليفه بتشكيل الحكومة أن أولوياته هي تحسين وضعية اﻻقتصاد بما يضمن تحسين مستوى معيشة اﻷسر واﻷفراد والفضاء على الفقر وتحقيق العدالة اﻻجتماعية بقدر اﻹمكان مع ضمان الحريات الفردية وعدم المساس بها، وهو يعتبر إن تحقيق ذلك هو تحقيق مقاصد الشريعة اﻹسلامية التي حددها اﻷصوليون في: حفظ النفس والدين والعقل والمال والنسل. وأن ماعدا ذلك يعد قضايا ثانوية ﻻ تستوجب اﻻنشغال بها حاليا.وهو يعتبر أنه بعد حل تلك المشكلات الحالية فإن اﻻلتزام بكافة أحكام الشريعة اﻹسلامية قد يحدث من تلقاء نفسه دون تدخل من السلطات الحكومية.

على الرغم من ذلك وجدنا من المتعاطفين مع الحزب يجارون غيرهم ويكتبون مقاﻻت عن تلك الحكومة يصفونها بأنها حكومة ملتحية، رغم أن اﻷغلبية العظمي من المنتسبين لحزب العدالة والتنمية وأكثرهم من الشباب غير ملتحين. والقيادات التي تركت منابت شعر اللحية في وجوههم، ﻻ يتجاوز طول هذا الشعر بضعة ملليمترات، بما فيهم رئيس الحكومة ووزراء حزبه فيها. ولكن اﻷهم من هذا هو أن يبرر حزب ما عداءه لحزب العدالة والتنمية وعدم استعداده للمشاركة في الحكومة بأنه حزب حداثي وله مشروع مجتمعي حداثي يختلف عن مشروع حزب العدالة والتنمية. وبينما صار الجميع يعرف مشروع العدالة والتنمية الخاص بتحديث كافة البنيات المجتمعية فإن أحدا لم يعرف حتى اﻻن ما هو ذلك المشروع الحداثي لهذا الحزب أو غيره ممن يصفون أنفسهم بالحداثيين.

وفي برنامج تلفزي وصف أحد المتدخلين نفسه بأنه حداثي ولم يجد ما ينتقد فيه الحكومة سوى أنها ﻻ تتوفي على غير امرأة واحدة مما يعد تراجعا عن مكتسبات المرأة والحداثة فاختزل بذلك فهمه للحداثة في تيار النسوانية.
ولم يخبرنا هذا الحداثي ماذا تحقق لصالح المرأة في وزارات سابقة ضمت أكثر من امرأة وزيرة؟ وما هو اﻷهم من أن تخلوا الحكومة من النساء وتعمل في نفس الوقت لصالحهن أو تمتلئ بهن وﻻ يحققن شيئا لصالح المرأة المغربية؟
 وهل معالجة زيادة معدﻻت الطلاق والتفكك اﻷسري والعنف ضد النساء واﻷمهات العازبات اللائي أنجبن خارج الزواج والفتيات العانسات اللائي اضطررن أن يلبين حاجاتهن البيولوجية دون زواج لم يتح لهن، وزيادة نسبة من يتم استغلالهن في البغاء من النساء…الخ، هل معالجة كل ذلك الذي يحط من شأن المرأة وكرامتها وصورتها في المجتمع هو اﻷهم،أم يكفي لنكون حداثيين أن يكون لدينا عددا أكبر من النساء في الحكومة وتبقى كل تلك الموبقات على حالها.

وتحت ضغط وتأثير النسوانيين في قيادة حزب التقدم واﻻشتراكية المغربي/الشيوعي سابقا والمشارك في الحكومة، اعتبر الحزب أن الحكومة الحالية يعاني تشكيلها خللا يحتاج إلى التدارك لنقص عدد النساء فيها، وأصدر الحزب بلاغا عقب اجتماع ديوانه السياسي يوم الأربعاء الماضي،اعتبر أن تدارك هذا الاختلال، سيعزز “المكتسبات الديمقراطية والسياسية التي تحققت لفائدة المرأة المغربية في سياق المجهودات المتواصلة، لتجسيد مضامين المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي الذي تشهده بلادنا.”

