الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » فزع أميركي من دمار حرب المستقبل الالكترونية

فزع أميركي من دمار حرب المستقبل الالكترونية

الباحثون منقسمون بين ‘مهول’ بخطر الحرب الالكترونية و’مستخف’ بها على قاعدة أن أميركا تلجأ إلى تضخيم الخطر خدمة لمصالحها الخاصة العسكرية والإستراتيجية والاقتصادية.
الحرب هي نزاع مسلح تبادلي بين دولتين أو أكثر من الكيانات غير المنسجمة، حيث الهدف منها هو اعادة تنظيم الجغرافية السياسية للحصول على نتائج مرجوة ومصممة بشكل ذاتي. في كتابه عن الحرب، قال المنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز على الحرب أنها “عمليات مستمرة من العلاقات السياسية، ولكنها تقوم على وسائل مختلفة، و”الحرب هي عبارة عن تفاعل بين اثنين أو أكثر من القوى المتعارضة والتي لديها “صراع في الرغبات” ويستخدم هذا المصطلح أيضا كرمز للصراع غير العسكري، مثل الحرب الإعلامية والنفسية والطبقية.

وهكذا فإن الحرب لا تقود بالضرورة إلى احتلال أو قتل أو إبادة جماعية. الحرب الأهلية هي حرب بين الفصائل لمواطني بلد واحد، أو بشكل آخر هي نزاع بين دولتين تم إنشاؤهم من أصل واحد ومتحد سابقا. الحرب بالوكالة هي حرب تنتج عندما تستعين قوتين بأطراف ثالثة كبدائل لقتال بعضهم البعض بشكل مباشر.

وللحرب كيانها الثقافي، وممارستها ليست مرتبطة بنوع وحيد من التنظيم السياسي أو المجتمعي. بدلا من ذلك، كما تمت مناقشته من قبل جون كيغان في تأريخه للحرب، فإن الحرب هي ظاهرة عالمية، وشكلها ونطاقها يحددها المجتمع الذي يقوم بها.

الحروب قد تجري في وقت واحد على واحد أو أكثر من المسارح التقليدية المختلفة أي البر والبحر والجو. وتشمل الحملة العسكرية ليس فقط القتال، بل أيضا التصنيع والقدرة الاقتصادية والاستخبارات، وتحركات القوات والإمدادات والدعاية، وغيرها من العناصر. وهناك فترة من الصراع الضاري المستمر تسمى تقليديا المعركة. وعلى الرغم من أن هذه المصطلحات لا تطبق على النزاعات التي تشمل الطائرات والصواريخ والقنابل وحدها، في ظل غياب القوات البرية أو البحرية، فإنه توجد أيضا العديد من الأفعال الأخرى التي يمكن اتخاذها من قبل القوات العسكرية أثناء الحرب، ويمكن أن تشمل هذه الأفعال بحوث الأسلحة، والاعتقالات والاغتيالات، وقد تحدث الإبادة الجماعية في بعض الحالات.

وبما أن الجوانب الإستراتيجية والتكتيكية للحرب تتبدل دائما فإن النظريات والمذاهب المتعلقة بالحرب غالبا ما تصاغ قبل، أو أثناء، وبعد كل حرب كبرى.

كارل فون كلاوزفيتس قال: “إن لكل عصر نوعه الخاص من الحروب، والظروف الخاصة، والتحيزات المميزة”.

مشروع “أربانت”

خلال العقد الأخير من القرن العشرين إنضافت إلى أدوات وساحات الصراع حرب الانترنت التي تشكل في نظر البعض امتدادا للحرب الإلكترونية التي تطورت واتسعت مع نهاية الحرب العالمية الثانية وخاصة خلال فترة ما سمي الحرب الباردة.

ظهرت الإنترنت نتيجة لمشروع “أربانت” الذي أطلق عام 1969 من طرف وزارة دفاع الولايات المتحدة. وقد أنشئ هذا المشروع من أجل مساعدة الجيش الأميركي على تحسين قدراته عبر شبكات الحاسب الآلي الذي توسع استخدامه في جزء متنامي من المؤسسات التي لها علاقات بشكل أو بآخر بالمؤسسات العسكرية والاستخبارية. وقد تم ربط الشبكة بالجامعات ومؤسسات الأبحاث لاستغلال أمثل لقدرات الحواسيب. النظام سمح بربط فوري بين العديد من المؤسسات خاصة العسكرية والأمنية الأميركية.

