الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإرهاب ووسائل الإعلام والاتصال

الإرهاب ووسائل الإعلام والاتصال

لمَّا كان موقع الإعلام في قلب سياسة الدفاع، فلا يمكن بعد اليوم النظر إلى وسائل الإعلام على أنها مجموع المشاهدين، بل مجموع الفعاليات التي تزداد أكثر فأكثر ضغطاً بثقلها على إدارة الأزمات.
إنها شرعة حسنة النهج وظهر منذ البداية أنه يصعب الإعداد لها، أَوَلَيس من الضروري إذاً استخلاص بعض مبادئها؟.
من خلال التطور المعاصر لوسائل الإعلام، لم يعد الإرهاب سلاحاً جديداً فحسب، بل أسلوباً للتواصل يقوم على إحداث صدمة نفسية وَجَني فوائد سياسية من خلالها. وانتشار الذعر يعني نزع احتكار الدولة للعنف المشروع ونزع مصداقيتها منها، وتحدِّي عمل الديمقراطية وحتى الإسهام في تشويه عملها بجعله مدعاة للسخرية بغية إفقاده توازنه من خلال استغلال الصدمة التي لا يستهان بها والتي تحدثها وسائل الإعلام لدى الرأي العام.
ولمّا كان الإرهاب حرباً سياسية تستعين باستراتيجيات غير مباشرة، فلا يمكنه كسب المعركة إلاَّ على الصعيد السياسي.
وأهداف الاستراتيجيات المضادة للإرهاب ووسائلها (وحتى الصراعات ضد الجريمة والإجرام) سرعان ما ظهر أن لها حدوداً لأن الآثار النفسية للإرهاب تجاوزت الحدود قياساً إلى أضرار العنف وحدها. والإنسان الحديث، المعزول في مجتمع مدني جديد متعدد الجنسيات والمجرَّد من روابطه الاجتماعية بالآخرين التي تضمن له هويته وحريته، قد أصبح فجأةً رَهينة، كما أصبحت الأحداث المعاصرة رهينة الإرهاب، وعلى العكس، يقول الواقع إن انعدام أصداء الأحداث بشكل كاف وغياب الرأي العام المتأثر بتلك الأصداء يُجرِّدان الإرهاب من كل تأثير تتأثر به الدولة ورجال أمنها.
وفي المقابل إن زعماء الدول الديمقراطية عليهم اتخاذ القرار اللازم حول سلوك وسائل الإعلام، ولا سيما التلفزيون والإذاعة، في أثناء حدوث أزمة إرهابية: فهل يجب خصوصاً قَطع البرامج لِبَثّ الخَبَر أو المغامرة بعدم بثه في حين أنه يجب استبعاد كل شكل من أشكال التساهل؟.
في هذه الأجواء الجديدة للذعر والهشاشة البالغة لدى المواطنين، يصبح الأجانب في أعين قسم كبير منهم، إرهابيين رغماً عنهم، بينما وجودهم المستمر في أوروبا، ولا سيما الأقليات العِرقية- الثقافية الطارئة أو الدخيلة، يجب أن يُعدّ من مصلحة الأوروبيين؛ فبوسع هؤلاء أن يستغلوا هذه الفرصة لإعادة تحديد كل شخص في هذا الحشد الاجتماعي للفصل بين الطيِّب والشرِّير والتمييز بين “الخير” و “الشر” الذي سرعان ما يظهر على السياسة الداخلية أو الحياة الدولية.
لا ينفك المختصون والمتنبئون من كل الأصناف يمدون الرأي العام ويزودونه بتفسيرات لكل الطباع مهما كان أصل الإنسان، ويشرحون أسباب الإرهاب وتمويلاته. وثمة معاهد كثيرة للدراسات حول الأمن، والقضايا الدولية، والجغرافية السياسية، إلخ… التي تغذي وسائل الإعلام وتمدها بالعلماء المختصين الخاصين بها، وهذا شيء هام ومفيد ولا يمكن أن نجده دون فائدة.
وسائل الإعلام أكسجين الإرهاب:
شيئاً فشيئاً وخلال القرن العشرين، جعلت الحرب “الإعلامية” الحروب الدامية الضروس غير مجدية .والواقع، أن خسارة الحرب الإعلامية تجعل الدعوة إلى حمل السلاح غير مجدية.