المشكلة هنا أن معظم من يقولون بالحداثة ﻻ يعرفون ما هي وما جوهرها وما هي قيمها؟ ويفسرونها حسب هواهم، وحسب معرفتهم القاصرة بها والفاسدة أحيانا بها. أو يعرفون ومخ ذلك يلبسون الحق بالباطل حتى يبدو الباطل ولكأنه حق. والكثيرون منهم ممن كانوا ينتمون إلى الفكر الشيوعي أو اﻻشتراكي، اعتبروا أن اﻷجيولوجية التي كانوا يتبنونها سقطت بسقوط اﻻتحاد السوفييتي،فارتدوا عنها ولم يجدوا بديلا لها سوى تبني النسوانية أو ما يسمونه الحداثة دون تحديد ما هي سوى حقوق المرأة والحريات الفردية الغير منضبطة على قيم ما، وأحيانا ينادون بما يتعارض مع قيم مجتمعهم الدينية والثقافية المشكلة لهويته،ورغم مناداتهم بالحريات الفردية فهم ينكرون حق المرأة في أن ترتدي الحجاب أو تتخلى عنه.
وﻻيبدو الهدف مما يصفون به أنفسهم سوى أن يظل ثمة تمييز بينهم وبين القوى اﻻخرى التي يعتبرونها محافظة.ومنهم من اندمج في الدولة الليبرالية وتبني قيمها المناقضة تماما لما كان عليه في السابق، وهو يعتبر الليبرالية أيضا هي بذاتها الحداثة وهي نهاية التاريخ في الفكر وفق ما ردده من قبل فوكوياما.

ويرى بعض التونسيين أيضا من أن مشاركة حزب النهضة في الحكومة التونسية بعد الثورة يشكل خطرا وتهديدا للحداثة التونسية التي أرسي دعائمها لحبيب بورقيبة وحافظ عليها الرئيس التونسي الهارب بن علي.
وركزوا أيضا على حقوق المرأة رغم تأكيدات الحكومة على عدم المساس بها ويتجاهلون أن الحداثة بمفهومهم تتناقض مع عقيدة الشعب التونسي وهويته، وإن الثورة التونسية وما لحق بها من تطورات دليل مادي ملموس على فشل تلك الحداثة المزعومة.

التحديث والحداثة

ثمة اتصال وانفصال بين مفهومي التحديث والحداثة، ويأتي اﻻتصال بأن التحديث يفضي بالضرورة إلى حداثة ويأتي اﻻنفصال من أن الحداثة التي يأتي بها التحديث ليست بالضرورة هي حداثة الدول اﻷوروبية التي نتجت عن ظروف تطور الرأسمالية فيها.ومفهوم الحداثة يختلف في الثقافة الفرانكفونية عنه في الثقافة اﻷنجلو/سكسونية وفي المجموعات اللغوية اﻷوروبية اﻷخرى ونتج هذا عن اختلاف تطبيقات اﻷسس التي قام عليها التحديث في أوروبا،وما يمكن تسميته بالقيم المؤسسة للحداثة وفي صدارتها العقلانية والمعرفة العلمية واﻻبداع،وما أفرزته الحداثة اﻷوروبية من ليبرالية وعلمانية وفردا نية وديمقراطية وشيوعية ونسوا نية،وغيرها يعد مقومات أيديولوجية ليست علمية مثل القيم المؤصلة للتحديث والحداثة، فقيم التحديث هي ما يثبت في القاع وقيم الحداثة هو ما يطفوا على سطح كل حداثة من الزبد الذي يذهب جفاء.

