الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

نوازع مابعد الثورات

 عد أن أغلقت الثورات العربية أبوابها أو كادت، وبعد أن نالت مرادها وسادت، وأخذت تخرج من الهدير والنفير، إلى التأطير والتسيير، وبعد أن برز لها بصيص أمل أن يكون المستقبل أكثر إشراقاً، وأجمل منظراً وبهاء، وبعد أن تعلقت شعوب تلك الدول بأمل ظل يساورهم، ونظرة إلأى حال أفضل كانت تدفعهم، ربما يثوبون بعد التمعن، ويدركون أن التغير ليس في الأشخاص والأنظمة فحسب، وإنما تغير في الأنفس، والأسباب، والإدراك، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

لابد لهم أن يدركوا أن القادم لن يكون أفضل من الماضي، واللاحق لن يكون أزكى من السابق، إلا إذا غير اللاحق ما في نفسه، وتغير معه غيره، فالمسافة قصيرة إن أرادت الشعوب، وطويلة إن اعتراها الكسل والخمول، فليس المهم من تغير ومن سيأتي ولكن الأهم أن يكون القادم صالح ومصلح، وأن يسير الأغلب على هذا النهج، وبهذا يكون هناك شيء من الأمل، وإلا فلا جديد، بل ربما يكون السابق أجدى من الحالي والقادم.

تغيير ثقافة الشعوب ليس أمراً سهلاً وتجديد المفاهيم أو تغييرها لدى البشر يحتاج إلى وقت قصير أو طويل حسب رغبة الشعوب ذاتها.

عندما يجلس عدد من المثقفين أو غير المثقفين لتداول أمر ما، صغير أو كبير، مهم أو غير مهم، فإنهم يبدعون في التنظير والنقد، والأخذ والرد، وطرح الآراء والأفكار التي جلها جميل، ونسيمها عليل، لكن لو نذكر أحدهم ما فعله في أسبوعه الذي مضى لوجد أنه قد مارس مما ينتقده نماذج عدة، وصنوفًا مختلفة، وألوانًا متباينة، وبعد مرور أسبوع من يومه ذلك، ولو تفكر فيما فعل فسيجد أنه فعل مثلما فعل فيما مضى، فلا جديد يذكر، فهو قد أسدى النصح لغيره، ووجه النقد لسواه، وبقي كما هو لم يغير في نفسه قيد أنملة، ولم يسمع له أحد، وإن سمعه فلن يصغي له، ولو أنه بدأ بنفسه لكان أجدى، وبالحسنى أولى، لكن التغير في بعض الأحيان يحتاج إلى التنازل عن مطامح ومكاسب وهذا ما لا يقبله الإنسان على نفسه وإن كان يحث غيره على الالتزام به.

إن أبناء دول تلك الثورات يأملون وسيظلون كذلك لكنهم لن ينالوا مبتغاهم إذا لم يرافق الأمل العمل، وسننتظر إذا ما كانت تلك الدول قادرة على تغيير وجه عالمنا العربي من خلال الإنتاج والإبداع، وذلك بمنافسة الدول الأخرى اقتصادياً وإبداعياً، ونحن في حاجة إلى أن نرى مخترعات بأسماء عربية، ومبتكرات بأيدي فتية، وهذا ليس على الله بعزيز.

حطت رجلي في الصين قبل نحو اثني عشر عاماً ومكثت بها نحو من أربع سنوات، وأتذكر أن الدراجات الهوائية هي الوسيلة الأولى للتنقل عند الكثير، وأن مدناً وقرى كثيرة تستخدم الخيول والحمير، وان المرء لا يكاد يسد رمقه من الغذاء، ويعالج جسده من الداء، ودخل الفرد لا يتجاوز ثلاثمائة دولار في السنة، والآن نحن نرى الصين في وضح النهار تغزو العالم بمنتجاتها، وتقفز بمبتكراتها، وتزحف نحو الأفضل، وتعلو فوق هامات دول سبقتها.

لم يكن الزمن أبداً عائقاً، ولم يكن عاملاً محدداً، فالعلوم أصبحت متاحة، ووسائل الاتصال ميسرة ومستباحة، ولا عذر لمن أراد، والخير لمن استزاد، ولكن من يرغب أن يشارك العالم فيما ينتج فعليه أن يسعد بالعمل، وأن يكون متعة وإلا فإنه لن يستطيع إجبار النفس على غير ما تشتهيه لمدة طويلة.

لم تكن تلك الشعوب التي تقدمت تملك فيما مضى تاريخاً أكثر ثراء، أو خيرات أطول مدة، لكنها ثقافة الإنتاج التي تحتاجها بعض من شعوب العالم، وهناك دول تنعم بالكثير من الثروات الطبيعية لكن شعوبها تأبى بمحض إرادتها أن تستغلها، وقد تشتكي المجاعة وصنوف الغذاء أمام ناظريها، وقد أمر الله بفعل الأسباب، ومن اجتهد ظفر.

 

-- صحيفة الجزيرة:د.محمد بن عبد الرحمن البشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*