وفي الأول من يناير 1983 استبدلت وزارة دفاع الولايات المتحدة البروتوكول “أن سي بي” المعمول به في الشبكة واستعاضت عنه بحزمة موافيق “بروتوكولات” الإنترنت. وبحلول اواخر عام 1994 كان هناك تزايد ملحوظ في اهتمام الجمهور بما كان سابقا محل اهتمام للأكاديمين فقط. وفي غضون ذلك، وعلى مدار العقد، زاد استخدام الإنترنت بشكل مطرد.

مع بداية القرن الحادي والعشرين أصبحت الشبكة أساسية في غالب الاتصالات والتعاملات وأجهزة التحكم، وبالإضافة إلى أنها شكلت وسيلة تجسس للبعض، كما تحولت إلى أداة للحرب بمختلف صورها.

المتاهة الجديدة

انتقلت العديد من وسائل السيطرة والتحكم لمعظم العمليات الحيوية الموجودة علي الأرض إلى الفضاء في صورة أقمار صناعية ومحطات فضائية‏، كما انتقل أيضا قطاع واسع من الحروب والمعارك والحوارات والثورات إلى العالم الافتراضي الذي خلقه الإنسان منذ اختراعه للكمبيوتر والذاكرات الالكترونية وشبكات المعلومات فأنشأ داخله جغرافية جديدة افتراضية مكونة من أماكن وعناوين وشوارع ومسارات في إطار قواعد وقوانين تنظم عملية تبادل المعلومات والأموال والبضائع والأفكار‏.

ويجري على هذا العالم الافتراضي ما يجري على العالم الحقيقي من تطور وحياة ومرض وفناء‏.‏

وفي صيف سنة 2011 كشف جوليان أسانغ مؤسس موقع ويكيليكس في حوار له مع قناة روسيا اليوم أن موقع “فيسبوك” يعتبر أكثر أدوات التجسس التي ابتكرها الإنسان رعبا في تاريخ البشرية، مشيرا إلى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية يمكنها الحصول على معلومات عن أي مستخدم لمواقع الإنترنت الكبيرة في أي وقت تريده.

أسلحة الدمار الشامل

وضعت وكالة البحوث الدفاعية المتطورة ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الولايات المتحدة الأميركية ضمن مؤسسات أخرى جزء هاما من أسس الحروب عبر الشبكة العنكبوتية.

وهكذا باتت الحرب الإلكترونية الشكل الرائج والأكثر فعالية في حروب القرن الحادي والعشرين. وليس أدل على ذلك من الدراسة التي كان نشرها رئيس مركز تقييم الدراسات الاستراتيجية وشؤون الميزانية الأميركي اندرو كريبنيفيتش في عدد يوليو 2009 من مجلة “فورن افيرز” الأميركية تحت عنوان “أسلحة البنتاغون” التي سلط فيها الأضواء على الصراع الحاد بين الولايات المتحدة والصين ودول أخرى في عالم تكنولوجيا الاتصالات والسيبرنيتيك. وقد اتضح من دراسة كريبنيفيتش أن تفوق الصين في هذين المجالين أصبح يمكنها من التسلل إلى المواقع الإلكترونية الأكثر أهمية لها مثلا في القواعد العسكرية الأميركية الممتدة من كوريا الجنوبية إلى اليابان ثم إلى جزيرة “غوام” في المحيط الهادئ وصولاً إلى قواعدها في الخليج العربي، أي ما يشكل نقط التماس مع خط الدفاع الأول عن أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية في الشرقين الأقصى والأوسط، وبالتالي تدمير أو تعطيل تلك المواقع الإلكترونية وما تحتويه من معطيات استراتيجية وخطط عسكرية، أي كسب الحرب قبل أن تبدأ.

ويؤكد كريبنيفيتش ان العلوم قابلة للانتقال إلى جميع الشعوب، الأمر الذي ألغى احتكار الولايات المتحدة للإنجازات العلمية ولتفوقها في هذا المجال.

في شهر يونيو 2011 ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” تقوم بإعداد استراتيجية جديدة تضع الهجمات الالكترونية في مصاف “الأعمال الحربية”، وانه سيكون في إمكان الرئيس الأميركي فرض عقوبات اقتصادية أو اتخاذ رد الكتروني انتقامي أو حتى ضربة عسكرية إذا ما تعرضت أنظمة الكومبيوتر الرئيسية في البلاد إلى هجوم الكتروني.