على هذا المسرح العملياتي الجديد الذي لم يسبق له مثيل، أصبحت الولايات المتحدة بوضوح هدفاً يحظى بالأولوية، لأنها – بوصفها أول قوة عالمية- هي أيضاً أول قوة إعلامية : إنها آلة رهيبة لترديد الأصداء. وهذا هو التفسير الأوَّلي للعنف المفرط الذي شهدته في السنوات الأخيرة الأراضي الأمريكية.
 فالدعاية، وليس الإعلام أبداً، هي أفضل شريك للإرهاب. لذا، فإن الإعلام يُحلِّل الوقائع بينما الدعاية أو الإعلان يُفسِّر دفعة واحدة أهداف الإرهاب وغاياته. وهكذا نجد أن الإرهابيين أصبحوا يستغلُّون بشكل منهجي ومنظم وسائل الإعلام؛ وهم يعرفون كيف يجنون أفضل النتائج من الانفعالات الطبيعية لدى الصحفيين ومن المسائل التجارية والتسويقية للصحافة.
وتُطبِّق “أدمغة” الإرهاب حرفياً الأمثلة الداعية منذ القدم إلى الوثوق بالرأي العام. وإن مجرد الحديث عن الإرهاب عموماً أو حتى كظاهرة عنيفة يشكل دعاية موضوعية للإرهاب.
تُشكِّل وسائط الإعلام عندئذٍ الأكسجين الذي يمد الإرهاب بالحياة: فهي لا ُتسبِّب وجود الإرهاب من العَدَم، لكن إدارة الظاهرة الإرهابية تُنسَب بقوَّة إلى تلك الوسائل، ولا سيما أنها تلبي رغبتها في تفسير للظاهرة دون معرفة جميع المعطيات، أي التفاصيل عن تنظيم الشبكات، والمصادر الإيديولوجية والتمويلية..
وعلى العكس، إن بعض التقارير حول المناطق التي يعيث فيها الإرهاب فساداً (بسبب نقص اطِّلاع السلطات العامة دون شك) يركز أكثر على “الأضرار الجانبية” الناتجة عن السرقات والاغتصاب والتخريب بجميع أشكاله، بينما تتمنى العامة إعلامها عن الأمور الأساسية، أي عن أصل العُنف المُعنَى وليس إعلامها عن “رَغوة الأمور”.
 والنصوص التي تتحدث عن الحقيقة مختلفة ومتنوعة دون شك، بما في ذلك على صعيد الإرهاب، لكن الصحفي لا يمكنه فَرض نَصّ معيَّن لأنه يبدو له، ببساطة، قابلاً للتصديق، ولا يمكنه جَعل الناس ينقسمون بين الأخيار والأشرار من خلال إعداده نَصَّاً هو الأكثر قُبولاً لدى الجمهور.
لا يمكن لأحد أن يَفلَت من “عالم وسائل الإعلام” أو “وسائل الإعلام العالمية” إلا إذا كان على الأقل منقطعاً تماماً عن العالم، ولا يمتلك جهاز راديو ولا تلفزيون ولا إنترنت. ومن خلال هذا السياق وهذه السلسلة يصبح الإرهاب ووسائل الإعلام شركاء يُمثِّلون زَوجاً جهنميَّاً لا يفترقان عن بعضهما البعض لا سيما أن الإرهاب قد أصبح عملاً تواصلياً تائهاً دون شك، لكنه مع ذلك قادِر ومُستَتِر.
يمكن في المقابل للإرهابيين استخدام وسائل الإعلام للاتصال بالسلطات، والحصول على معلومات من وسائل الإعلام ليحللوا بشكل أفضل الأساليب والطرائق اللازمة للضغط على خصومهم.
إنها جرعة الأكسجين الإضافية التي ينتظرها الإرهابيون من وسائل الإعلام، ولا سيما من الصحافة المختصة بالتحليل والبحث وهي من النوع الجامعي.