ولما كانت طريق التحديث واحدة تقريبا فأن طريقها يفضي الى طرق متشعبة منها يوصل كل منها إلى حداثة مختلفة، فالحداثة الصينية أو اليابانية مثلا ليست هي الحداثة اﻷوروبية.والفرق بين التحديثيين والحداثيين هو أن الحداثيين يقومون بتحديث البنيات اﻻقتصادية والثقافية وفق قيم الحداثة اﻷوروبية المؤصلة لها ولكن أيضا وفق قيم مجتمعاتهم المتصالحة مع هويتها، بهدف بلوغ مجتمعاتهم حداثتها، بينما الحداثيون يقفزون فوق التحديث، ويتبنون إفرازات الحضارة الغربية كما هي ودون نقد لها ومدى ملاءمتها للثقافة المشكلة لهوية أمتهم، وخاصة قيمها الدينية التي تحتل موضع المركز في الثقافة والهوية المجتمعية.

كما تم تجاهل أيضا دور ترجمات يهود اﻷندلس للمخطوطات العربية العلمية والفلسفية في تحديث أوروبا، وإخراجها من ظلمات القرون الوسطي، في حين دخل المسلمون عصر انحطاطهم مع بداية العصر الحديث ولم يستفيدوا من تراثهم العلمي شيئا فيما عدا ما ورثوه من علوم الفقه الديني وأغلبه يحتاج إلى مراجعة، ولم ينقلوا من أوروبا اليوم مثل ما نقلته أوروبا منهم من قبل لكي يحققون التقدم مثلها.
وكما يقول أستاذ المنطق المغربي الدكتور طه عبد الرحمن:”علينا أن نعيد إبداع قيم نافعة تم تناسيها، قيم عمودية ترفع الإنسان إلى الأفق الأعلى حتى لا يجري عليها قانون الانقلاب الذي يجري على القيم الأفقية في الحداثة الغربي”.وفي رأي الدكتور طه فإن للحداثة مبادئ ثلاثة، وهي:

1- الرشد: يخرج صاحبه من القصور واختيار التبعية للغير بمختلف صورها وينبني الرشد على ركنين اثنين هما الاستقلال وقوة الذات، والثاني هو الإبداع في الأفكار والأقوال والأفعال.

2- النقد: الذي يخرج الحداثي من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد، ويقوم هو الآخر على ركنين أساسيين هما التعقيل والتفصيل.

3- الشمول: الذي يخرج صاحبه من الخصوص ألمجالي والمجتمعي وينبني على ركنين اثنين هما: الامتداد والتعميم.

وشدد طه على التمييز بين روح الحداثة وواقعها أو تطبيقها، لأن هذا هو السبيل لإخراجنا من شبه الحداثة إلى حق الحداثة.والتي لا نعرف ماهيتها إلا بعد الوصول إليها.

ففي مقابل الفردانية في الحداثة الغربية والتي تعني التمحور على الذات الفردية بالنسبة للفرد، والتمحور على ذات الدولة بالنسبة للدولة، نجد بديل لذلك التمحور حول عبادة وتقوى الذات اﻵلاهية، بما يعني إدماج الذات الفردية في الذات الجماعية وتوجيه الذات الجماعية للبناء والتعمير الذي يقتضيه مبدأ اﻻستخلاف في اﻷرض.وتحقيق ذلك يتطلب تحديث البنيات المادية والثقافية أو الروحية في المجتمعات المسلمة وصولا إلى حداثة مسلمة ﻻ نعرف ما ستكون عليه في المستقبل حتى نبشر بها، أو نتحدث عنها حديث العارف بها.

تجاوز الحداثة

مصيبة النخب الثقافية لدينا هي أنها ﻻ تقتات على ما فوق موائد الرأسمالية الغربية وإنما ما تساقط من تلك الموائد. وقد يكون السبب هو عدم وجود حركة ترجمة مواكبة لما يظهر في الغرب من فكر جديد، ويتم ترجمة كتب قديمة أحيانا مات أصحابها منذ زمن بعيد تهربا من حقوق الملكية الفكرية والحصول على أذن من المؤلف، وتروج في اﻷسواق العربية تلك الكتب القديمة بما فيها من فكر تم تجاوزه في الغرب، وﻻ يصل للقارئ العربي ما جد في الغرب أو باقي أنحاء العالم من فكر أحدث مما سبق وقد يكون نقيضا له.