من جانبه أعلن الجنرال روبرت كيهلر قائد “القيادة الاستراتيجية الأميركية” في منتصف شهر نوفمبر 2011 إن لدى الجيش إطارا للتعامل مع العمليات الهجومية في الفضاء الإلكتروني. وقد جاء هذه التصريح بعد أقل من شهر من تصريح مماثل أعلن فيه أن هذا الجهد الرقمي ما زال مستمرا، ولم يصل إلى نهايته.

وأوضح كيهلر في تصريحه الذي أعتبِر أحدث مؤشر على الإسراع في الجهود العسكرية الأميركية في الحرب الإلكترونية، أنه لا يعتقد بأن الجيش الأميركي يحتاج إلى سلطات جديدة صريحة، كي يواصل عملياته الهجومية في الفضاء الافتراضي، لأن هذا الأمر يحدث فعليا. وفي المقابل، أوضح كيهلر أن الجيش ما زال يتلمس طريقه في قواعد الاشتباك في الحرب الإلكترونية، بالنظر إلى اختلافها العميق عن ساحات المعارك التقليدية. وساوى كيهلر، في مؤتمر عقد عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، بين العمل الهجومي الإلكتروني والعمليات البرية والجوية والبحرية والفضائية. وأوضح أن الهجوم الإلكتروني الأميركي المنشأ، حين حدوثه، ينفذ بناء على أوامر من الرئيس الأميركي بإعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة.

قيادة مركزية

مع نهاية سنة 2011 وإدراك البيت الأبيض أنه مهدد بفقدان التفوق، بادر الرئيس باراك أوباما إلى تشكيل قيادة مركزية موحدة للحرب الالكترونية إلى جانب القيادات العسكرية الأخرى، بعد إعلانه أن الأسلحة التي تستخدم في هذه الحرب هي أسلحة الدمار الشامل الحقيقية.

وتقول مصادر رصد أوروبية أنه بين وزارة الدفاع والأمن الداخلي، ستنفق الولايات المتحدة أكثر من 10 مليارات دولار على الأمن الإلكتروني بحلول العام 2015. ومن المفترض، أن يتكون فريق الحرب الإلكترونية الأميركية الجديدة من حوالي 10 آلاف موظف، ووفقاً لشركة “نورثروب كينت شنايدر”، ستصل قيمة سوق الأسلحة الإلكترونية والأمنية إلى مئة مليار دولار.

التهديد المتزايد إلكترونيا دفع بعمالقة صناعة الأسلحة الأميركيين مثل “لوكهيد مارتن” و”رايثون” و”نورثروب غرومان” و”بوينغ” إلى التحرك بكثافة في سوق أنظمة الحماية الإلكترونية. وهكذا مثلا في سنة 2010، استحوذت شركة “بوينغ” لصناعة الطائرات على شركتي “ناروس” الإسرائيلية المنشأ و”آرغون أس تي” للحلول التقنية المتقدمة لمراقبة البرمجيات الإلكترونية مقابل 2400 مليون دولار.

ويقول مدير معهد كندا لدراسات الأمن العالمي، إن هناك ما يشبه الحمى الجنونية في الوقت الراهن لتوفير الخدمات والمنتجات الإلكترونية والأمنية لتلبية مطالب الحكومات والجيش وآليات تطبيق القانون.

غير أن هناك عددا من الخبراء الذين يشكون في نجاعة الإجراءات الأميركية الجديدة. فقد كتب إليكس فيشمان، كبير المعلقين العسكريين في صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية في يناير 2012 أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة تستخدم في الوقت الحاضر 14 ألف خبير في مجال الحرب الإلكترونية، سيتضاعفون مستقبلا، وتستثمر عدة مليارات من الدولارات في مجال تحصين شبكاتها الإلكترونية، إلا إنها لم تتمكن حتى الآن من الصمود بشكل فعال ومسترسل أمام الهجمات الالكترونية، ولا أدل على ذلك من عمليات الاختراق المتصاعدة لأهم مواقعها خاصة المخابرات المركزية والبنتاغون.

وردا على الإجراءات الأميركية أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية فنغ يان شنغ عن إنشاء وزارة الدفاع الصينية لـ”الجيش الأزرق”، وهي إدارة خاصة تابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني، من أجل حماية الفضاء الإلكتروني الخاص بالجيش على شبكة الإنترنت، والعمل على زيادة مستوى أمن شبكة مختلف أجهزة القوات المسلحة والأمن الصينية.