لا يقبل الرأي العام كثيراً، على الأقل، الإسهام في “مشهد” إرهابي يشترك في إنتاجه وسائل الإعلام والإرهابيون، في ذلك حيث الإرهابيون يُمثِّلون المَشهد والصحفيون هم مخرجوه بالضرورة. والواقع، أن الصحفيين لا يمكنهم التراجع؛ فيحاولون استغلال الحَدَث بشكل مُتفاوِت الحِدَّة، وينقادون مع العواطف، لتحقيق أفضل النتائج الممكنة…

لا علاقة لوساطة الإرهاب بأنباء المحاكم

لَمَّا كان معظم الدول قد أَدانَ جريمة الإرهاب ، فقد آلَ المَطاف بالصحفيين إلى الوقوف موقف الإدانة من الإرهابيين كما تفعل المحاكم. والواقع، إذا كان أسلوبا الإدانة متماثلين والحالة هذه، فإن النتائج غير ذلك تماماً ولا سيما أن العمل الإرهابي ليس جريمة فحسب، بل تعبير عنيف عن سياسة ما.
وبعودة الذاكرة إلى الأساليب التقليدية التي اتَّبعتها تحقيقات الصحافة، نجد أن الصحفي يواجه صعوبات في الحديث عن الإرهاب دون الرجوع إلى الفكر المسيطر على الساحة ودون أن يسعى جاهداً لإثارة عواطف القارئ بانفعالاته.
من الواضح أنه فيما يتعلق بالإرهاب، هناك منهجية -أو واجب أدبي- خاصة يجب تطبيقها على الصحفي، آخذين في الحسبان العديد من القيود، حتى وإن كان الصحفي، كما في الولايات المتحدة، يُسهم في اتخاذ قرارات في إدارة الأزمات. فالصحافة قبل كل شيء تتلقى في أغلب الأحيان مطالب المنظمات الإرهابية؛ وغالباً ما تخضع الصحافة لضغوط تلك المنظمات.
وبعد ذلك، على وسائل الإعلام التأكد من مواقف السلطات العامة المسؤولة عن تحديد حقيقة تلك المطالب رسمياً.
ويمكن للصحفي طبعاً أن يقوم بتقصياته وحتى إبداء آرائه الشخصية، لكن لا ينبغي له في أية حال من الأحوال فَرض وُجهات نظره، ولا سيما أنه لا يزال هناك ، على صعيد الإرهاب، أكثر من وسيط.
وفي هذا الصدد، إن تجاوز حدود الوساطة يجب ألاَّ يؤدِّي إلى تكوين أو نشر معلومات جانبية لدى الرأي العام؛ فالصحفي لا يعرف في الغالب شيئاً من الناحية العملية عن منفذي العمل الإرهابي، بل مهمته التي يسعى إليها جاهداً أن يتصدَّر خَبَره الصحيفة ويتأكد من صحة وقائعه من نُظَرائه في داخل البلاد وخارجها.
لتتجنَّب السلطات العامة أي هشاشة في موقفها، عليها إقامة اتصالات كافية مع وسائل الإعلام للتواصل معها، دون أن يؤدي ذلك إلى إعاقة عمل الدوائر السرية، إنما التحذير ما أمكن من السير في مسالك خاطئة.
أما من ناحية التعارض بين الإرهاب والمؤسسات الحكومية، والروح الديمقراطية وعولمة الإعلام، فلا يمكن منع وسائل الإعلام من التحقق من أعمالها، ولا حتى وضع حدود للإعلام ليقف عند الصحفيين الذين يُسمُّون بـ (المختصِّين)، بل الأفضل مساعدتهم على إتاحة الفرصة للرأي العام للتخوف من طغيان المد الإرهابي بقوة وذكاء.
