الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل يتغير ثوار «تويتر» العرب؟

هل يتغير ثوار «تويتر» العرب؟

إذا أردت دليلا على أن المنطقة دخلت طورا جديدا، فحري بك أن تشاهد الندوة التي أقيمت على هامش منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في جنيف، حيث عقدت جلسة بحضور كل من عبد الإله بنكيران من المغرب، وحماد الجبالي من تونس، وعبد المنعم أبو الفتوح من مصر إلى جوار عمرو موسى.
هؤلاء السادة – باستثناء موسى – استبدلوا شخصيات مثل جمال مبارك ويوسف بطرس غالي وآخرين ممن كانوا نجوم المرحلة الماضية فيما يعرف بمنتدى النخبة السياسية والاقتصادية في العالم.
رجل دافوس (Davos Man) كان اصطلاحا يطلق على النخبة الغنية المثقفة، والمعنية بالحديث عن الرأسمالية واقتصاد السوق، ولكن تلك الصورة اليوم استبدلت برجال خرج بعضهم من رحم السجون، وكانوا إلى وقت قريب يرمز إليهم كناشطين في أحزاب متطرفة ومتشددة دينيا.
أكثر ما لفت الانتباه كان التعليق الأخير الذي أدلى به بنكيران قائلا إن إعطاء الفرصة للشباب الثوري في المنطقة سيسهم في تغييرهم، وقال ما معناه إنه كان هو وغيره معارضين ورافضين حينما كانوا شبابا، وأنه لولا الفرص السياسية التي حظوا بها لما تغيروا، وأن الجيل الجديد في المنطقة سيتغير بالضرورة من التشدد إلى الاعتدال إذا ما حظي بفرصة أن يكون ممثلا هنا، أي في دافوس.
كلام بنكيران ذو أهمية ولا شك، فهو يعد بأن المنطقة ستتغير إلى الأفضل، وأن تيار المعارضة – أو الثورة – سيضطر إلى التغير والتأقلم إيجابيا إذا ما أتيحت له الفرصة لكي يحكم ويقول ما يريد، ولكن هل هذا ممكن حقا؟
خلال الأسبوع الماضي بادر عدد من الشباب السعوديين إلى مقاطعة موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» ردا على إعلان الموقع نيته تغيير قواعد وقوانين الاستخدام لكي يسمح للحكومات بإعمال قوانين ملكيتها الفكرية، وتطبيق أحكامها القضائية على ما ينشر في الموقع سواء تعلق ذلك بالأفراد أو الحكومات.
حملة المقاطعة جاءت مشابهة لحملات أخرى قادتها مواقع إنترنتية ضد مشروع «سوبا» الذي قدم في الكونغرس الأميركي للحد من ظاهرة القرصنة التجارية على الإنترنت، ولفتح الباب أمام محاسبة الناشطين على المواقع الاجتماعية حيث لا رادع قانونيا إلا فيما ندر يحمي الأفراد والمؤسسات من التجاوزات القانونية في تلك الوسائل.
لا شك أنه بمرور أكثر من عقد على بروز مواقع التواصل الاجتماعي في هيئة منتديات الإنترنت، ثم نشوء مواقع متخصصة مثل «ماي سبيس»، و«فيس بوك»، و«تويتر»، قد فرضت كلها طرقا ووسائل جديدة لتواصل الأفكار والمفاهيم، والقيم بين الناس في المنطقة.
في البداية بدت تلك الوسائل رائعة لأنها مكنت الناس من التواصل في أي زمان ومكان، وسهلت بذلك انتشار المعلومة، وإيصال صوت الأفراد، ولكنها – أي تلك الوسائل – لم تمنع من شيوع مظاهر سلبية، ولم تحل دون انتشار أفكار مغلوطة، بل ورؤى تغييبية – ذهنيا – تفوق في تأثيرها الجهل ذاته.
 تذكر كيف استطاعت الجماعات الإرهابية استغلال الإنترنت لتجنيد العشرات من الانتحاريين خلال العقد الماضي، وكيف وجدت المنطقة نفسها ضحية لنوازع الشر والكراهية.
اليوم تواجه المنطقة تحولا أفضل ولا شك، فالشباب العربي في مواقع التواصل الاجتماعي مشغول أكثر بالقضايا السياسية، وقطاع غير قليل من الشباب معني بشكل مباشر بمناقشة قضايا اجتماعية واقتصادية.
هذا جانب مهم وإيجابي مقارنة بالماضي، ولكنّ هناك جانبا سلبيا هو بالضرورة نتاج طبيعي لهذه الوسائل وهو انتشار – أو قل استفحال – ظاهرة الشائعات بشكل لم يسبق له مثيل.
 في الماضي كانت الشائعة تنتقل من فرد إلى آخر عبر الحديث المباشر أو عبر التليفون، ولكنها مع وسائل التواصل الاجتماعي باتت تنتقل بالصوت وبالصورة عبر نقرة واحدة على الهاتف الجوال.