حرب الأشباح

كتب الخبير الروسي “ليونيد سافين” في الصحيفة الالكترونية “ستوليتيه” مقالا تحت عنوان “حرب الأشباح” جاء فيه: أولت الولايات المتحدة الأميركية أواخر العام 2011 اهتماما خاصا بالفضاء الالكتروني. فأعدت تقارير للكونغرس حول السياسة الالكترونية لوزارة الدفاع والإدارة القومية لمكافحة التجسس. وتضمنت تلك التقارير مخططا للتعاون مع الشركاء الأجانب، وتوجهات سياسة واشنطن في هذا المجال للمستقبل المنظور.

على المستوى الكوني، تنظر الولايات المتحدة الأميركية إلى الفضاء الالكتروني كحيز يجب أن تعمم فيه معايير ومقاييس سياسية وايدولوجية مختلفة حسب المفهوم الأميركي.

وفي ربيع العام 2010 تم إنشاء مؤسسة جديدة تابعة للبنتاغون، هي القيادة الالكترونية. وفي عام 2011 أعلن أن وزارة الدفاع شرعت بالتحكم بالشبكات الاجتماعية من أجل تحسين صورة الولايات المتحدة، وللتأثير على الدول الأخرى ولأغراض أمنية أيضا.

وفي نوفمبر من عام 2011، أعلن البنتاغون بصيغة قاطعة أن الولايات المتحدة الأميركية تحتفظ لنفسها بحق اتخاذ إجراءات جوابية ضد الهجمات الالكترونية، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية ضد “أشرار” شبكات الانترنت، وأن تزيد إمكاناتها التكنولوجية من أجل كشف هؤلاء وتحديد هويتهم بدقة. أما مديرة وكالة الدفاع الأميركية للتقنيات الواعدة “ريغينا دوغان” فقد أعلنت أن جهودا إضافية ستبذل لإنشاء سلاح إلكتروني هجومي يشكل عنصرا جوهريا في الآلة العسكرية الأميركية. وفضلا عن ذلك أعلنت الولايات المتحدة ضرورة معرفة الإمكانات الالكترونية للدول الأخرى بهدف التحصن ضدها، ومضاعفة الإمكانات الأميركية في صد ما قد يقع من هجمات الكترونية. وهذا يعني في الواقع العملي، أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها تمارس التجسس الالكتروني، بغض النظر عما جاء في تصريح الإدارة القومية الأميركية لمكافحة التجسس من مزاعم عن تورط الصين وروسيا في استخدام الإمكانات الالكترونية لأغراض تجسسية.

الناتو والدفاع الالكتروني

في شهر سبتمبر 2011 عقدت في بروكسل حلقة بحث بالغة الأهمية بالنسبة للدفاع الالكتروني لبلدان الناتو. وتمخضت الحلقة عن قرار بإطلاق مشروع جديد يهدف إلى تشكيل لجنة من الدول الأعضاء في الحلف لتبادل المعلومات في مجال الدفاع الالكتروني. وبعد اختتام الاجتماع وضعت كافة الترتيبات الشكلية المتعلقة بالوصول إلى أقصى ما يمكن من الإمكانات العملياتية للدفاع الالكتروني لحلف الناتو، وذلك بنهاية العام 2012. إن “الامكانات الالكترونية الجديدة” هي أحد المشاريع الـ11 ذات الأولوية لدى الناتو. وتقدر تكلفة هذا المشروع 28 مليون يورو. وفي نوفمبر 2011 جرت أولى المناورات الالكترونية المشتركة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وجرى التدرب أثناء هذه المناورات على سيناريوهين اثنين، أولهما عبارة عن هجمات الكترونية لتدمير ما ينشر من معلومات سرية لعملاء الأمن في دول الاتحاد الأوروبي، والثاني لتخريب منظومات عمل وضبط البنية التحتية للطاقة. ومن الملفت في هذا السياق حادثة وقعت في مدينة سبرينغفيلد الأميركية بولاية ايلينوي في نوفمبر 2011 وذاع خبرها على نطاق واسع، إذ أن موظفي مكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة الأمن الداخلي أعلنوا أن المذنب في ذلك قرصان يعتقد أنه روسي. وقد تمكن هذا القرصان من اختراق المنظومة الحاسوبية لخدمات المرافق العامة، وقام بعمليات معينة أدت إلى تعطيل مضخة المنظومة التي تزود المدينة بالماء.