 فهل هي تلك، دون شك، الطريقة الأكثر ملاءَمة التي يمكن للصحفي من خلالها القيام بعمله للرد على الإرهابي الذي يود الدعاية لأعماله ويخشى المعلومة المحضة؟ لذا فمن غير الضروري تحويل الصحفي إلى مراسل حربي والسماح له بحمل السلاح واستخدامه لملاحقة الأعمال الإرهابية، بل كيف يمكن ضبط تلك المواقف وتسويتها عندما يتضح أن المقاتلين يُمثِّلون صحفيين ممتازين في هذه المناسبة؟
الإنترنت يُتيح للإرهابيين الاستغناء عن وسائل الإعلام التقليدية:
قدَّمت شبكة الإنترنت وسيلة اتصال للإرهابيين بأعضاء الشبكة اتصالاً مباشراً من أجل أن تحظى أعمالهم بالتمجيد والمديح أو لِبَثّ الدعايات لهم فاتحين آفاقاً جديدة، وهي مُدمِّرة على صعيد الطاقة أو على صعيد التمويل، فعلى سبيل المثال إن استخدام البرامج الخاصة يُتيح تخريب الشبكة (بوساطة الفيروسات وأحصنة طروادة ، إلخ…) أي تخريب قاعدة المعطيات الأمر الذي يضرّ بأمن الدولة، وهذا يزرع الذعر بين السكان، ويؤثر في القرارات الحكومية من أجل بلوغ أهداف سياسية.
 وفي مثل هذه الظروف، يجب عدم استبعاد بعض الحقائق عن بعض الدول الإرهابية عندما يستخدم قادتها السياسيون بُنَى الدولة، بما في ذلك جميع وسائل الإعلام (في الداخل كما في خارج الحدود) لفرض إرادتهم وإلغاء الدور الحقيقي أو المتوقع لخصومهم.
إن سهولة الولوج إلى أنظمة الإعلام تُتيح كَشف نقاط ضعف خَطَر وهشاشة الشبكات التي لا يمكنها أبداً حماية نفسها كلياً، ولا سيما أن الأغلبية الساحقة من الاتصالات العسكرية والشرطية (الخاصة برجال الشرطة) والقضائية، على سبيل المثال، تجول فيها العمليات الخاصة وتسرح وتمرح. والتوجهات الإجرامية فَرَضت اتخاذ دفاعات جديدة، لكن هذه الدفاعات غير كافية إطلاقاً ولا سيَّما حِيَال “إرهاب ضائع” أي لا يمتلك قاعدة وطنية محددة وآثاره تتعاظم جراء قدرة وسائل الإعلام والصور التي تُبَثّ آنيَّاً لحظة حدوثها.
إذا كان الشك وانعدام الثقة هما من العناصر المشكلة للعالم حالياً، والمتميز بنهاية نظام سياسي وعسكري موثوق فيه، فهذا يرجع دون شك في جزء كبير منه إلى أنه نتيجة للإرهاب المحيط بنا.
وإذا كان الصراع المضاد للإرهاب يتطلب المحافظة بِدقَّة وَصرامة على سريّة عمل عناصر الدولة، فهذا لا يفرض بالضرورة التكتُّم حول بعض الوسائل المستخدمة ونتائج التقصيات وإخفاءها عن الرأي العام الذي يجب أن يطَّلع عليها، وإلاَّ أمكن للمواطنين الشعور بالهشاشة المضاعفة، أولاً من ناحية ابتزاز الإرهابيين، ومن ناحية ثانية غياب اتصال المواطن بالسياسيين. وعندما يبدو، على سبيل المثال، أن المسؤولين يتفاوضون سِرَّاً مع الإرهابيين تحدث أمور معاكسة تماماً، فالمواطنون يكفُّون عن بذل أي جهد يرمي إلى فهم الحقيقة. وكيف يمكنه أن يكون غير ذلك؟.
لِنَنسَ أطباء القرون الوسطى الذين كانوا يتحدثون باللاتينية للتأثير في مرضاهم وزُبُنهم. فضرورة فهم الأحداث الأكثر سعادة في الحياة، شأنها شأن الأكثر تعاسة وشُؤماً، هي في كل الأحوال ضرورة اجتماعية لا يمكن الاستغناء عنها لكل مِنَّا.
إذا كنا نقصد السياسيين والمثقفين الجامعيين، ورجال الشرطة والصحفيين والكتَّاب أو المعلِّقين من كل صنف ونوع، فلا أحد يمكنه الاستئثار بالحقيقة حول ظاهرة الإرهاب. وفي المقابل، إن كل واحد فينا معرَّض لذلك المد الإرهابي بشكل خاص، ومن حَقّ جميع الناس امتلاك العناصر اللازمة التي تتيح لهم محاولة فهم طبيعة هذه الظاهرة العالمية وأبعادها.

-- محمد ياسر منصور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*