الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تغليب الشرع على العاطفة

تغليب الشرع على العاطفة

ناشد رئيس الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها “سنن” “د.عبدالعزيز بن محمد السعيد” “د.يوسف القرضاوي” إلى التريث في المسائل الطارئة، وترك المبادرة باستصدار الأحكام، لاسيما مايتعلق منها بالحرمات والدماء، وأن لا تكون العاطفة غالبة على الشرع؛ فإنّ ماجرى من الأعمال على وفق الشرع فمآله إلى خير وإن استبطأه الناس، وماجرى من الأعمال على غير وفق الشرع فمآله إلى شر أعظم وإن رآه الناس في حاضرهم خيراً.

وقال “د.السعيد” في حديثه ل”الرياض”: “لقد اطلعت على كلام لفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي قاله في ندوة (علاقة الحاكم بالمحكوم) وقد تضمن عدة أمور جانب فيها الصواب – لاسيما في المسائل الجوهرية-، وكان مما قاله:(السلفية المتعصبة والصوفية اتفقتا على تسفيه الثورات العربية عبر الترويج لثقافة سامة تربط الفتنة بالخروج على الحكام)، وكذلك قوله:(إنّ ما يقوم به الشباب العربي حالياً ليس من الفتنة في شيء لأنّ الإسلام يأمر بإزالة الظلم الذي يمارسه الحكام في أبشع صفاته)، وقد أردت التنبيه على هذا الخطأ الذي يتعلق بأصل من أصول أهل السنة والجماعة؛ لئلا يغتر بذلك الناس، ولاسيما في أوقات الفتن.

«البيعة» ليست ثوباً يخلعه الإنسان متى شاء بل هي لازمة في العنق محرم نبذها
استجماع الأدلة

وأشار إلى أنّ علماء السلف لهم فقه عظيم، مبني على استجماع الأدلة، والفهم الصحيح لها، واعتبار المقاصد الشرعية، ومن ذلك مايتعلق بالتعامل مع الحاكم المسلم، ويتمثل في الآتي:

1 قطعت الأدلة بوجوب طاعة الحاكم المسلم، وتحريم عصيانه في غير معصية الله، وإن أمر بمعصية الله فلا طاعة له فيما أمره به من المعصية، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وفي الصحيحين قوله عليه الصلاة والسلام: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإنّ أمر بمعصية، فلاسمع ولاطاعة).

2- بذل النصيحة له، لقوله عليه الصلاة والسلام:”إن الله يرضى لكم ثلاثا وذكر منها (وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ) رواه مسلم.

النصيحة للأمام

وأوضح “د.السعيد” أنّ أهل العلم ذكروا أنّ النصيحة للإمام تنتظم: معرفة عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، قال ابن جماعة رحمه الله:(وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم يعني الحكام فليس من السنة) ومن النصيحة له: إيقاظه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته، وإعانته على ماتحمل من أعباء الناس، وإعلامه بسيرة معاونيه ووزرائه والموظفين في دولته؛ ليقف على حالهم، ويستصلح شأنهم، مضيفاً أنّ من النصيحة له كذلك: رد القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه، وتحذيره من عدو يقصده بسوء، والقيام بنصرته باطناً وظاهراً، والذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، وترك غشه وخديعته وسبه ونشر مساوئه، والدعاء له، ومحبته، قال أنس بن مالك: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا؛ فإن الأمر قريب) وقال عبدالله بن عكيم: (لا أُعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان) فقيل له: أوأعنت على دمه؟ قال: إني أعد ذكر مساويه عوناً على دمه.

علماء السلف لهم فقه عظيم مبني على استجماع الأدلة واعتبار المقاصد الشرعية
طاعة السلطان

وأكد على أنّ طاعة السلطان ليست على جهة المقاضاة بين الحاكم والمحكوم، والمصالح المتبادلة، ولكنه حق فرضه الله، فوجب امتثاله، قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ..ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف) متفق عليه، وفي صحيح مسلم أنه قيل:يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فقال:(اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم)، مشيراً إلى أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية قال:(وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم؛ وإن منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق).

المظاهرات السلمية تحولت إلى عنف وقتل وتخريب وتدمير للمسلمين وأموالهم
الخروج على السلطان

وأوضح “د.السعيد” بأنّ الخروج على السلطان محرم على أي وجه كان الخروج، ولو كان بكلمة، قال القرافي مبيناً ضرر الخروج:(ضبط المصالح العامة واجب، ولاتنضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية، ومتى اختلفت عليهم أوأهينوا تعذرت المصلحة)، وقال ابن تيمية:(وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ماتولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير)، وقال أيضاً:( وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم: بوجه من الوجوه كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديما وحديثا ومن سيرة غيرهم)، مشيراً إلى أنّ خلع السلطان ونبذ بيعته من أعظم المحرمات عند الله تعالى، فليست البيعة ثوباً يخلعه الإنسان متى شاء، بل البيعة لازمة في العنق، محرم نبذها، مالم يقع في الكفر البواح الذي لا احتمال فيه ولاشبهة ولاتأويل، والدليل الدال على الكفر مقطوع بثبوته ودلالته، قال عبادة بن الصامت: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان) متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (مَن خَلَعَ يَدا من طَاعةٍ، لقيَ اللهَ يوم القيامة، ولا حُجَّة له، ومن مات وليس في عُنقه بَيْعةٌ، مات مِيتَة جاهليَّة) أخرجه مسلم.

