الرئيسة | الركن الإعلامي | متابعات وتحليلات | العوامية... الحدث والحديث
السكينة

العوامية... الحدث والحديث

مقاس الخط: Decrease font Enlarge font Enlarge font
العوامية... الحدث والحديث

ما جرى في بلدة العوامية بمحافظة القطيف من أحداث عنف قد تقع في كافة دول العالم دون استثناء، بل وفي أكثرها استقرارا ورفاه وحرية، ولعل أحداث لندن الأخيرة شاهدا على ذلك، إلا إن ما تتميز به بعض الدول عن غيرها هو في قدرتها على النقد الذاتي ودراسة أسباب هذه المشكلة أو تلك،

وتتبع جذورها الاجتماعية والاقتصادية، فعندما أخفقت إسرائيل في حرب لبنان 2006 عمدت الحكومة الإسرائيلية وعلى أعلى المستويات إلى دراسة أسباب الإخفاق من جميع الجهات، وتمت محاسبة عدد من المسئولين السياسيين والعسكريين، وبدأت إسرائيل بناء على نتائج التحقيقات والتقارير والدراسات العسكرية والسياسية بتدارك نقاط الضعف والإخفاق ورصد مبالغ ضخمة لتحديث جيشها وتدريبه على حرب شبيهة بحرب 2006 ومحاكاة حرب شاملة على ثلاث جبهات مرة واحدة وبتوافق مع احدث المعلومات الاستخبارية عن أسلحة حزب الله وسوريا وإيران
 
إن ما نحتاجه في بلادنا هو دراسة أسباب العنف وتصاعد وتيرته في بعض المناطق والمحافظات والمثال هنا العوامية، إذ لا تكفي على نحو الإطلاق المعالجات الأمنية التقليدية، لأنها بكل بساطة لن تنتزع المشكلة من جذورها الضاربة في الأعماق بل ستزيل مؤقتا أثارها لتعود بالظهور مجددا حال توافر المناخ المناسب لنموها.
 
إن بلدة العوامية بحاجة كغيرها من مدن المملكة للتنمية المستدامة في جوانبها الحضرية والخدمية والبشرية، إلا أنها كمنطقة شهدت اضطرابات خلال الفترات السابقة بحاجة أكثر إلى الاهتمام، فالوطن كالجسد إذا ما عانى عضو معين منه من كثرة السقم وجب الاهتمام به أكثر من غيره لكيلا يعود إليه المرض مجددا، ولكي يصبح بنفس مستوى بقية أجهزة الجسم الأخرى صحة وقوة.
 
إن العوامية جزء من محافظة القطيف، والقطيف محافظة مستقرة وهادئة بشكل عام، ومستوى الجريمة فيها منخفض بشكل عام، إلا إن ضاحيتها العوامية تعتبر الأعلى في معدلات العنف والجريمة ما بين مدن ومناطق القطيف كافة، فقد شهدت البلدة خلال السنوات الماضية الكثير من حوادث العنف الجنائي والأمني، وقد تم إلقاء القبض على المتورطين في هذه الحوادث، إلا إن هذا لا يكفي على كل حال، إذ لا بد من القيام بدراسات موسعة ومعمقة لأسباب ارتفاع معدلات العنف والجريمة بأنواعها في هذه البلدة الساحلية، ومن ثم البدء في تنفيذ خطة شاملة بالتعاون مع المؤسسات المحلية داخل البلدة وخارجها بهدف تخفيض معدلات العنف والجريمة، بما يحقق الأمن والاستقرار للدولة والمجتمع.
 
في هذا الإطار يستحضرنا مثالا قريبا جدا وهو أحداث ماسبيرو بالقاهرة، فبعد الاشتباكات الدامية ما بين المتظاهرين المصريين وقوات الجيش والأمن بدأت الحكومة المصرية بالإعداد لقانون ينظم وضع دور العبادة التي بنيت من دون ترخيص حتى تتجنب مصر وقوع أحداث مدمرة أخرى، ولو أن الحكومة المصرية تركت أساس المشكلة دون حل واطمأنت للحلول الأمنية لكانت احتمالات تفجر مواجهات مشابهة كبيرة جدا بما يؤثر سلبا على الهدف الأساسي لمصر في المرحلة الراهنة والمتمثل في الاستقرار التام للبلاد وتحقيق أهداف ثورة 25 يناير وتجاوز الفترة الانتقالية.
 
