السبت , 3 ديسمبر 2016

قبض الجمر..!

 ا بالهم لا يتفكرون..
كيف بدأت دعوة السماء تنتشر فتصبح منهجا للحياة، ومسارا للمرء، وقواعد للسلوك..
كيف الضال اهتدى، والجاهل فهم، والغافل وعى.. والدنيا انكشفت أسرارها بين يدي من هيمن على قلوبهم, وعقولهم نور الدين، فأصبح سمتهم أنهم أصحاب دين سوي.. فلا يتأففون من السمة النورانية, ذات المدلول الواضح للسلام..
سلام المؤمن مع نفسه، ومع خالقه، ومع من خلقهم خالقه..
فكانت حياتهم، واستمرت بعد وفاة قائدهم نبي الدعوة ورسول السلام إلى ربه..صلى الله عليه وبارك وسلم تليما كثيرا..
فينقلب من بعد على المرتدين الصديق، رضي الله عنه، الذي أمَّ مدرسة المسجد، وبدأت إمامته بالصلاة،..
وسمي المسجد مصلى لأن فيه تقام شعيرة, هي الثانية في أركان «الدين»..
لذا من يطلق عليه من الصفات أجملها، وأنقاها، وأكثرها تنزهًا عن الحياة، هم الذين يعرفون ربهم, فيتسمون بالمتدينين بسعادة مبعثها هذه المعرفة..
فما كانت هذه الصفة مذمة، بل رغبة ورهبة، وعملا وجهدا، وسعيًا وانكبابًا، وزيادة،..
وعندما كان أحدهم يشك في دينه ضعفا، يجأر بكل جوارحه بين يدي ربه لأن يقوي إيمانه, ويهبه من هداه, ويقيل عثرات ضعفه.. ويثبته على الحق فيه..
ولا يزكي نفسا، ولا نفسه حين تخالجه بمزية, أو تداعبه بتخيل أنه وصل, أو نال، لأنه يحرص على الامتثال لعبوديته المطلقة لمن خلقه…, فالدنيا له دار عمل، وهي طريق ليستظل تحت شجرة فيها، وما يلبث أن يغادرها ويمضي، للسؤال عن، وعن.., وآخرها إلى أين..؟
أولئك الفاهمون لمنهج الدين الصحيح، الذي يتسمون به وهم سعداء..
إن الدين لا يحتمل أخطاء البشر، لذا ما بال من أخطأ في التعبير عن دينه, أن يصبح دينه به وصمة عند الذين لم يسعدوا بفهم دينهم على وجهه الصحيح، وحقيقته الأصح..؟، فيتهافتون على رفض أن يصفهم من كان بالتدين..؟.. أجلَّ الصفات، وأوجب واجبات من ينتمي للإسلام..؟ دين الهدى والسلام مع الذات والآخر، لتغدو نصاعة الدلالة، مظلمة بتفسير المتهافتين.؟
المسجد مدرسة التكافل والتعاضد، وتقريب القلوب والنفوس، ولم الشمل بين الجيران، والمجموعات والأفراد ليتناصحوا حين خطأ، وليتكاتفوا حين حاجة، وليتعرفوا حين جهل، وليهتدوا حين ضلالة..
لذا حين ينتشرون بعد دروسه، فإنهم لا محالة لا يحيدون عنها في مجالس أدبهم، ولا تجارتهم، ولا تعلمهم، ولا سعيهم في أي حاجة، فهم يسلكون وفق ما تعلموه ووعوه في مدرسة المسجد، حتى في نواديهم، ورحلات صيدهم، وانتقالهم، وأسواق تجارتهم، ومجالس حلول مشكلاتهم، يعملون وفق ما تعلموه في مدرسة المسجد، إنهم قوم على بصيرة منهج رباني، يدلهم، ويوجههم, ويقودهم لأن يكونوا صالحين في النوايا, وفي الأفعال.. يعتزون بدينهم معقد عزهم، ونصرتهم.. ويخشون التقصير فيه..
فما بال الدنيا وقد مالت بكلكلها على قلوب المستحدثين منهم، شغلت ببريقها، ومغرياتها عقولهم.. فأصبحوا يعملون على الخروج عن منهج السلام مع النفس والآخرين.. متجاهلين موقفهم ممن إليه سيعودون.. ويسألون عما كانوا فيه مفرطين..
فما ستكون إجاباتهم حين يكون السؤال عما خلفوا من « الإبداع» – على سبيل المثل -، وهم يناشدون بالفصل بين الدين والإبداع…, وهلم جرا في شؤون حياتهم، وفكرهم، وعملهم،… كلها..
ويميلون للتخلص من الدين فيما ينتجون بالقلم..؟ الشاهد الواعد، الذي لا تغيب حروفه عن الكتاب المرقوم..؟
صدق رسول المنهج الرباني، إمام مدرسة السلام والنجاة -صلى الله عليه وسلم- حين أخبر بأن الزمان سيأتي ويكون فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر..
اللهم النجاة لكل فرد في أمة الإسلام.. من جمر نار جهنم، بقبض الكفوف على الدين في الدنيا..
والاقتداء في كل تجمع بمنهج المسجد.. مدرسة الإسلام الأولى التي لا ظلامة في نورها.

—–

صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. خيرية ابراهيم السقاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*