السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » النصيحة بين آداب التصريح وأسباب التلميح

النصيحة بين آداب التصريح وأسباب التلميح

 بادئ ذي بدء، فإن النصيحة الواجبة على المسلم هي التي يعز الله بها الحق، ويخذل بها الباطل، وينصر بها المظلوم، ويزال بها المنكر، ويدعى بها إلى الخير، وتمثل قاعدة من قواعد الدين…

… حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

والمسلم إذا ما نصح أخاه المسلم لما يقول ويفعل فقد أطاع ربه وأرضى ضميره مهما عاكسته الظروف وتعرض للأذى. والناصح يجب أن يكون صادقاً في نصيحته، مخلصاً للمنصوح له، وأن يحرص على معطيات النصيحة وسرية موضوعها إذا كانت السرية مطلوبة. وحتى تؤتي النصيحة ثمارها ويستقيم مسارها يتعين التأكد من صدقها، وألا يشوبها شيء من الملق، أو يكون للناصح فيها منفعة شخصية، أو هدف يتعارض مع هدف النصيحة، أو ينال من المصلحة المترتبة عليها.

وسلامة نية الناصح تجاه المنصوح، وفهمه لموضوع النصيحة، وتجرده من الأهواء والأغراض، تمثل مطلباً أساسياً لنجاح النصيحة وتأثيرها في المنصوح له. وخليق بالذي تسدى إليه النصيحة أن يكون له من نفسه ناصح بحيث يزن النصيحة بميزان عقله، ويغربلها على ضوء إخضاعها للمفاضلة العقلية حتى تستبين له حيثياتها، وتتكشف له حدودها وقيودها، ومن ثم يتأكد من صحتها طبقاً لما ينتج منها من دلائل تنسجم مع مرئياته وقناعاته.

والبعض عندما ينصح يغلب عليه شيء من الغضب، ويحاول أن يواجه ناصحه ببعض التبريرات حول موضوع النصيحة؛ لكي يظهر أمام الذي ينصحه بمظهر الواثق من سلوكه، رغم اقتناعه الذاتي بأن النصيحة في مكانها، ولها ما يبررها، وهذا السلوك من تركيبة الإنسان التي جُبل عليها بعض الناس، وقد قال مسعر بن كدام أحد زهاد البصرة: ما نصحت أحداً قط إلا وجدته يفتش عن عيوبي. وقال أحد الحكماء: رجلان ظالمان يأخذان غير حقهما: رجل وسع له في مجلس ضيق فتربع وانتفخ، ورجل أهديت له نصيحة فجعلها ذنباً، وقال الشاعر:

سمعي موقى سالم *****فقل الصواب ولا تصح

والمرء في تركيبه ****غصب يهيج إذا نصح

وقال آخر:

إذا لقيت الناس بالنصيحة ****فوطن النفس على الفضيحة

وكلما ارتفع مقام المنصوح له زادت أهمية النصيحة، وأخذت بُعداً خاصاً يتفق مع مكانة المنصوح له والنتيجة المترتبة على الأخذ بالنصيحة، ناهيك عن ضرورة تمحيص النصيحة واختيار وقت تقديمهاـ والتسبيب لها إذا أمكن. والنصح للحاكم والحصول على نصحه يجلب الأمن للبلاد والعدل للعباد، وتنعم الأمة بالنعيم المقيم والخير العميم بفضل التناصح بين الحاكم والمحكوم.

والنصيحة على هذا المستوى تلزم العالِم والمستشار والحاجب والوزير وكل من يسعفه موقعه بتقديمها من منطلق اسم وظيفته وطبيعة عمله أو ما يحظى به من حظوة. والنصيحة تزداد قيمتها في تناسب طردي كلما ارتفع مكان المنصوح له، وعلا شأنه، وبزيادة قيمة النصيحة تزداد أيضاً مسؤولية الناصح، وتصبح أمانته على المحك وولاؤه واخلاصه تحت المجهر. وقد قيل من كتم السلطان نصحه والأطباء مرضه والإخوان بثه فقد خان نفسه، وقد كان عمر بن الخطاب يستدني عبدالله بن عباس، ويقدمه على الصحابة وهو لا يزال في باكورة شبابه، فقال له أبوه: «يا بني، إني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك ويقدمك على أكابر الصحابة، وإني أوصيك بخلال أربع: لا تفشي له سراً، ولا يجرب عليك كذباً، ولا تغتاب عنده أحداً، ولا تطو عنه نصيحة».

