السبت , 10 ديسمبر 2016

واسطة العقد العربي

 تناولت كثير من الأقلام هذه الأيام الثورة السورية بشكل مكثف، ربما لأنه لم تحظ ثورة بدعم شعبي عربي عام كما حظيت هذه الثورة، إلا أن البعد التاريخي كان غائبا عن أذهان الكثير نتيجة للحضور القوي للبعد المذهبي رغم ارتباط

هذا البعد بشكل طبيعي بالعوامل التاريخيية بشكل كبير لا سيما لقطر ذي جذور تاريخية وحضارية عظيمة كسوريا سواء في التاريخ القديم أو الوسيط والحديث. وما يهمنا من التاريخ هنا هو التاريخ الوسيط والحديث وليس التاريخ الآرامي والآشوري القديم.

بدأت الحضارة الإسلامية من مكة والمدينة وما لبثت أن انتقلت للعراق والشام، واستمر هذا المثلث الإسلامي في إبداع الحضارة الإسلامية حتى توسعت وشملت مصر وغيرها من الأمصار الأخرى. والشام وهي غير سوريا بالطبع، ولكن سوريا جزء منها، كانت مقصد رحلة الصيف التي كان يقوم بها إيلاف قريش، ولها شد الرسول عليه الصلاة والسلام الرحال للاتجار بأموال زوجته الأولى خديجة، مما يدلل على الحضور الاقتصادي لهذا الإقليم. ولذا انتقلت الخلافة الإسلامية لها وأصبحت دمشق حصن الخلافة الأموية السنية التي قابلتها الخلافة العباسية الشيعية في بغداد فيما بعد. وبعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى تنازلت عن جميع الأمصار العربية إلا بلاد الشام التي كانت تعد سلة القمح التركي. ومعظم سكان الشام قبائل لها تواصل كبير بالجزيرة العربية، وجذور عرقية بها، وبها أيضا أقليات كردية وتركمانية، وهذا ما يشكل الأهمية المركزية للشام بالنسبة لجميع الدول المحيطة به.

أما سوريا فكانت تمتد لرقعة واسعة تصل حتى الموصل وتشمل أربع دول منها لبنان وفلسطين والأردن وأجزاء من العراق، ولكنها قسمت حسب معاهدة سايكس بيكو في عام 1916م تمهيدا لاستعمارها، وكانت هذه المعاهد مقدمة لتغير التوازنات السياسية والعرقية في هذا البلد الإستراتيجي العربي، فسعت فرنسا لإنشاء وطن مسيحي مرتبط بها في لبنان، وقرضت تركيا أجزاء من السواحل السورية الشمالية، ومنحت فلسطين وطنا قوميا لليهود. وهدفت القوى الاستعمارية بهذا التقسيم إلى إضعاف سوريا للأبد وإبقاء بيت المقدس في يد اليهود والمسيحيين.

أما فيما يتعلق بالبعد المذهبي، فالشيعة كانوا متواجدين منذ القدم في جبل عامل وهي منطقة الجنوب اللبناني حاليا وتمتد إلى بعض جبال سوريا، ويقال أن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أسهم في تشيع هذه المنطقة بعدما نفاه معاوية بن أبي سفيان لها. أما العلويون فشكلوا فرقة شيعية مختلفة نوع ما وجدت في جبال الساحل السوري، وأرياف حمص واللاذقية، وتزعم الفرقتان أنهما تعرضتا للاضطهاد من الدولة العثمانية السنية، وهم يشتركون في ذلك مع مسيحي لبنان. ولذلك لم يعرف للعلويين أي تاريخ جهادي ضد الصليبيين أو ضد المحتل الفرنسي، وتذكر بعض المصادر أن الكثير منهم انخرطوا في الجيش الفرنسي إبان الاحتلال الفرنسي لسوريا، واحتضنتهم فرنسا مثلما احتضنت مسيحيي لبنان، إذا إنهم غالبا ما يبنون قوتهم كأقلية على التحالف مع القوى الأجنبية، وربما يحمل هذا تفسيرا لتحالفهم مع إيرن مؤخرا.

أما إيران فكانت دولة متعددة المذاهب، ويغلب عليها الطابع السني حتى القرن السادس عشر وتحديدا بين الأعوام 1500-1700م. وبدأ التشيع فيها بعدما تبنى الشاه إسماعيل شاه الصفوى لهذا المذهب وتعميمه على مختلف الأمصار الإيرانية، ويقال إن علماء شيعة من جبل عامل أسهموا كثيرا في تشيع هذا الملك؛ ومن تاريخه امتزجت القومية الصفوية بالمذهب الشيعي، وتحصنت به ضد القوة السنية العثمانية الصاعدة في تركيا، وبقي الصراع الصفوي مستمرا طيلة عمر الخلافة السنية في الباب العالي في إسطنبول. ومعروف أن الثقافة الفرسية الأصل محدودة الامتداد قوميا، وهي تدعى جذور آرية، ولذلك وجدت في الامتداد المذهبي وسيلة تعويض للتوسع الذي لم يكن ممكنا عرقيا، أو قومياً.