يوميات «الربيع العربي» فرضت بشكل واضح تحولا في قدرة بعض المجتمعات العربية على مسايرة أو قبول ما يحدث داخل البلد أو خارجه، ولعل التحول الأهم هو في قدرة «الربيع العربي» على إسقاط الكثير من الأوهام من بينها محدودية قدرة الأفراد على تغيير واقعهم، وأن قصارى ما يمكن للناشطين الحريصين هو تأثيرهم على اختيار بعض الموضوعات ذات الصلة بالمصلحة العامة، من وجهة نظرهم.
 قصارى القول أن الربيع العربي قد كشف عن محدودية قدرة النخبة على تغيير أوضاعها، أو التأثير على مجريات الأمور من حولها. بمعنى آخر، بقدر ما استطاعت ثورة وسائل التواصل الاجتماعي الكشف عن قدرات ووسائل لم تكن حاضرة من قبل، بقدر ما كشفت عن محدودية ما يمكن أن يقوم به المرء سياسيا واجتماعيا.
بيد أن بعض الناشطين على الشبكات الافتراضية وجدوا فيها وسيلة غير مكلفة لممارسة ما يتوهمونه تغييرا، بل بات البعض يمارس تعديا قانونيا بحق أفراد ومؤسسات تحت ذريعة «حرية التعبير»، ولأجل ذلك تحولت بعض تلك المنابر الافتراضية إلى الشتيمة، ونشر الشائعة، واتهامات بلا أدلة، وأصبح شخوصها الافتراضيون أبطالا في نظر أنفسهم ينافحون عن الصالح العام، ويذودون عن حياض «الثورة» بتغريداتهم عبر الأثير الإنترنتي.
هي لا شك مشكلة انفصام ما بين الواقع والعالم الافتراضي لا تزال مستمرة، ولقد كان للحكومات العربية وحتى الغربية منها مسؤولية عما حدث، ففي البداية تجاهلت تلك الحكومات ما يحدث في الشبكة العالمية حيث لا قيود أو حدود للمرء فيها، وبمرور الوقت أصبح المرء قادرا على نسخ برامج مقلدة، أو بث ما يريده من مواد، أو التبشير بما شاء. تذكروا أنه لولا حادثة 11 سبتمبر (أيلول) وما تبعها من عمليات إرهابية في أوروبا وأنحاء كثيرة من العالم لما خرجت تشريعات تتعلق بما يمكن أو لا يمكن بثه عبر الشبكة.
اليوم تجري محاولة ضخمة – عبر مشروع «سوبا» – لإصلاح هذ العطل العظيم، وإذا ما تم ذلك فإن الحكومات الغربية ستسارع إلى سن قوانين جديدة تنظم العالم الافتراضي. وهنا قد يجد سكان الشرق الأوسط أنفسهم في ورطة، فقد تحجب الشركات الغربية خدماتها أو بعض منها لعدم توافر البيئة القانونية لحماية الملكية الفكرية.
في تركيا – على سبيل المثال – حجبت الحكومة استجابة لأمر قضائي بعض خدمات مجموعة «غوغل»، وفي الولايات المتحدة أغلقت السلطات الفيدرالية – بحسب «نيويورك تايمز» – موقع «ميغا آبلود»، وهو عبارة عن مكتبة عبر الإنترنت لتبادل الملفات، بتهمة القرصنة والاحتيال.
ليس هذا فحسب، فمواقع التواصل الاجتماعي – مثلا – ترغب في تغيير قوانين الاستخدام ليس إرضاء للحكومات، بل لأنها تطمع في الدخول إلى أسواق مغلقة أمامها؛ موقع «ويبو» الصيني – على سبيل المثال – يتجاوز في عدد تغريداته منافسه «تويتر» الأميركي. هناك عبارة مهمة كتبتها جريدة «غلوبال تايمز» الصينية تعليقا على قرار «تويتر» تعديل قوانينه: «من المستحيل أن تكون الحرية لا حدود لها، وحتى على الإنترنت، وفي البلدان التي تجعل من حرية التجارة حجتها، فإن للحرية قواعد وحدودا».
لا شك أن الثوريين بين المغردين العرب لن يقبلوا بهذا التغيير، وسينضمون إلى نظرائهم من اليسار الليبرالي في الغرب ليدافعوا عن الفوضى التي يسمونها حرية، ولكن من سخريات التاريخ أن هؤلاء الأشخاص ذاتهم الذين كانوا إلى زمن قريب أعضاء فاعلين في مناهضة العولمة باتوا الأكثر «تعولما» من البقية.
مشكلة بعض الثوريين أنهم ثائرون لأسباب شخصية – أو علل سيكولوجية – بحيث إنهم يبدأون معركة الرفض لأجل قضية معينة، ثم تتغير القضايا بتغير الزمان والمكان – كما يقال – حتى يأتي يوم لا يدرك فيه أحدهم لماذا بدأت ثورته أصلا.
———–
نقلاً عن الشرق الأوسط

-- عادل الطريفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*