وقد قال الشاعر:

إذا نسي الأمير قضاء حقٍ **** فإن الذنب فيه للوزير

لأن على الوزير إذا تولّى ****أمور الناس تذكير الأمير

والنصيحة تتداخل مع المشورة والموعظة، ويجمعها قواسم مشتركة، هي درجة وجوبها وهدفها والمصلحة المتوخاة من ورائها، وتختلف من حيث تسمية أطرافها ومن هو طرف المبادرة فيها؟ وكيفية تقديمها. والنصيحة فيها تذكير من النسيان، وإصلاح للشأن، وتعريف بقيمة الإخوان، ولو أن أحداً لا ينصحه غيره حتى يحكم أمره منفرداً لترك الأمر واحتجب عنه السداد، فالمستنصح يُسدى له النصح، ويجتهد له في إصابة الصواب، وأهل النصح والرأي لا يتساوون مع أهل الأفن والغش، وليس من جمع الكفاية والأمانة كمن أضاف إلى العجز الخيانة، وقد قال الشاعر:

النصح أرخص ما باع الرجال فلا *****تردد على ناصح نصحاً ولا تلم

إن النصائح لا تخفى مناهجها *****على الرجال ذوي الألباب والفهم

والنصيحة في شكلها الصريح يتم محضها بلطف وبكلمة لينة، مع المحافظة على آدابها وتغليفها بغلاف من الكياسة واللباقة، وتقع مسؤولية تهيئة المكان والزمان لقبولها على الذي يبادر بها، وغالباً ما يكون هو الناصح، كما تعطى على انفراد، وتصاغ في قالب نصيحة بناءة بعيداً عن اللجاجة والعذل دون أن يكون ذلك على حساب جديتها والطريقة المثلى لإيصالها وتحقيق هدفها، وقد قال ابن القفع: خير الأعوان والإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة. وقال قس بن ساعدة: من نصحك أحسن إليك، وكما قال الشاعر:

آفة النصح أن يكون لجاجاً ****وأذى النصح أن يكون جهاراً

وأحياناً تكون النصيحة على هيئة تعريض، والتعريض هو عكس التصريح، والمعاريض التورية بالشيء عن الشيء، وقد قيل: إن في المعاريض لمندوحة من الكذب، أي سعة منه، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما في المعاريض ما يغني المسلم عن الكذب؟ وقال ابن عباس: ما أحب بمعاريض الكلام حمر النعم.

والتعريض لا يقتصر على النصيحة، بل قد يكون في طلب الحاجة، وعلى شكل طرفة أو دعابة، أو معنى مبطناً للدلالة على أمر ما أو حالة معينة، وقد يكون بضرب الأمثال وذكر الألغاز في جملة المقال، أو ما بال أقوام.

وإذا أحسن المعرض استخدام التعريض بما يجعله مفهوم المعنى بالنسبة إلى المعرض له، أو كان الناصح يعرف مدى قدرة المنصوح له على استيعاب التورية وسرعة بديهته في أن يستدل على المعنى بقرينة تدل عليه، إذاً يفضي المعنى المعرض به إلى المعنى المراد. والتعريض يغني عن الكذب، ويشير أحياناً إلى المثلبة من خلال المنقبة، ويرفع مستوى المنصوح، ويحول دون المجابهة بالنصيحة، ويجعل النصيحة في مأمن من الفضيحة، وقد نظر علي بن أبي طالب إلى رجل يجر ذيله على الأرض لطول ثيابه فقال: يا هذا قصّر من هذا فإنه أبقى وأنقى أتقى. ورأى أحد الحكماء رجلاً ذا نسب شريف وفعل دنيء، فقال: ما أحوج شرفك إلى من يصونه فتكون فوق ما أنت دونه. ورأى الإسكندر رجلاً حسن الاسم قبيح السيرة فقال له: إما أن تغير اسمك أو سيرتك.

ومن أفضل الأمثلة على طريقة النصح ما نقل عن السلطان صلاح الدين، قيل إنه قال يوماً للقاضي الفاضل: لنا مدة لم نر فيها العماد الكاتب، ربما يكون مريضاً، اذهب إليه وتفقد أحواله. فلما دخل الفاضل إلى دار العماد وجد أشياء أنكرها في نفسه مثل آثار الأنس ورائحة الشراب وآلات الطرب فأنشد:

ما ناصحتْك خبايا الود من رجل *****ما لم ينلك بمكروه من العذل

محبتي فيك تأبى عن مسامحتي ******بأن أراك على شيء من الزلل

فلما خرج من عنده أقلع العماد عن كل ما كان فيه، ولم يعد إلى شيء منها البتة.

وأجمل النصائح هي تلك النصيحة التي تثمر فيها الجهود، ويحصل منها المردود من خلال ما يتوافر فيها من آداب القول وأسباب القبول على نحو يجعلها تفعل مفعولها، ويظهر مدلولها على سلوكيات وممارسات المنصوح، بما يخدم الهدف من النصيحة، ويضمن لها النجاح.

-- صحيفة الجزيرة:اللواء الركن (م) سلامة بن هذال بن سعيدان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*