تولى حافظ الأسد الحكم في عام 1970م إثر خسارة الحرب مع إسرائيل في عام 1967م واستسلام جبهة الجولان وخاصة منطقة القنيطرة بدون طلقة نار واحدة بخيانة أعدم على أثرها جاسوس إسرائيلي كان متنفذا في الجيش السوري، ولم يكشف عن طبيعة هذه الخيانة حتى يومنا هذا. ولم يكن للعلويين، وهم أقلية في سوريا، أن يحكموا هذا القطر الواسع والمتعدد الطوائف إلا من خلال طرح قومي يبعد عنهم الصفة المذهبية، ولذلك تبنوا الإيدلوجية البعثية مثلما تبنت الأقلية السنية العربية في العراق الإيدلوجية ذاتها في حكم العراق برمته. وبينما حارب العراق العربي، المحكوم سنيا، إيران الفارسية المتلبسة بالمذهبية الشيعية، فضل العلويون، مثلما كانوا طيلة تاريخهم مهادنة القوى الأجنبية مثل إسرائيل في السر وعدائها في العلن فقط رغم احتلالها جزء من أراضيهم، فجبهتهم الحقيقية كانت جبهة داخلية مع غالبية الشعب المختلف معهم، وليس مع الاحتلال السوري.

غير أن جميع هذه المعادلات انقلبت بعيد حرب الخليج الأولى حيث تخلصت إيران من عدوها التقليدي وتفرغت لتحالفات أخرى تمهد لها التمدد غربا بعد فشل محاولاتها التمدد شرقا، وكان من الطبيعي أن يكون ذلك في جبل عامل، وفي سوريا العدوة التقليدية للعراق، التي تحكمها طائفة شيعية. وبينما كان التحالف الإيراني الشيعي قويا في جنوب لبنان، لم يكن بالقوة ذاتها في سوريا ذات الأغلبية السنية. فالمذهبية التي أججتها إيران في العراق لصالحها، امتدت لسوريا عكس مصالحها. وازداد الوضع في سوريا تأزما خصوصا في ظل البطش العسكري، والفساد الإداري، وبقيت سوريا، واسطة العقد في الهلال الشيعي كما وصفه ملك الأردن الملك عبدالله، أضعف مما كان يعتقد من قبل الكثير من المحللين، فالعوامل التاريخية ذاتها عملت ضد إيران في سوريا، والفعل الإيراني الشيعي في العراق، وسوريا، وجنوب لبنان، أفرز رد فعل سني مكافئ له في القوة، وكانت المسألة مسألة وقت فقط، وبرميل البارود السوري يحتاج لفتيل يمتد له، وكان ذلك الفتيل الربيع العربي.

سوريا تشكل واسطة العقد العربي قوميا أيضا، وهي معروفة بتاريخها العربي الفاعل الذي شوهته القوى العلوية بإلباسه لباس بعثي في ظاهره طائفي في عمقه. ولذلك فمن الطبيعي تاريخيا أن ترفض سوريا الهيمنة الإيرانية بالقوة ذاتها التي رفضت بها الهيمنة الإسرائيلية. وليس بعيد عن الحقيقة، الوصف الذي يتداوله البعض عن وجود استعمار داخلي سوري، وهو ما يفسره البطش غير المسبوق من قبل جيش سوريا العلوي في سكانها من المذاهب والأقليات الأخرى.

خروج إيران من سوريا سيكون ليس فقط بداية النهاية للتسيس المذهبي في جنوب لبنان في شكل حزب الله، بل ربما يمثل نهاية لحكم الملالي في إيران ذاتها، لا سيما وأن الشكوك في إيران ذاتها بدأت تحيط بجدوى حاكمية ولاية الفقيه ليس لأن الأغلبية الشيعية لا تؤمن ذلك مذهبيا وغيبيا، ولكن لأن من يمثل الولي الفقيه في إيران فعليا اليوم لم يجلب لإيران إلا الخراب والجوع والفقر. وتعلق إيران بإنتاج سلاح ذري بدائي هو محاولة لرفع الثقة في هذه الولاية الحاكمية لأنها تدرك أن من تسميهم أعداءها يستطيعون مسحها من خارطة العالم قبل أن تتمكن من استخدامه، وفي اعتقاد هي وجهة للداخل وللمحيط الخليجي للتخويف والابتزاز.

سقوط الحكم العلوي في سوريا أصبح أمرا محتوما، وسيبحث العلويون والإيرانيون عن حلفاء جدد في المنطقة، ولن يبقى لهم إلا إسرائيل كحليف محتمل لأنها الطرف الوحيد المستعد للتحالف مع الشيطان لتقوية مركزها. وسيشاهد العرب في العراق تجذرا أعمق للممارسات المذهبية في العراق كتعويض إيراني عن الخسارة في سوريا إلا إذا حصل تغير في إيران ذاتها من الداخل وهو أمر محتمل جدا، وغدا لناظره قريب.

latifmohammed@hotmail.com
Twitter @drmalabdullatif

—-
نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*