الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » من الأصالة إلى المعاصرة

من الأصالة إلى المعاصرة

    قبل الدخول في الموضوع أحب أن أوضح صلة عنوان هذه الإطلالة بموضوعها. فكثير من إخواننا الباحثين في المسائل الشرعية لاسيما النوازل الفقهية. فالباحث منهم يكرر بأن يربط بين ما ذكره الفقهاء السابقون في المسألة من التقعيد والتأصيل والتعليل والتدليل وما يمكن أن يكون ذلك صالحاً لتطبيقه على المسألة المعاصرة انطلاقاً من الإيمان بأن التشريعات الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان باعتبار هذه التشريعات معتمدة على أصول وقواعد ومقاصد محققة للمصالح ودرء المفاسد وابن القيم – رحمه الله يقرر في كتابه القيم إعلام الموقعين عن رب العالمين أن أي سبيل تتحقق بها المصلحة العامة فثم شرع الله.

وعندنا من نوازل المسائل المتعلقة بأعمال الناس في شؤون حياتهم ونشاطات حركاتهم للكسب والإنفاق لدينا مسألتان إحداهما التأمين على الحقوق المادية والمعنوية والأخرى أخذ الأجرة على الضمان لاسيما في إصدار خطابات الضمان البنكية والاعتمادات المستندية وهما مسألتان معاصرتان يمكننا أن نحصل لهما على حكم شرعي من خلال الأصالة الفقهية من تراثنا الإسلامي.

جاء في المدونة الكبرى للإمام مالك في الجزء العاشر ص٢٥٩ في أن درك المبيع على المشتري ولو لم يقبض المبيع ونصه: قال ابن وهب أخبرني عبدالجبار بن عمر أن ربيعة حدَّثه قال: تبايع عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف فرساً غائبة وشرط ان كانت هذا اليوم حية فهي مني أي في ضماني ودركي. قال ابن وهب قال بن جريج قال ابن شهاب كان عثمان وعبدالرحمن بن عوف من أجدِّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيع فكان الناس يقولون ليتهما تبايعا حتى ننظر أيهما أجد فابتاع عبدالرحمن من عثمان فرساً باثني عشر ألفاً إن كانت هذا اليوم صحيحة فهي مني. ولا أخَال عبدالرحمن إلا قد عرفها. ثم إن عبدالرحمن قال لعثمان: هل لك أن أزيدك أربعة آلاف وهي منك أي في ضمانك حتى يقبضها رسولي؟ قال نعم. فزاده عبدالرحمن أربعة آلاف على ذلك فماتت. وقدم رسول عبدالرحمن فعلم الناس أن عبدالرحمن أجدُّ من عثمان. قال ابن وهب قال يونس عن شهاب نحو ذلك. قال وأنه وجد الفرس حين خلع رسنها قد ماتت فكانت من البائع. ا.ه أي في ضمان عثمان هذه الصفقة بين عثمان وعبدالرحمن وما تلاها من عقد ضمان من عثمان لعبدالرحمن يمكننا أن نكيفها عقداً تأمينياً اشتمل على أركان التأمين الخمسة وهي: المؤمن وهو عثمان والمؤمن له وهو عبدالرحمن ومحل التأمين وهو حياة الفرس والأجر على التأمين وهو مبلغ أربعة آلاف والتعويض عن فوات محل التأمين هو مبلغ شراء الفرس ورده إلى عبدالرحمن. ويظهر لي بوضوح أن هذه المعاملة من هذين الصحابيين الجليلين صورة واضحة لتطبيق جلٍّي من الممارسات التأمينية في عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا نستطيع إسقاط القول بأن التأمين نازلة فقهية لم يكن للعصور الإسلامية المتقدمة عهد به.

أما المسألة الثانية فهي أخذ الأجرة على الضمان مطلقاً سواء أكان ضماناً فردياً أم كان ضماناً بنكياً. فلا يخفى أن الذي عليه جمع من أهل العلم أن المبيع بعد تمام البيع بين البائع والمشتري من ضمان المشتري بمجرد تمام الايجاب والقبول إذا مكًّن البائع المشتري من تسلم المبيع ففرقه وغُنمه للمشتري وعليه. وهذا الأثر عن الصاحبيين الجليلين عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف دليل على صحة القول بأن درك المبيع على المشتري. وبناءً على هذا المفهوم الصحيح لدى هذين الصحابيين وأن الفرس بعد بيع عثمان إياها على عبدالرحمن كانت من ضمان المشتري عبدالرحمن فقد عرض عبدالرحمن بن عوف على عثمان أن يقوم بضمانها بأجرة قدرها أربعة آلاف حتى يتسلمها رسوله منه.

فعثمان رضي الله عنه ضمن لعبدالرحمن بن عوف فرسه الذي اشتراها منه ضمنها له من الهلاك مدة بقائها عنده حتى يتسلمها منه وأخذ عثمان على ضمانها أجرة مقدارها أربعة آلاف. فهذا نص صريح في جواز أخذ الأجرة على الضمان خلافاً للقائلين بعدم جواز ذلك وإدعاء الاجماع عليه.

وخلاصة القول إن في فقه أسلافنا كنوزاً من العلم والمعرفة وأن في هذه الكنوز ما يعطي الثقة والقناعة والدلالة على أن ديننا دين شمول واستقصاء وأنه صالح لكل زمان ومكان وأن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يترتب على ذلك غرر أو غبن أو تدليس أو غش أو جهالة أو أي طريق من طرق أكل أموال الناس بالباطل والله المستعان.

===

صحيفة الرياض السعودية

-- الشيخ عبدالله بن سليمان المنيع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*