ويندرج في ذلك ما يعرف حاليا بفلسفات ما بعد الحداثة بينما تظل نخبنا مهووسة بالحداثة وكأنها عثرت على كنز ثمين.وتعرف ويكيبديا “ما بعد الحداثة” بأنها تعبر عن مرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الغربية تتميز بالشعور بالإحباط من الحداثة ومحاولة نقد هذه المرحلة والبحث عن خيارات جديدة وكان لهذه المرحلة أثر في العديد من المجالات…يمكن فهم ما بعد الحداثة أيضا على أنها ردُ فعلٍ على الحداثة…حيث “أصبح العديد من المثقفين والفنانين في أوروبا لا يثقون في الحداثة السياسية والاقتصادية والمشروع الجمالي برمته. في حين أن الحداثة كانت ترتبط في كثيرٍ من الأحيان بالهوية والوحدة والسلطة واليقين، وما إلى ذلك، فإن ما بعد الحداثة كثيرا ما يرتبط بالفروق، والانفصال، والنصية، والتشكك، الخ.”.

وتكون بذلك فلسفة ما بعد الحداثة فلسفة نقدية لمجمل مرحلة الحداثة وفلسفاتها التي سيطرت على الحضارة الغربية بعد عصر النهضة والثورة الصناعية وما تم صياغته من أفكار حول مركزية اﻻنسان والفردانية والتحكم بالطبيعة ومواردها والتحكم بالبشر والمجتمعات.ومع انتقال الرأسمالية لمرحلة أخرى بظهور النيوليبرالية أو الرأسمالية المالية أو الشركات متعدية الجنسية واقتصاد السوق وظهور النزعة اﻻستهلاكية والدخول الى عصر المعلوميات واﻻتصالات…الخ، وهي تمثل مرحلة متجاوزة للحداثة القديمة التقليدية، فقد احتاج اﻷمر أن يواكب هذا التطور تطورا في الفكر الإنساني يناسبه وهو ما اصطلح عليه بما بعد الحداثة.والتي تمثل ثقافة تلك المرحلة الجديدة من مراحل تطور الرأسمالية.

حيث يرى تيار ما بعد الحداثة أنه في ظل الحداثة الغربية ظهرت الأيديولوجيات الفاشية والنازية والعنصرية والاستبدادية والشمولية والشيوعية والحروب العالمية المدمرة. وعجزت عقلانية الحداثة أيضا عن تحل المشاكل المعقدة التي واجهتها البشرية كما ظهرت النزعة الفردية المبالغ فيها والنزعة الأنانية المتطرفة، ويساء استخدام العلم والتكنولوجيا وذلك على حساب مصلحة جماهير الشعب والمجتمعات. ولم يستطع الإنسان في ظل الحداثة أن يلبي كثيراً من حاجاته الأساسية، وهذا ما يستدعي البحث عن فكر آخر أكثر أمانا وفاعلية في تحقيق أماني الشعوب.ويرى جورج بالاندييه في كتابه (في الطريق إلى القرن الواحد والعشرين – التيه، أن فكر ما بعد الحداثة سبقه فكر انتقالي من فكر الحداثة اليه، أي وجود مرحلة وسطي بين الحداثة وما بعد الحداثة. أطلق عليها أسم حداثة التخيلات.

الطريق الثالث

في تصوري أن كتاب الطريق الثالث / تجديد الديمقراطية الاجتماعية والذي كتبه عالم الاجتماع البريطاني انطوني جيدنز وتبناه فكره رئيس وزراء بريطانيا السابق طوني بلير وعدد من قادة أحزاب يسار الوسط في أوربا يعكس أحد أشهر إفرازات فكر ما بعد الحداثة اﻷكثر تأثيرا على الفكر السياسي واﻻاجتماعي اﻷوروبي الحديث.ويغني عن رصد الفكر ألما بعد حداثي وتشعباته التي شملت اﻵداب والسياسة واﻻقتصاد والثقافة والفنون والعمارة والقيم المجتمعية وغيرها،وفلسفاته في لغتها الفلسفية المعقدة.