وتبرز التجربة الألمانية كمثال بارزا، فبعد انهيار النظام الهتلري وقيام نظام ديمقراطي في ألمانيا الغربية ونجاح خطط التنمية الإستراتيجية تضاءلت إلى حد بعيد التيارات النازية المتطرفة، وأصبحت تيارات مرفوضة من قبل الرأي العام الألماني، وهذا ما تحتاجه كافة المجتمعات التي تجتاحها موجات العنف والتطرف والإرهاب بشكل عام، فالتنمية الاقتصادية والبشرية والاهتمام بالخدمات العامة يساهم بشكل فعال في امتصاص الظواهر العنفية وثقافة الكراهية، ويدفع نحو تكوين علاقة ايجابية ما بين المواطنين وإدارتهم الوطنية.
 
إن وضع العصا في اليد اليسرى دون أن تكون هناك جزرة في اليد الأخرى في إطار إستراتجية تكاملية لمعالجة الظواهر الخطيرة كالعنف والإرهاب والتطرف سيؤدي إلى تفاقم الوضع وزيادة الاحتقان، وستكون المحصلة زيادة وتيرة هذه الظواهر لتصل بالمجتمع إلى طريق مسدود، فالعصا والجزرة زاويتان لحل متكامل في إطار سياسة حكيمة لمكافحة الأمراض الاجتماعية، فالسجن مثلا يجب إن يتخذ مؤسسة لإعادة بناء الإنسان إضافة إلى اعتباره مقرا للعقاب والردع، وفي بلدة كالعوامية تبرز عدة أمثلة ظريفة في هذا الشأن، منها انه قبل عدة سنوات شن جهاز الشرطة حملة واسعة على الدراجات النارية فصودرت المئات منها، وكادت تقع أعمال عنف ما بين شباب الدراجات النارية ورجال الشرطة، الذين كانوا يطبقون قانون لا جدال في صحته وأهميته، فقيادة الدراجات الغير نظامية خطر محدق بالكثير من الفئات الاجتماعية خاصة النساء والأطفال، علاوة على إمكانية استخدامها في ارتكاب العديد من الجرائم، إلا انه وفي نفس الوقت كان الأحرى بإدارة الشرطة القيام بحملة إعلامية لتوعية الجمهور (خاصة من الشباب) بقانون قيادة الدراجات النارية وأهمية الالتزام به، وان ارتداء خوذة الرأس ووجود لوحات رسمية على الدراجة وتسجيلها لدى أداة المرور يصب في مصلحة سائقي الدراجات ومصلحة المجتمع وأمنه بشكل عام، وقيام إدارة المرور من جهتها بتفعيل وتطوير قانون قيادة الدراجات النارية، علاوة على وضع قيود صارمة على بيع الدراجات الغير مسجلة لكي لا تستخدم في أعمال عنف أو مخالفة للقانون، ومنع بيع الدراجات الغير مطابقة للمواصفات المحلية، من ناحية أخرى كان من المفترض توفير متنفس للشباب من خلال النوادي وغيرها لممارسة هواية قيادة الدراجات النارية، ولكن كل هذا لم يحدث! وكل ما فعلته إدارة الشرطة هو المنع والمصادرة دون توفير بدائل تكون متنفسا لطاقات ومهارات هؤلاء الشبان.
 
إن التنمية المستديمة والتواصل الايجابي مع المجتمع، خاصة فئة الشباب، عبر قنوات اتصال مفتوحة ومرنة، وإيجاد برامج تنمية دائمة، والاستثمار الخلاق للبيئة المحلية بكل ما تحمله من إمكانيات سيساهم في استقطاب الشباب وضخ طاقاتهم في التنمية والاستفادة من مهاراتهم في الإنتاج والبناء، وفي غير ذلك فان هذه الطاقات ستظل طريقها لنجدها في نهاية الأمر تحت إمرة قوى متطرفة تسعى نحو تحقيق أهداف عدوانية وغير واقعية سيقع الجميع ضحيتها في نهاية الأمر.

----

 موقع التجديد العربي

رابط الموضوع :
http://www.assakina.com/news/news1/12422.html

اشترك في متابعة التعليقات التعليقات (0 مشاركة)

المجموع: | العرض:

اكتب تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote
  • ارسل إلى صديق ارسل إلى صديق
  • طباعة الصفحة طباعة الصفحة
  • نسخة نصية نسخة نصية
  • PDF file حفظ بصيغة PDF
  • Word file حفظ بصيغة WORD
  • اضف إلى المفضلة اضف إلى المفضلة

تقييم الموضوع

0

الكلمات الدليلية:

لايوجد كلمات دليلية في هذا الموضوع