الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العجرفة الإيرانية إلى أين؟

العجرفة الإيرانية إلى أين؟

    مشكلة إيران تكمن في سياستها وليست ناتجة عن مواقف الآخرين منها خصوصاً جيرانها. فالسياسة دائماً تعني تحقيق الممكن ولكن إيران تسعى إلى تحقيق المستحيل من خلال تصدير مبادئها ودس أنفها في شؤون الآخرين، وتصدير التخريب وعدم الاستقرار إلى جميع أنحاء المنطقة

لقد كسبت منطقة الخليج العربي أهميتها الاستراتيجية بصورة رئيسة نتيجة توفر الوقود الأحفوري (البترول والغاز) فيها، حيث تحتوي تلك المنطقة على أكبر احتياطيات للنفط والغاز في العالم، لهذا فإن منطقة الخليج تتربع على عرش المصدِّر الأول للطاقة على مستوى العالم، وذلك على الرغم من الجهود الحثيثة والمضنية التي تبذلها الدول الصناعية من خلال مؤسسات البحث والتطوير لإيجاد مصادر بديلة ومتجددة وآمنة تغني عن بترول الخليج وغيره.

نعم لقد بدأ العالم الصناعي وفي مقدمته أمريكا يشعر بأزمة الطاقة منذ حرب (١٩٧٣) بين العرب وإسرائيل عندما أعلنت الدول العربية المنتجة للنفط قطع إمداداته للدول الغربية المساندة لإسرائيل. ومنذ ذلك الوقت أصبحت منظمة أوبك تتحكم بأسعار بيع البترول وليس شركات النفط الغربية. بالإضافة إلى إدراك الدول الصناعية أن العد التنازلي لنضوب البترول قد بدأ، هذا بالإضافة إلى كثرة الأزمات المتوالية التي تحيق بمناطق إنتاج البترول وتصديره. كل ذلك دفع تلك الدول إلى البذل بسخاء على مؤسساتها العلمية والبحثية لتطوير مصادر بديلة ومتجددة وآمنة للطاقة مثل الاستفادة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الكتلة الحيوية وطاقة المساقط المائية وطاقة حرارة باطن الأرض وطاقة المد والجزر وطاقة فرق درجات الحرارة في أعماق البحار والمحيطات. إن ترويض تلك المصادر وتحويلها من طاقة طبيعية إلى أخرى يسهل على الإنسان استخدامها تحديداً يؤتي أكله بصورة فعلية.

لقد ظل العائق الرئيسي أمام تلك الاستثمارات ارتفاع تكاليفها من ناحية وانخفاض أسعار البترول وتوفره من ناحية ثانية. إلا أن التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة في الخليج العربي وتعنتها وإصرارها على البرنامج النووي سوف تؤدي إلى أزمة عالمية تؤدي بالتالي إلى ارتفاع أسعار البترول بصورة غير مسبوقة ما يجعل الاستثمار في إيجاد مصادر بديلة للبترول أمراً مربحاً ومجدياً فكأن إيران بتصرفاتها الرعناء تقدم الحافز والمبرر للاستغناء عن البترول والغاز كمصدر أول للطاقة، وهذا سوف ينعكس سلباً على إيران ودول الخليج باعتبار أن كلاً منها يعتمد على عوائد النفط كمصدر أساسي للدخل.

أما التهديد الإيراني الموجه لدول الخليج بصورة عامة وللمملكة العربية السعودية بصورة خاصة وتحذيرها بعدم التعويض عن صادراتها النفطية في حالة مقاطعة نفطها من قبل الدول الغربية، فهو مرفوض جملة وتفصيلاً وذلك لأن البترول سلعة تخضع لعوامل العرض والطلب، أي أنها عملية تجارية بحتة وإذا لم تستفد منه دول الخليج فإن دولا أخرى سوف تستفيد منه من داخل منظمة أوبك ومن خارجها: فإذا كانت إيران تستطيع إلحاق الأذى بجيرانها فإنها لن تستطيع إلحاق الأذى بالدول الأخرى البعيدة عنها. كما أن الدول الأخرى لن تقيم أي اعتبار للتهديدات الإيرانية، فمن داخل منظمة أوبك تستطيع كل من الجزائر وفنزويلا وليبيا ونيجيريا تعويض النقص في إمدادات النفط، ومن خارج منظمة أوبك تستطيع كل من روسيا والنرويج وكندا والمكسيك تعويض ذلك النقص وتشترك الدول المختلفة في التعويض كلّ حسب طاقته الإنتاجية. إذاً التهديد الإيراني لدول الخليج لن يمنع الدول الغربية من مقاطعة النفط الإيراني لأن حصة إيران سوف يتم تعويضها من مصادر متعددة.