وتجدر الاشارة بالمناسبة إلى أن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها، التي تلحق ضررا بالبنية التحتية الأميركية. ومن المحتمل أن ذكر روسيا كان تضليلا متعمدا بهدف إدراجها في قائمة المواقع الالكترونية التي قد تشكل خطرا معينا، وبغية التبرير المسبق لعسكرة الفضاء الافتراضي، وفرض رقابة كونية على الانترنت.

ويضيف الخبير الروسي “ليونيد سافين” إن النزاعات الإلكترونية تثير القلق لدى جميع بلدان العالم تقريبا، ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة الأميركية. وقد تضاعفت مرات عديدة فرص استخدام البرامج “الضارة”، وذلك نتيجة رخص أسعار أجهزة الكمبيوتر والبرمجة، وظهور مشاركين نشيطين جدد في السياسة الدولية، بدءا من المنظمات غير الحكومية وحتى المجموعات الإجرامية. ويصف الصحفي الأميركي ديفيد روتكوبف الهجمات الالكترونية بحرب الأشباح، ويحذر من أن رحاها ستدور دون الإعلان عن بدء العمليات العسكرية، وقد تؤدي إلى صدام بين الدول العظمى، ومقتل أعداد كبيرة من البشر. واستنادا إلى أحد الديبلوماسيين الأميركيين، يقول الصحفي المذكور إن مثل هذه الحرب تدور رحاها فعلا، أما أهدافها فمتباينة للغاية. والحدث الأكثر دويا في الآونة الأخيرة هو الهجوم الالكتروني على موقع نووي إيراني باستخدام فيروس “ستاكسنت”. وفي اكتوبر 2011، أكد خبراء عسكريون أميركيون أن الحواسيب التي استخدمت لتوجيه طائرات “بريداتور” و”ريبر” المقاتلة بدون طيار في أفغانستان، قد تعرضت لهجوم بالفيروسات. وقبل ذلك تمكن قرصان في العراق من اختراق منظومة القيادة التي تتحكم في تشغيل وتوجيه الطائرات بدون طيار الأميركية العاملة في العراق وتوجيهها نحو أهداف وهمية، أو انذار المسلحين باقتراب الخطر، وذلك رغم أن مقر هذه الهيئة موجود في قاعدة عسكرية داخل الولايات المتحدة.

ويرى الخبراء الأميركيون أن احتمال إلحاق أذى كارثي بالغرب أو بالشرق لا يزال يتزايد مع تزايد الترابط بين كافة العناصر المحتملة للشبكة العنكبوتية العالمية”.

حروب ايديولوجية وسياسية

كتب خبير عربي في الشئون العسكرية والتكنولوجية بأحد مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية: إن درجة الاهتمام بموضوع الحرب على الشبكة العنكبوتية قد تزايد بشكل ملحوظ وعلى مستوى أكثر عمقا وشمولا في عامي 2008 و‏2009‏ وانعكس ذلك على إعداد ما ينشر عنه من ورش عمل ومؤتمرات‏.‏ ولم يقتصر ذلك على الجانب العسكري فحسب‏،‏ بل اتسع ليشمل المؤسسات الاقتصادية والمجتمع المدني‏،‏ والأخير كما هو واضح للعيان قد تمكن في كثير من الدول في جعل هذا العالم الافتراضي مسرحا له‏،‏ وميدانا لحروبه الإيديولوجية والسياسية‏،‏ بدون أن يكون للعاملين على هذا المسرح مقر حقيقي ملموس حيث يكفيهم أن يديروا معاركهم علي ساحة العالم الافتراضي الممتد بلا حدود‏،‏ وعلى مشهد من العالم كله‏،‏ وذلك تطور خطير يحتاج إلى إعادة نظر في كثير من الأفكار القديمة‏.‏

