الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مشكلة المعارضة في سوريا!

مشكلة المعارضة في سوريا!

دخلت المعارضة السورية في دائرة النقد منذ بداية الأحداث في مارس (آذار) الماضي، بل الأمر كان كذلك قبل الأحداث، لكن الأحداث جعلت نقد المعارضة بين أكثر الأمور السورية سخونة، وشاركت أطراف كثيرة في نقد المعارضة، بحيث لم يقتصر الأمر على نقد السلطة، التي استغلت الأحداث لتحمل المعارضة مسؤولية بعض ما يحدث، وتسوق ضدها الاتهامات، وذلك قبل أن ينخرط الحراك الشعبي في عملية نقد للمعارضة، أساسها القول بتقصير المعارضة عن القيام بدور نشط وفاعل في الأحداث الجارية، فيما شاركت جماعات وأحزاب المعارضة في تلك العملية من خلال الانتقادات والهجمات المتبادلة بين أطرافها، خاصة لجهة التركيز على أمرين أساسيين هما موضوع الحوار مع النظام وموضوع التدخل الدولي، وإن لم يقتصر الجدال وكذلك الاتهامات على هذين الأمرين، بل تجاوزهما إلى أمور وتفاصيل أخرى.

ولعله لا يحتاج إلى تأكيد، قول إن المعارضة السورية بكل جماعاتها وتكويناتها، تستحق النقد من زوايا مختلفة، سواء بسبب خلفياتها الفكرية والسياسية، أو نتيجة تكويناتها التنظيمية وعلاقاتها، أو بسبب سياساتها ومواقفها، وربما للأسباب السابقة جميعها مضافا إليها أسباب وحيثيات أخرى.

لكن نقد المعارضة لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار رحلتها الطويلة في ظل أنظمة الاستبداد التي شهدتها سوريا منذ أواخر الخمسينات، والتي جعلت العمل السياسي أشبه بعمل استشهادي؛ ليس فقط بسبب حظر الجماعات السياسية وملاحقتها وهو أمر كان سائدا طوال العقود الستة الماضية، بل أيضا نتيجة قيام السلطات بتدمير الفكر السياسي، وتهميش ما بقي قائما منه، ومحاربة الشخصيات السياسية، واحتقار السياسة، التي تعني بصورة مكثفة علم وفن إدارة المجتمعات البشرية، في حين كانت السلطات ترى أن إدارة البلاد تتم بواسطة القبضة البوليسية مع استعمال سياسة العصا والجزرة في بعض الأحيان، حيث يجبر الناس على الطاعة بالقوة أو بالرشوة التي يمكن أن يقدم النظام فتاتها حصرا.

لقد تركت الظروف الاستثنائية بصماتها الثقيلة على المعارضة بأحزابها وتكويناتها، وأضافت إلى المشاكل الآيديولوجية والسياسية والتنظيمية أعباء أخرى، ولم تستطع التضحيات والجهود التي بذلتها المعارضة في مواجهة الاستبداد والقمع البوليسي، إحداث أي تغييرات مهمة في المستويات الداخلية أو الشعبية أو على المستوى الوطني العام، وجل ما تم فعله، أن استطاعت المعارضة الإبقاء على وجود ضعيف لها داخل البلاد، فيما بقي للبعض منها في الخارج وجود رمزي ليس أكثر.

غير أن تطورات الأحداث في الأشهر الماضية، تركت آثارها القوية، ليس على المعارضة فحسب. إنما على الحياة السياسية والوطنية، فاستعادت أحزاب معارضة حضورها، وتم تأسيس جماعات جديدة في الداخل والخارج، ونشطت شخصيات في العمل العام للمرة الأولى ولا سيما في الخارج، فيما كان الحراك الشعبي يخلق أطرا عملية وسياسية، ويطور نشاطاته، ويدفع بشخصيات لجعلها واجهة سياسية له، وكله جرى في سياق حركة أعادت السياسة للمجتمع والأخير للسياسة، وهو ما لم تشهده البلاد على هذا المستوى في تاريخها الحديث والمعاصر.

لقد بدا من الطبيعي مع انفجار الثورة، أن يظهر الارتباك على السوريين في النظام والمعارضة داخل البلاد وخارجها، بل وعلى الحراك الشعبي ذاته، لأن الجميع فوجئ ليس بما حدث فقط، بل بحجمه ومحتوياته وبقدرته الهائلة على الاستمرار رغم كل الظروف. وبدا من الطبيعي، أن يسعى كل طرف لإقامة توافقاته مع الأوضاع المستجدة، وفي الوقت الذي كان على المعارضة القيام بمثل تلك الخطوات عبر تغييرات جوهرية، تشمل خلفياتها الفكرية والسياسية، وتكويناتها التنظيمية وعلاقاتها، وسياساتها ومواقفها لتتوافق مع ثورة السوريين، فقد بدا أن ما تم القيام به أقل من المطلوب بكثير، والأهم فيه تمثل في نقطتين؛ الأولى مشاركة محدودة لأجزاء وشخصيات من تلك الجماعات في الحراك الشعبي، وهو سلوك لم يكن متوافقا مع مواقف قيادات تلك الأحزاب في غالب الأحيان. والنقطة الثانية، بناء تحالفات هدفها تعزيز مكانة الجماعات والأحزاب في الحراك السوري العام، وجاء في سياق ذلك قيام هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الوطني الديمقراطي أولا، ثم المجلس الوطني السوري، وثالثا المجلس الوطني الكردي في سوريا.

وإذ عززت المجريات السياسية العامة في سوريا مطالبات الحراك الشعبي وإلحاحه على ضرورة مضي المعارضة في القيام بدورها في قيادة الحراك الشعبي وتمثيله من الناحيتين السياسية والعملية، فقد عجزت عن تحقيق ذلك، ليس فقط بفشلها في تحقيق «وحدة» أو «تقارب سياسي» وبرنامجي، وارتكبت أخطاء كبيرة، إذ سجلت هيئة التنسيق غيابا غير مفسر ولا مبرر في مواكبة الحراك وطروحاته، بينما اكتفى المجلس الوطني بترداد شعارات ومطالب المظاهرات دون أن يرسم لها إطارات تنفيذية تعطيها قوة وزخما، وذهب المجلس الوطني الكردي باتجاه مساومات مع التحالفين بهدف الانضمام إلى أحدهما في حال أعطاه شروطا أحسن للمشاركة.

إن الواقع الحالي لكتل المعارضة الثلاث، يكشف مشكلتها ومأزقها في التعاطي مع الحياة السورية ومع الثورة بصورة خاصة، وهذا يعني أن الوضع أمام واحد من احتمالين؛ الأول يتطلب قيام المعارضة أو جزء فاعل منها بإجراء تغييرات جوهرية في بناه وسلوكياته السياسية من شأنها إحداث نقلة جوهرية في مكانة وسياسة وتأثير المعارضة في الحياة السورية، وثاني الاحتمالين أساسه الفشل في حدوث هكذا تحول، مما يفرض بصورة بديهية التوجه نحو إنشاء تيار جديد للمعارضة وفق أسس جديدة، تقوم على احتياجات الحياة السورية وشروطها الراهنة والمستقبلية، وهذا هو الأرجح في احتمال تجاوز مشكلة المعارضة السورية.
—–
نقلاً عن الشرق الأوسط

-- فايز سارة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*