وقد تناول غيدنز في كتابه عدة محاور أو مبادئ أطلق عليها مسميات: الدولة الديموقراطية الجديدة، المجتمع المدني النشيط. العائلة الديموقراطية. الاقتصاد الجديد المختلط (رأسمالية + اشتراكية).شمولية المساواة. الرفاه اﻻجتماعي الواقعي / الايجابي – دولة الاستثمار الايجابي. كما أسس خطابه على عدد من القيم

مثل: المساواة وحماية الضعيف والحرية ككينونة مستقلة

ولا حقوق بدون واجبات ولا سلطة بدون ديمقراطية.

اﻻ أن أهم ما تناوله هو استبدال الفردانية في الحداثة الى قيم التضامن العائلي، أو قيم اﻷسرة وصيانة صلة الرحم في المفهوم اﻹسلامي، وحاول إشاعة مفهوم التضامن بدءا باﻷسرة وانتهاء بالمجتمع.اﻻ أن تركيز غيدنز على التعاون بين الحكومات والمجتمع المدني دعي بعض منتقديه الى القول بأن الطريق التالي ليس أكثر من نيوليبرالية المتنكرة في مسوح الديمقراطية الاشتراكية.

وﻻ يختلف فكر العدالة والتنمية المغربي وبرنامجه اﻻنتخابي عن تلك اﻷفكار والمبادئ التي جاء بها غيدنز كثيرا،وهو ما يجعله في الواقع أكثر يسارية من اﻷحزاب التي تعتبر نفسها يسارية بينما تخلت عن فكرها اﻻشتراكي الذي يعد المعيار الوحيد على يساريتها واستبدلت به ما تسميه الحداثة ولكأن تلك الحداثة تحل محل اﻻشتراكية وتحافظ على هوية الحزب اليسارية. وهؤﻻء أسمهم المتياسرون، أي الذين ينتمون الى اليسار أسما فقط باعتبارهم تبنوا من قبل الفكر اﻻشتراكي القومي أو الناصري أو الماركسية اللينينية قبل أن يرتدوا عن تلك اﻷديولوجيات ولم يعد ثمة فارق بينهم وبين الليبراليين أو من كانوا ينعتون من قبل باليمين، بما فيه المتطرف منه.

ويعتبر حزب العدالة والتنمية أكثر تقدما في مفاهيمه السياسية عن باقي اﻷحزاب في حديثه عن التشاركية في اتخاذ القرارات وعدم اﻻنفراد بها، ولو أنه لم يتطرق لتطبيق عملي للديمقراطية التشاركية، ويمكن التماس العذر له في أنها لم تطبق فعلا في أي دولة في العالم، سوى تجارب محدودة في البرازيل وسويسرا.وهده الديمقراطية التشاركية يتم الدعوة حاليا إليها ضمن فكر ما بعد الحداثة كبديل للديمقراطية البرلمانية التي أفرزتها حقبة الحداثة أو ما عرف بعصر التنوير في أوروبا. وتتهم الديمقراطية البرلمانية حاليا بأنه ﻻ تجسد حكم الشعب وفق ما يفهم من أسمها، وأنه لم يكن ثمة مفر منها للتعبير عن ذلك في الحد اﻹدني لعدم التوصل الى وسائل أخرى تمكن الشعب من المشاركة في صنع القرارات، بينما صار ذلك ممكنا اليوم بفضل ثورة اﻻتصالات. ومع ذلك، فأن مجرد دعوة الحزب الى نهج تشاركي أو تشاوري وتطبيقه سواء مع القصر الملكي أو مع اﻷحزاب المشاركة له في الحكومة أو مع مؤسسات المجتمع المدني، يجعل الحزب أكثر نضجا سياسيا وتماشيا مع العصر من غيره من اﻷحزاب.

www.fawzymansour.com

-- ميدل ايست أونلاين:بقلم: فوزي منصور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*