إن ارتفاع أسعار البترول نتيجة للتهديدات الإيرانية بغلق مضيق هرمز أو بسبب نقص المعروض من النفط بسبب مقاطعة النفط الإيراني سوف يدعو دولاً كثيرة إلى زيادة إنتاجها للفوز بعوائد مجزية.

نعم إن دول الخليج العربي ليست المنتج والمصدر الوحيد للبترول حتى تخضع للتهديد والابتزاز الإيراني، بل إن تلك الدول أعضاء في منظمة أوبك (Opec) التي تضم حوالي ثلاث عشرة دولة هي: السعودية، والجزائر، والإكوادر، وإيران، والعراق، والكويت، وليبيا، ونيجيريا، وقطر، والإمارات، وفنزويلا، وانغولا. كما أنها أعضاء في منظمة “أوابك” منظمة الأقطار العربية المنتجة للنفط. أما الدول المنتجة والمصدّرة للنفط من خارج منظمة أوبك فمنها: روسيا، والنرويج، والمكسيك. وأما الدول المنتجة للنفط والمستهلكة له فمنها: الصين، وأمريكا، وبريطانيا. إذاً إنتاج البترول وبيعه عملية تجارية لايمكن أن تتحكم فيها إيران أو غيرها والسوق هو الحكم.

إن مشكلة إيران تكمن في سياستها وليست ناتجة عن مواقف الآخرين منها خصوصاً جيرانها. فالسياسة دائماً تعني تحقيق الممكن ولكن إيران تسعى إلى تحقيق المستحيل من خلال تصدير مبادئها ودس أنفها في شؤون الآخرين، وتصدير التخريب وعدم الاستقرار إلى جميع أنحاء المنطقة والتشدق بمعاداة إسرائيل مع أن جميع أفعالها ونشاطاتها تصب في مصلحة إسرائيل. فإضعاف العراق في مصلحة إسرائيل، وخلق فوضى في دول الخليج في مصلحة إسرائيل، وخلق أجواء حرب خليج رابعة يصب في مصلحة إسرائيل، والشركات الاحتكارية التي تقف خلفها وكذلك شركات صنع السلاح فكل أولئك يشبهون حفار القبور الذي يزداد دخله بزيادة عدد الموتى.

نعم إن جميع دول المنطقة على استعداد للوقوف إلى جانب إيران إذا كفت إيران عن مغامراتها وتهديداتها واستعراض عضلاتها، وخير شاهد على ذلك الصفاء الذي حدث بين إيران ودول اتلخليج أيام حكم الرئيس محمد خاتمي.

إن إيران مندوبة للاهتمام بنفسها من الداخل، والاهتمام بحاجات ومتطلبات الشعب الإيراني الذي يعاني الأمرّين بدلاً من الانفاق بلا حدود على بناء ترسانة عسكرية والعمل على حيازة سلاح نووي. إن البناء أصعب من الهدم فهل اختارت إيران الطريق الأسهل؟

ومع ذلك لو استخدمت إيران نصف المبالغ التي تصرفها على التسلح وشراء الولاء الخارجي والتدخل في شؤون الآخرين في البناء الاقتصادي والتعليمي والصحي ورفاهية الشعب الإيراني لجعلت إيران أقوى حسياً ومعنوياً ولكسبت رهان الشعب الإيراني الذي يعاني من أبسط متطلبات الحياة وتفشي الفقر ونقص الخدمات على الرغم من أن إيران تأتي في الترتيب الثاني بعد السعودية في قدرتها الإنتاجية والتصديرية للبترول.