وهناك في الحقيقة نوعان من الضرر يمكن أن يصيبا الدولة نتيجة تهديدات قادمة من الفضاء الافتراضي‏،‏ الأول‏:‏ أن يصدر التهديد من الفضاء الافتراضي إلى أهداف حيوية للدولة موجودة في الفضاء الطبيعي مثل أن تسقط طائرة بسبب فعل جاء من الفضاء الافتراضي أدى إلى تخريب أجهزة القيادة والسيطرة الخاصة بالطائرة وتسبب في سقوطها إلى الأرض وما عليها من ركاب وممتلكات‏.‏ أو خروج قطار سريع من القضبان بسبب نظام القيادة فيه المتصل بالبنية الأساسية للفضاء الافتراضي‏،‏ أو انفجار شبكات للغاز والوقود‏،‏ وكلها خسائر تحدث بسبب اعتماد هذه النظم على معلومات تم اختراقها وتغييرها أو تدميرها بواسطة جماعات أو دول أو أفراد برغم وجود وسائل حماية من نوع خاص لكنها مع الوقت قابلة للاختراق‏.‏ ويسجل أنه وفي شهادة أمام الكونغرس‏،‏ اعترف أحد قادة أجهزة الأمن القومي الأميركي بأن زيادة التواصل بين شبكات المعلومات والإنترنت وباقي البنية التحتية الموجودة في الفضاء السيبري تتيح فرصا للأعداء يمكنهم من خلالها قطع الاتصالات‏،‏ وإعطاب شبكات الكهرباء والطاقة والبنوك‏،‏ وباقي البنية التحتية الحساسة ذات البعد الأمني‏.

وهناك عدد من الدول تملك الخبرة والأدوات لشن مثل هذه الهجمات‏.‏ وتقديرات النتائج تشير مثلا إلى أن حجم الخسارة الناتجة من سرقة وتزييف الحقوق الفكرية للصناعة الأميركية قد وصل في ‏2008‏ إلى 1000 مليار دولار‏.‏

ويقول التاريخ العسكري إن أول قيادة جوية لم تنشأ بمجرد ظهور الطائرة كسلاح عسكري‏،‏ وكذلك الدفاع الجوي الصاروخي لم يكن له في البداية قيادة مستقلة عن القيادات العسكرية الأخرى إلا بعد سنوات طويلة عندما أصبح للصواريخ دور بارز مستقل في الحرب‏،‏ والآن أصبح لنظم التفكير والقيادة والسيطرة الإلكترونية مكانة عالية في معظم الحروب الحديثة ما جعل كثير من الدول الكبرى تتجه إلى مراجعة عميقة لهذه المنظومة‏،‏ وطبيعة دورها في حروب المستقبل‏،‏ وما يمكن أن تتعرض له من مخاطر وتهديدات‏،‏ ومدى حاجتها إلى قيادة مستقلة‏.

موارد قليلة بدل المليارات

جاء في تقرير أعدته مؤسسة “مكفي” الدولية للخدمات الأمنية التي يتركز عملها في أوروبا والولايات المتحدة أن حرب الإنترنت لا تتطلب كثيرا من الموارد ففي حين أن خوض حرب تقليدية يتطلب مليارات الدولارات، فإنه لشن حرب إنترنت ليست هناك حاجة لموارد كثيرة سواء بشرية أو مادية.

وأضاف التقرير إن العديد من الدول بدأت تعد العدة للتصدي لهذه الهجمات ولشن أخرى مضادة عبر الإنترنت.

وصرح جريغ داي أحد المحللين الأمنيين التابعين للفرع الأوروبي من مكفي بالقول: “هناك على الأقل خمسة بلدان من المعروف أنها تسلح نفسها استعدادا لهذا الصنف من الصراعات”. هذه البلدان هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وكوريا الشمالية. مشيرا إلى أن واشنطن استخدمت أساليب قرصنة الكترونية أثناء حملتها في العراق، وهي نفس الأساليب التي تنهجها من أجل إحكام رقابتها الأمنية على الصعيد القومي. وقد رجحت مصادر أمنية في أوروبا أن يكون السبب الرئيسي لإقدام مصر خلال نهاية شهر يناير2011 على حجب الشبكة لخمسة أيام كان التمكن من فصل مواقع إستراتيجية هامة خاصة ما يتعلق بالسد العالي وشبكة الكهرباء والنظام المصرفي وغيرها ومنع استخدامها لأغراض تخريبية، وليس كما شاع في ذلك الحين من أن الهدف هو عزل المعارضين للنظام، ذلك أن شركة غوغل وفرت منافذ أخرى.

