الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإصلاح اللغوي مُضاد حيوي لفيروس التطرف

الإصلاح اللغوي مُضاد حيوي لفيروس التطرف

 لقد حَبَانا الله بنص اسمه “القرآن”. ولم يأمرنا بإعادة كتابته، معاذ الله. وإنما أمرنا سبحانه وتعالى بقراءته لكي نكون قادرين على كتابة نص الحياة المتدبر منه. والذي يحصل اليوم، من جامعة منوبة وما تسجله من اعتصام سلفي إلى

بن قردان في جنوب البلاد، بل ومن البحرين و اليمن إلى المغرب، يوحي لنا بأنّ المسلمين لكأنهم يحاولون قسرا كتابة النص الأصلي. ألا يستحون من التحايل النابع من الجهل؟ وألا يستحي خصومهم من التحايل النابع من الغرور العلموي؟
 
في سياق الإنقاذ الذاتي من هذه الكارثة أفترض أن الانضباط اللغوي والألسني مَخرجٌ ذو بال من أزمة الوجود هذه، التي نعاني من مظاهرها السلوكية، إن دينية أم علمانية. وهو مَخرج علمي وتعليمي وتربوي وثقافي قبل أن يكون مخرجا سياسيا مباشرا. ولنرَ إن كان لإصلاح التعليم معنى، سواء في الابتدائي أم في الثانوي أم في العالي، من دون أن تمتثل السلطة الإصلاحية لمنظومةٍ مكتملة لعقل لغوي أصيل.
 
لننظر مثلا إلى الوضع السياسي العام في بلاد الإسلام قبل الطفرة البترولية لسنة 1973 وبعدها (أعتبر هذا الحدث نقطة تحول خطيرة ومركزية في مسار الدولة في بلاد المسلمين). سنلاحظ أنّ الحقبة القبْلية اتسمت ببناء الدولة الحديثة وبتشييد المؤسسات وعلى رأسها المؤسسة التربوية بينما اتسمت الحقبة البَعدية بتسخير الدولة المبنية على أسس وطنية، والمؤسسة التربوية المشيّدة على أيدي مناضلين أكفاء، لأجل خدمة الاقتصاد المعتاش في الداخل والاقتصاد الامبريالي في الخارج. تلك كانت الصيغة التي ساهم كل من الغرب الغاضب (مِن “الهزيمة” النفطية) والشرق الخليجي (الغانم مؤقتا من “هزيمة” الغرب) في نسجها بكل وقاحة.
 
إذن منذ زمن الوهم البترولي بدأت الأزمات العربية تنخر المجتمع، إلى أن كشرَ الذئب عن أنيابه (تونس وحدها عرفت أزمتين اثنتين من العيار الثقيل، مرة في سنة 1978 ومرة في سنة 1984). وما بدأ في الانهيار حينئذ كنتيجة مباشرة لعقيدة الوهم ليس الاقتصاد (الليبرالي المنفلت) الذي استعملته قوى التغوّل الداخلية والخارجية لمساومة للشعب، صاحبِ الثروات وسلاح النفط، ولغاية تركيعه. إنما الذي انهار للتوّ هو البناء التربوي القبْلي لحرب النفط وعلى رأسه المنظومة اللغوية العامة.أمّا خسارة النمط الاقتصادي المفلس فأُرجِئت إلى وقت لاحق. وها نحن شاهدون الآن في تونس ومصر وليبيا وسوريا على التحقيق شبه الكلي لهاته الخسارة.
 
لقد درّستُ في بعض الثانويات في تونس وفي الخليج العربي ولم أرَ أداءً لغويا أتعس مما رأيت في الثمانينات. وبحكم احتكاكي بالعديد من الزملاء الذين يُدَرسون بالمؤسسات “العادية”، ازددتُ يقينا من استدامة التدهور الكلامي في التسعينات وفي الألفينات، إلى اليوم. عدا ربما “المعاهد النموذجية” (مدارس النخبة التلمذية) في تونس أين لي تجربة طويلة. لكنّ هذا الاستثناء دليلٌ آخر على استفحال العلة لا تنصّلا من وجودها. حيث إنّ الأداء اللغوي الجيّد في مثل هذه المؤسسات التربوية يسيرُ اليد في اليد وبخطى حثيثة مع هجرة الأدمغة.
 
