الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » كرة القدم المغربية تنكأ جراح البطالة

كرة القدم المغربية تنكأ جراح البطالة

يعرف المغرب نقاشا سياسيا حادا أنسى المغاربة مشاكلهم الاجتماعية والسياسية ، وجعل المشكلة الرئيسة هي إقالة مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم “غيريتس” ومحاسبة الذين تعاقدوا معه دون أن يعلم الشعب بنود العقد وشروط فسخه.
فتحوّلت القضية من أرض الملعب الخضراء إلى طاولات السياسة والمعارضة والرأي العام ، مما يدل على وجود احتقان شعبي ، فرغم وعي الشعب المغربي بأهمية ضبط النفس والحكمة في مسار التغيير وموائمة التدرج في الإصلاح إلا أنهم نقموا على الفساد الكروي الذي نكأ جراحا أخرى . ومما زاد من حدة النقاش راتب المدرب الذي لا يعلم المواطنون عنه شيئا.
فالأمر لا يتعلق بتعصب كروي يفقد المواطنين روحهم الرياضية التي تقتضي تقبل الهزيمة بصدر رحب ، على اعتبار أن قواعد اللعبة وشروط التنافس تستوجب أن يكون منتصرا ومنهزما . إننا لا نبكي الهزيمة من حيث هي كذلك ، بل نبكي الخديعة و”الشمتة” اللتين ذهب ضحيتهما شعب بأكمله نام على حلم الانتصار واستيقظ على طعم الاندحار .
وهاهو عبد الإله بنكيران ، رئيس الحكومة  على محك الاختبار ، وهو الذي بنى برنامجه الانتخابي والحكومي على  محاربة الفساد وعلى مبدأ ” المعقول” في إدارة الشأن العام .
هي فرصة لرئيس الحكومة من أجل رد الاعتبار لشرف المغاربة وكرامة الوطن  . ولن يجد نفسه وحيدا ولا محاصرا ، فالشعب ينتظر منه أن يترجم أقواله أفعالا وإجراءات يحمي بها مصالح الوطن وحقوق المواطنين . ولذلك صوتوا على حزبه ومنحوه الصدارة . فالمال الذي لا رقيب له ولا حارس يغري بالسرقة والتبذير .
وطالما كان التكتم على راتب المدرب ، فإن الأمر فيه فضيحة يخشاها الذين تورطوا في إبرام العقد مع المدرب ،وظل أملهم أن تغني نتائج المنتخب عن مبلغ الراتب .
لقد حان الوقت ليضع رئيس الحكومة حدا لهذه المهزلة التي تكلف الشعب المغربي كرامته وهي أغلى ما يملك ، فضلا عن الملايين التي تهدر في الوقت الذي تأكل فيه النار أجساد كفاءات الوطن المعطلة ، فيما أخرى تلتهمها  قروش البحر أو تستبد بها هراوات أجهزة الأمن . إنه لسفه يستوجب الحجْر  أن تخصص جامعة كرة القدم راتبا يعادل إن لم يكن يفوق رواتب كل الوزراء وكبار موظفين الدولة ، فيما مناطق مغربية تعيش عهود ما قبل التاريخ .
فلا عذر للحكومة ، إذن ، إن اتسعت دائرة الاحتجاجات وتصاعدت بعد الهزيمة المرة والتبذير السفيه للمال العام . وكل تقصير من الحكومة أو عجز عن التحرك لوقف النزيف سيجعلها شريكا في الجريمة المالية التي تزهق الأرواح وتسرق الأرزاق .
ولا شك أن تواتر الهزائم وتوالي الخيبات وتزايد النهب والتبذير سيدفع بمزيد من المواطنين إلى اعتماد كل أساليب الاحتجاج ؛ الأمر الذي سيهدد الأمن العام ويعرض أرواح المواطنين وممتلكاتهم للخطر .
وإن من مدخلات محاربة الفقر ، التصدي بحزم وقوة لمصادر استنزاف الثروة . ولست بحاجة إلى تذكير رئيس الحكومة بما قاله الإمام ابن حزم في كتابه المحلى  في هذا الإطار “إنه إذا مات رجل جوعا في بلد اعتبر أهله قتلَة، وأخذت منهم دية القتيل”. بل يذهب الإمام حد الإقرار للجائع عند الضرورة أن يقاتل في سبيل حقه في الطعام الزائد عند غيره  بقوله “فإن قُتِل -أي الجائع- فعلى قاتله القصاص، وإن قُـتل المانعُ فإلى لعنة الله لأنه منع حقا وهو طائفة باغية”.
فهل يرضى رئيس الحكومة أن يكون هو ووزراءه من إحدى الطائفتين : طائفة قاتلة أو طائفة باغية ؟
لا يجهل مغربي واحد حجم الإكراهات التي تواجه الحكومة وعمق الأزمة الاجتماعية التي تتهدد أمن واستقرار المغرب .
وأي إجراء تتخذه الحكومة من أجل ضمان الترشيد ووقف النزيف ومحاسبة الفاسدين ستجد الحكومة نفسها وقد ساندها الشعب وانتصر لها .
لهذا يكون من الفطنة والذكاء السياسي أن يسارع رئيس الحكومة إلى إعطاء أوامره ، وفق ما يخوله له الدستور ويلزمه به ، بمحاسبة كل الأطراف التي لها علاقة بملف كرة القدم حتى تهدأ النفوس وتطمئن الضمائر ، سواء التي صوتت لحزب العدالة والتنمية أو التي اعتقدت في قدرته على التغيير والإصلاح ؛ خصوصا وأن نواب الحزب، أيام المعارضة البرلمانية ،كانوا أكثر حماسا في طرح ملف غيريتس وراتبه. 
هكذا تحولت المشكلة الرياضية إلى مشكلة سياسية بامتياز تمس مصداقية الحكومة وتضعها على المحك .

-- خاص بالسكينة: سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*