وقال داي إن ثمة أدلة على ارتفاع عدد الهجمات عبر الإنترنت يمكن تصنيفها في خانة “الاستكشاف” الممهد لصراعات في المستقبل، وإن السهولة التي تطبع عملية تجميع الوسائل التي تخاض بها هذه الحرب مثيرة للقلق الشديد. وأضاف داي قائلا إن أهداف هذا الصنف الجديد من الحروب هو البنية التحتية للأمة لأن الشبكة الإلكترونية تمتزج بحياتنا اليومية أكثر فأكثر.

ويقول كريس وايسوبال رئيس قسم التكنولوجيا في مؤسسة “فيراكود” التي تقدم المشورة للحكومات فيما يتعلق بالمسائل الأمنية، إن الحرب عبر الإنترنت تتمخض عن مشاكل من نوع مختلف خاصة فيما يتعلق بتحديد المهاجمين.

ويضيف وايسوبال موضحا: “في الحرب الميدانية من الممكن جدا أن تعرف السلاح الذي يستخدمه خصومك وكيف يستخدمونه، لكن في عالم الإنترنت تطبع هذه المهمة صعوبة عظمى”.

وعلى الرغم من أن الكثير من البلدان أخذت تحصن نفسها لمواجهة الحرب الجديدة، فإن إنشاء نظام دفاعي فعال يحتاج إلى سنوات بينما لا تتطلب هجمات الإنترنت من مدبريها سوى أشهر لتنظيمها وشنها حسب وايسوبال.

نموذج الأخطار على إسرائيل

الصعوبات التي تواجهها عمليات الحماية تحدثت عنها صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية حيث كشفت في بداية سنة 2012، أن شركة “ديغينوتار”، المختصة بتوفير الأمان لمواقع الإنترنت في إسرائيل أعلنت إفلاسها في شهر أغسطس 2011 بعد فشل أنظمتها المكلفة حيث سجلت اختراقات متعددة لموقعي جهازي الاستخبارات: “الموساد”، و”الشاباك”، ومواقع أخرى.

وأضافت الصحيفة أن المحافل العسكرية الإسرائيلية تحذر من أن أي معركة تكون إسرائيل طرفا فيها ستتأثر بالحرب الإلكترونية، مشيرة إلى أن سر تفوق الجيش الإسرائيلي التقني الهائل مقارنة مع الجيوش الأخرى في المنطقة يمثل في الوقت نفسه نقطة ضعف قاتلة في حال تم استثمارها من قبل الأعداء. وتنقل “يديعوت أحرنوت” عن هذه المحافل قولها إن توظيف التقنيات المتقدمة في زيادة فاعلية التنسيق بين أذرع الجيش الإسرائيلي وأسلحته المختلفة، يمكن أن ينغرس كسهم مرتد في جسم الجيش الإسرائيلي، لأن توظيف التقنيات المتقدمة يسهم في تمكين العدو من اختراق المنظومات العسكرية المشغلة لآلة الحرب الإسرائيلية وشلها، أو لتوجيهها لتضرب العمق الإسرائيلي.

يوم الاثنين فاتح نوفمبر 2010 وفي حديثه عن التحديات التي يواجهها جهاز الأمن الإسرائيلي، قال رئيس “الشاباك” يوفال ديسكين إن تكنولوجيا الإنترنت متوفرة للجميع وتزود بمعلومات بمستويات عالية، مشيرا بذلك، على سبيل المثال إلى “غوغل إيرث، وكاميرات الإنترنت وخدمات أجهزة آي فون الخلوية”.

وتحدث ديسكين في ما سمى بـ”المؤتمر الدولي الأول لأمن الوطن” الذي نظمه “المعهد الإسرائيلي للتصدير والتعاون الدولي” في تل أبيب، عن “المخاطر الناجمة عن الشبكة، وقال إن “الناس يتصفحون مواقع معينة، وتجري لهم عملية غسيل دماغ من قبل ناشطين، ويتلقون تعليمات لمواجهة أجهزة مثل الشاباك”. وبحسب ديسكين فإن التكنولوجيا المتوفرة تسمح لما سماه “الإرهاب” بأن يكون أكثر عولمة.