وهل أقوى من هذا برهانا على تبعية الاستطاعة اللغوية المحلية إلى الاقتصاد العالمي الفاسد؟ أليس هذا دليلا كافيا على تثبيت الاقتصاد الريعي في مجتمعاتنا بالتوازي مع وأد العقل حتى لا يقاومه وحتى لا يعي بضرورة إيجاد البديل له؟ لكأنّ التحالف الشيطاني، المحلي والأجنبي، يقول لهؤلاء الطلبة المتميزين: “ها أنتم نَجَوتُم من الموت اللغوي. لكن هيهات، ستدفعون ثمن ذلك بدعمكم المباشر لليبرالية المتوحشة، إن في عقر دارها أم في دياركم أنتم بالذات”.
 
هكذا كانت التُّربة الثقافية للتونسي وللعربي عموما مهيأة لزراعة كل أصناف التحجر والتطرف. وما التطرف الديني الذي نعيشه اليوم باسم الحرية والانتقال الديمقراطي، إلا الوجه الخفي لألوان عدة من الإخفاقات، وفي مقدمتها الإخفاق اللغوي. كما أنّ “السرطان الآخر”، وهو التطرف العلماني الحداثي، جنيسٌ للسرطان الظاهر (الديني)، بما هو نتاج أيضا لتلكم الإخفاقات.
 
إنّ هذا التطرفَ ذا الرأسين هو المرحلة الأخيرة والحاسمة، مرحلة حصاد ما زُرع. وليس الدين مسؤولا عن رداءة الحصاد بقدر ما أنّ المسؤول هو غياب التجديد الديني، وغياب الإصلاح اللغوي المفترض أن يعاضده. وليست الحداثة أيضا مسؤولة عن فساد المحصول بقدر ما يُعتبر غيابُ تأصيلها في العقل اللغوي وفي الثقافة الوجهَ الآخر للفريضة الغائبة.
 
هكذا حدثَ الانتحار اللغوي، المُلازم للانفجار الديني. بينما في الأصل يُراد من اللغة أن تكون السند الرئيس للتوازن الديني (والروحي) والعقلي. أما الشرط في ذلك فهو حفاظ اللغة على استقلاليتها عن كل إيديولوجيا. بينما الذي حدثَ، كما قدمنا أنفا، أن استأثرت إيديولوجيا الاقتصاد (العولمة) باللغة. فاللغة بحدّ ذاتها إيديولوجيا، والذي حدث لمّا احتوَتها إيديولوجيا غير لغوية أن انهارت اللغة نفسها. وانهارت معها المنظومة التعبدية المترابطة بها عضويا، بالموازاة مع العقلانية. هكذا خسر العرب لغتهم العربية وسائر اللغات التي أوهَموا أنفسهم بأنهم يتعلمونها، وخسروا الأهلية للتعبير الإيجابي أي العقلاني عن الإسلام.
 
لهذه الأسباب أرى أنّ الحل اللغوي، مع أنه يبدو سحريا، فهو واقعيّ وضامن للإصلاح، إن دينيا أم عقليا، لكنه باهض الثمن. وما على النخب السياسية الجديدة، الحاكمة والموازية والمعارضة، في تونس وفي مصر وفي كل بلد عربي متحرر من الاستبداد، إلا أن تدرج خطة لاسترداد ما خسره الشعب من أموال طائلة، لكي تضخها أين كان ينبغي أن تُضخ من الأول، ألا وهي التربية والتعليم عموما وتعليم اللغات على وجه الخصوص، وبعنوان الطوارئ.
 
الأحرى في نهاية المطاف أن تتحلى النخب العلمية بعقيدة الانضباط اللغوي كحصانة من كل تطرف وضمان للصرامة العقلية. والسبب أنّ الشعب “يريد” طفرة لغوية كي يتخلص من اللغو المؤدي إلى التطرف والهلاك، والمجتمع بحاجة إلى كتابة النص الإنساني المتدبر من الإسلام.

===

موقع التجديد العربي

-- محمد الحمّار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*