الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » نضوب منابع تمويل القاعدة

نضوب منابع تمويل القاعدة

عندما وصل الدكتور أيمن الظواهري في يونيو 2011 إلى قيادة تنظيم القاعدة خلفاً لزعيمه المقتول أسامة بن لادن كان واضحاً أن مهمته ستكون على الأرجح شاقة في إعادة بناء تنظيم يعاني نزفاً حاداً في قدراته البشرية بسبب الضربات التي يتعرض لها في مناطق الحدود الأفغانية – الباكستانية على وجه الخصوص.

كما كان واضحاً أن على الظواهري إيجاد حل لإشكالية ثورات الربيع العربي التي أظهرت أن الشارع العربي في غالبيته لا يؤيد أساليب القاعدة في التغيير العنيف، وأنه لا يبدو مقتنعاً أيضاً بتبريرات القاعدة لمهاجمة الغرب، خصوصاً أن هذا الغرب تحديداً هو من وقف إلى جانب الشعوب العربية في رغبتها في تغيير أنظمتها.

والآن يبدو أن على الظواهري إيجاد حل لإشكالية أخرى الأرجح أنها بدأت قبل سنوات، لكنها ربما تكون قد اشتدت الآن بعد مقتل بن لادن في مدينة أبوت آباد الباكستانية في مايو 2011: النقص في أموال التبرعات.

لكن بعد مرور تسعة أشهر على مقتل زعيم القاعدة، لم يتم حتى اليوم تنفيذ أي هجوم انتقامي، وهو أمر قد يكون مرتبطاً في حقيقة الأمر بعدم قدرة التنظيم على شن عمليات حالياً أو عدم جاهزيته لها بعد. كما أن الأمر قد يكون مرتبطاً أيضاً بوعي أجهزة الأمن المختلفة في الدول الغربية والعربية-الإسلامية لتفادي تنفيذ هجمات محتملة.

وإضافة إلى كل هذه الاحتمالات قد يكون هناك سبب آخر يؤخر أو يعرقل تنفيذ الهجمات ألا وهو نقص أموال التبرعات التي يتلقاها تنظيم القاعدة وهو أمر ربما أثّر في قدرته على توفير التحضيرات الضرورية لأي عمليات ضخمة لابد وأن تكلّف كميات كبيرة من الأموال، إضافة إلى العناصر الذين يجب تجنيدهم وتدريبهم للقيام بها.

نقص أموال التبرعات ليس بالشيء الجديد

ونقص أموال التبرعات للقاعدة في وزيرستان ليست في واقع الأمر بالشيء الجديد، إذ تواترت أنباء عنها منذ سنوات. وقد عبّر عنها صراحة الدكتور الظواهري في إحدى رسائله إلى زعيم فرع القاعدة في العراق أبي مصعب الزرقاوي في يونيو 2005.

وطلب الظواهري من الزرقاوي إرسال كميات من الأموال (100 ألف دولار) لقيادة التنظيم. وكان الظواهري يشير في رسالته إلى انقطاع خطوط الإمداد المالي للقاعدة بعد اعتقال القيادي فيها “أبي الفرج الليبي” على رغم أنه وصفها بأنها “جيدة” عموما، ما يعني أن بعض الأموال كانت ما زالت تصل إلى القاعدة في وزيرستان آنذاك.

وليس واضحاً ما إذا كانت التبرعات التي تُرسل في الغالب إلى القاعدة من مؤيدين لها في دول الخليج قد شهدت مزيداً من التراجع أم أنها تحسنت في السنوات التي تلت رسالة الظواهري إلى الزرقاوي. لكن المعلومات التي تأتي حالياً من وزيرستان لا توحي بأن التنظيم يشهد تحسناً في أوضاعه، ميدانياً أو مادياً.

فقد نُقل عن ناشط أفغاني كان يقاتل إلى جانب القاعدة أن وجودها قد تقلّص كثيراً في وزيرستان بحيث بات لا يتعدى بضع عشرات. وقال الشاب الأفغاني ويدعى حافظ حنيف في مقابلة مع مجلة نيوزويك نشرت في الثاني من يناير الجاري، إنه أراد الاطمئنان إلى مجموعة من القاعدة اختفت أخبارها منذ مقتل بن لادن فوجدها في حال مزرية بحيث تناقص عدد أفرادها إلى درجة كبيرة.

وفي حين يقول حنيف إن “المال مشكلة أكبر (للقاعدة) من نقص عدد الأفراد”، يتحدث عمّ هذا المقاتل الأفغاني للمجلة عن معلومات من مصادره تؤكد أن أموال التبرعات للتنظيم قد نضبت الآن بعدما كانت تُقدّر بملايين الدولارات كل سنة من تبرعات خليجيين.

أموال المتبرعين تذهب إلى قضايا أخرى

والظاهر أن أموال المتبرعين باتت تذهب اليوم إلى قضايا أخرى غير قيادة القاعدة التي تبدو مهمشة ومعزولة في مخابئها في وزيرستان. ويقول عم حنيف إنه يعتقد “أن الشعب العربي يفكّر اليوم في أن القتال يجب أن يكون سياسياً على أرض الوطن وليس إرهاباً موجهاً ضد الغرب… إن الكفاح السلمي في الشارع العربي حقق أكثر من كل ما قام به بن لادن والظواهري”.
وإذا صحت هذه المعلومات الأفغانية عن نضوب أموال القاعدة، فإن ذلك يعزز الانطباع الذي بات يتكوّن على نطاق واسع في شأن أن التنظيم يواجه خطر الانتهاء كقوة فاعلة كما كان حاله في أفغانستان خلال السنوات التي سبقت هجمات 11 سبتمبر عام 2001.

وقد تعززت هذه الصورة على وجه الخصوص بعد بدء الربيع العربي ثم بعد مقتل بن لادن، وما رافق ذلك من تأكيدات لفقدان القاعدة عدداً كبيراً من قادتها وعناصرها في ضربات جوية ومواجهات مع القوات الباكستانية.

وأشار تقرير نيوزويك الإخباري في هذا المجال إلى أنه لم يعد للقاعدة في مناطق الحدود الأفغانية – الباكستانية سوى بضع عشرات من العناصر – أبرزهم بلا شك الظواهري و أبو يحيى الليبي – بعدما كانوا مئات في السابق. وهذا العدد المحدود جداً من العناصر يؤكد هامشية الدور الميداني الذي تقوم به القاعدة هناك، بحيث أن المواجهات يخوضها فرعا طالبان في أفغانستان وباكستان ضد حكومتي هذين البلدين والقوات الغربية.

لا تعني كل هذه المشاكل التي يواجهها تنظيم القاعدة في وزيرستان أن التنظيم قد انتهى كلياً. بل إنه قد ينجح بالفعل في تنفيذ هجوم انتقامي لمقتل بن لادن، بحسب ما وعد قادته الجدد. لكن حتى ولو نجحت القاعدة في توجيه أي ضربة انتقامية، فإن ذلك لا يعني على الأرجح تغييراً جوهرياً في أوضاعها إذا ما استمر النقص في العناصر وشح الأموال والتهميش الذي يجد التنظيم نفسه في وسطه في خضم ثورات الربيع العربي، السلمية في غالبيتها.

-- راجح سعيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*