التهديد الأمني القومي المقبل

ذكرت صحيفة “نيويوركر” الأميركية أنه في جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة القوات المسلّحة في الكونغرس خلال شهر يونيو 2011، حذر وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا من خطر عمليات القرصنة الإلكترونية التي تستهدف الولايات المتحدة، ولم يستبعد آنذاك وقوع هجوم إلكتروني ضخم يعادل من حيث خطره الهجوم الياباني على ميناء “بيرل هاربور” سنة 1941. خوف بانيتا انعكس في الإستراتيجية الأميركية الجديدة، التي أقرها البنتاغون مطلع عام 2011، والتي أشارت إلى أن الأولويات العسكرية للولايات المتحدة تختلف بشكل جذري عن الأولويات التي تبنتها بعد هجمات11 سبتمبر 2003. فإلى جانب كل من الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية، اعتبرت الإستراتيجية الجديدة أن بعضا من أكبر أعداء أميركا سيكونون “القراصنة الذين سيعملون على شن الحرب الإلكترونية، فالقوات المسلحة الحديثة لا يمكنها إجراء عمليات فعالة من دون معلومات موثوقة وشبكات الاتصالات وضمان الوصول إلى الفضاء الإلكتروني”.

في صيف سنة 2011 صدر كتاب “الحرب الإلكترونية، التهديد الأمني القومي المقبل” للمستشار السابق للبيت الأبيض في مكافحة الإرهاب ريتشارد كلارك وروبرت نيك الذي يشغل منصبا رفيعا في مجلس العلاقات الخارجية، حيث حذرا من أن الولايات المتحدة قد تتعرض لهجوم إلكتروني قد يدمرها أو يشل قدرتها على الرد الفعال في غضون 15 دقيقة.

وحسب سيناريو الكتاب، فإن خدمة الإنترنت حينما تتعرض للتشويش، تثير احتمالات كارثية يمكن ان تحصل، مثل اندلاع النيران وانفجارات في مصاف النفط في فيلادلفيا وهيوستن، وتعطل المصانع الكيمياوية وانتشار غيوم من غاز “الكلور” القاتل في الجو. كما سيفاجأ مراقبو حركة الطيران بعمليات اصطدام للطائرات في الجو، وستسجل حوادث تحطم قطارات الأنفاق في نيويورك وواشنطن ولوس أنجيليس، وسيعم الظلام في أكثر من 150 مدينة أميركية، ويقضي أكثر من عشرات الآلاف من الأميركيين في هجوم لا يختلف عن الهجوم النووي، وكل ذلك يمكن أن يحصل خلال 15 دقيقة فقط وعلى يد “إرهابي” واحد فقط حسب الوصف الأميركي.

ويضيف مؤلفا الكتاب أنه رغم أن الولايات المتحدة هي التي اخترعت الإنترنت وبالتالي كان من المفترض أن تتمكن من التحكم فيها لعقود، فإن هناك ما لا يقل عن ثلاثين دولة أنشأت قدرات الحرب الإلكترونية الهجومية التي تهدف إلى زرع مختلف أنواع الفيروسات في شبكات المنشآت الأساسية مثل الجيش والأنظمة المالية للدول الأخرى، وبالتالي تفوقت على أجهزة الإدارة الأميركية.

نفس التحذير والتخوف من جر الولايات المتحدة إلى حرب إلكترونية خاسرة عبر عنه مايك ماكونل مدير الاستخبارات الأميركية السابق ونائب الرئيس التنفيذي لشركة “بوز ألين هاميلتون” للاستشارات الإستخباراتية والتقنية، وكلارك رئيس شركة استشارية في شؤون الأمن الإلكتروني، وهما يعملان عبر شركتيهما بالتنسيق مع البنتاغون.

تضخيم أم حقيقة

ينقسم الباحثون حاليا بين “مهول” بخطر الحرب الالكترونية استنادا إلى مؤشرات “حاسمة” بحصولها، فيما يبدو أن معظمها برأيه قادم من “المارد الأصفر”، وبين “مستخف” بها على قاعدة أن أميركا تلجأ إلى تضخيم هذا الخطر خدمة لمصالحها الخاصة: العسكرية والإستراتيجية والاقتصادية.

أن سنن الكون تؤكد شيخوخة الدول ثم تقلصها أو إندثارها، وأميركا ليست استثناء. فحتمية التاريخ تقول إن الإمبراطوريات في نشأتها تشبه نشأة الإنسان يمر بمراحل متعددة تنتهي به الحياة إلى الفناء.

نهاية التاريخ مثل بدايته شكلتا منظومة فكرية معقدة عند بني البشر في الأزمنة والأمكنة.


ميدل إيست

-- بقلم: عمر نجيب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*