الصبر على الأذى

وقال:”إذا كان السلطان ظالماً وجب الصبر على أذاه، وحرم الخروج عليه، قال عليه الصلاة والسلام:(من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنّه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية) متفق عليه، وروى الآجري في الشريعة أنّ الحسن البصري أيام يزيد بن المهلب قال: وأتاه رهط فأمرهم أن يلزموا بيوتهم، ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال: والله لو أنّ الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا، ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، ووالله ما جاؤوا بيوم خير قط، ثم تلا: (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون)”.

التشهير بعيوب الناس

وأوضح “دالسعيد” أنّ النصيحة للسلطان تكون على ما بينه ابن النحاس في قوله: (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد، بل يود لوكلمه سراً ونصحه خفية من غير ثالث لهما)، وقال العلامة ابن باز: (فالنصح يكون بالأسلوب الحسن والكتابة المفيدة والمشافهة المفيدة، وليس من النصح التشهير بعيوب الناس، ولا بانتقاد الدولة على المنابر ونحوها، لكن النصح أن تسعى بكل ما يزيل الشر ويثبت الخير بالطرق الحكيمة وبالوسائل التي يرضاها الله)، مشيراً إلى أنّ كلام العلماء في هذا كثير جداً، ويدل عليه مارواه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه، وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس آمر إمامي بالمعروف؟ قال: إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت فاعلاً ففيما بينك و بينه.

النصوص لم تفرق

وأضاف: بعد هذا نقول للشيخ القرضاوي هل هذا تشدد؟ وهل هؤلاء العلماء متعصبون لغير الحق؟ وهل أخطؤوا وأصاب الدكتور؟ فهذه أصول مرعية عند أهل العلم في التعامل مع الحاكم المسلم وإن كان جائراً ظالماً، سواء أكان جاء للحكم بمبايعة أهل الحل والعقد، أم بولاية العهد أم بالغلبة والقهر؛ فإن النصوص لم تفرق، وعمل الأمة بعلمائها ماض، وتقريراتهم في هذا الشأن كثيرة، مؤكداً على أنّ الظلم ظلمات، وأنّ آثاره وخيمة في الدنيا والآخرة، والأدلة من الكتاب والسنة متظاهرة على هذا، لكن الشأن في كيفية إزالة الظلم!، مشيراً إلى أنّ الدكتور يوسف القرضاوي وفقه الله يدعو إلى إزالة الظلم بالخروج على الحكام، وهذا خلاف المنهج الحق، الذي تقدم بيانه، ولئن كان هناك أدلة تدعو إلى نصرة المظلوم فهي مقيدة بهذه الأدلة، كما قيدت في باب الجهاد وغيره، وهذا واضح جداً، لايخفى على المشتغل بالعلم على أسس صحيحة.

أهداف الثورات

وقال “د.السعيد”: “لايخفى على الدكتور القرضاوي أنّ هذه الثورات إما أن تكون لإنكار المنكر، وإما أن تكون للجهاد، وإما أن تكون لعصبية، أما الأول فقد بينا كيفية الإنكار على السلطان بما نقلناه عن أهل العلم، مما يغني عن إعادته، وأما الثاني فلابد فيه من غاية وراية صحيحتين، وكثير مما سمعناه ورأيناه إنما هو طلب للديمقراطية الجاهلية، ومعنى هذا أنهم لايريدون تحكيم الإسلام، فحالهم: لا نريد الإسلام، بل نريد الديمقراطية التي تقوم على أسس باطلة، ومن أخطرها أنّ الحكم تشريع من الشعب، وليس لله وحده، وهذا يناقض قوله تعالى:(إن الحكم إلا الله) وقوله جل شأنه: (ألا له الخلق والأمر)، ولهذا قد يكون مريد الخير في خروجه وقودا لهذه الفتن، التي تنادى العلمانيون والاشتراكيون والقوميون، لقطف ثمارها، وتجييرها لصالحهم، أفأدرك هذا الشيخ يوسف”

القتال للعصبية

وأوضح أنّ القتال للعصبية، ورد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو لعصبة، أو ينصر عصبة، فقتل فقتلة جاهلية) رواه مسلم، وبهذا التفصيل يتبين أنّ دعوات الشيخ يوسف في هذه الثورات للخروج والقتال والحكم على عموم القتلى بالشهادة، تحتاج منه وفقه الله إلى إعادة نظر وتأمل؛ عسى أن يدرك ما أخطأ فيه، ولا يشارك في التحريض على مزيد من حمامات الدم، التي جرت بها أنفس معصومة، وأخرى مغرر بها، لا سيما وأنّ الأمر في ابتدائه كان دعوة إلى مظاهرات سلمية، ثم تحول إلى عنف وقتل وتخريب وتدمير للمسلمين وأموالهم، وبعضه جرى على أيدي المتظاهرين.

تبيان الحق

وأكد “دالسعيد” على أنّ كل شخص يستطيع الإدعاء، ولكن ليس كل يستطيع الإثبات!؛ فنأمل من الدكتور القرضاوي أن يذكر ما ينقمه على المنهج السلفي في التعامل مع الحكام؛ ومن قال به؛ حتى يتبين الحق من الباطل، والمخطئ من المصيب، داعياً القرضاوي إلى التثبت في الأحكام، والحذر من الزج بالأمة في فتن ومصائب قد نالها أمثالها في عقود بل قرون خلت، والأمة تحتاج ابتداء إلى تصحيح مافسد من عقائدها، والشيخ يوسف ممن طوف الأرض، فرأى قبوراً تعبد، ويحج لها وينذر ويذبح، والتمائم الشركية تعلق، والسحر والكهانة يروج لها، إلى غيرها من الشركيات والبدع، فكان الواجب ابتداء سلوك طريقة المرسلين بالدعوة إلى التوحيد الخالص، الذي به عمارة القلوب، وصلاح الأعمال، والأمن في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).

-- د.عبدالعزيز بن محمد السعيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*