وعلى العموم فإن جميع الشواهد تشير إلى أن إيران تسعى إلى تدمير نفسها وجيرانها من خلال عناد ومكابرة أودت بصدام حسين من قبل ولذلك فإن إيران مندوبة اليوم أن تعي:

* أن انسحاب أمريكا من العراق وأفغانستان بمثابة استعداد للحرب ضدها وليس هروباً أو عجزاً، وذلك لأن ذلك الانسحاب يبعد الجنود الأمريكيين عن أي انتقام ريراني في حالة مهاجمتها.. ذلك أن أمريكا والغرب عموماً إن أرادوا مهاجمة إيران والدخول في حرب معها فلن يدخلوا في مواجهة مباشرة كما حدث في العراق ذلك أن تلك الدول تملك من القدرات الصاروخية والجوية ما يكفي للقضاء على القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية دون تدخل بري البتة، ولعل ما حدث في ليبيا وإن كان محدوداً جداً خير مثال على ذلك.

* إن تدخل إيران في الشؤون الداخلية لدول الخليج من خلال دعم بعض الأفراد من الأقليات وغيرهم في دول الخليج والدول العربية الأخرى تحت ستار مذهبي أصبح مكشوفاً لسببين: الأول يتمثل في إدراك أن الحراك الإيراني يمثل أطماعاً توسعية يستخدم الدين غطاءً لها، والثاني هو أن وعي الطوائف المستهدفة بأن مستقبلها ورفاهيتها وانتماءها مرتبط بمستقبل ورفاهية واستقرار أوطانها التي تعيش فيها، ولعل ما حدث في العراق خير شاهد على ذلك، فلو سألت الشعب العراقي اليوم شيعته وسنته عن حالهم لقالوا بصوت واحد:

المستجير بعمرو عند كربته***كالمستجير من الرمضاء بالنار

فالاستقرار استُبدل بالفوضى، والأمن استبدل بالخوف والقتل والتفجير والاقتتال، والطمأنينة استُبدلت بالقلق والتوتر، والوحدة استبدلت بالفرقة، والوئام استبدل بالتنافر، والدكتاتورية استبدلت بدكتاتورية أشد وأنكى. والدور الإيراني بارز في جميع مفاصل الفرقة العراقية وهذا يشير بكل وضوح إلى أن الحراك التوسعي الإيراني لن يكون من أجل عيون أي طائفة بقدر ما يكون لحساب المصالح الإيرانية الصرفة.

* على إيران أن تأخذ العبرة من حصار العراق الذي دام أكثر من اثنتي عشرة سنة، أصبح بعدها العراق جسماً بلا روح، والحصار اليوم يشدد الخناق على إيران ولا يستطيع فكه إلا إيران نفسها إذا استطاعت أن تدرك أن أهم مقومات استقرارها بناء جسور الثقة والمودة مع جيرانها. كما أن توجس الجيران من السياسة الإيرانية يدعوهم بل يرغمهم على التحالف ضدها لحماية أنفسهم ومكتسباتهم ومستقبل أراضيهم وثرواتهم وشعوبهم.

* إن إيران بعجرفتها وتدخلها في شؤون غيرها ومساسها بالمصالح الدولية وفقدانها لمحبة وتعاون جيرانها وظهورها بمظهر النشاز أمام دول وشعوب العالم سوف تجعل تلك الشعوب تؤيد أي إجراء يُتخذ ضد إيران فعجلة الدعاية تدور، وإيران تزودها بالوقود فهل تعي إيران ما هي مقبلة عليه من دمار وخراب؟!

نعم قد تستطيع إيران إلحاق الأذى بجيرانها ولكن من المؤكد أنها لن تستطيع إلحاق الأذى بالدول الغربية لبعد المسافة وفارق القوة. وأي عمل عسكري من قبل الغرب سوف لن يتم إلا وفق حسابات دقيقة تأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات.

أما من يؤيد إيران من الأفراد والجماعات فإنهم سوف يكونون أقل من الخدم تحت النفوذ الفارسي كما هو حادث في العراق وقد صدق الشاعر حين قال:

ومن يجعل الضرغامَ بازاً لصيده ****تصيّده الضرغام فيمن تصيّدا

والله المستعان

-- الرياض:د.حمد بن عبدالله اللحيدان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*