الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عن صراع الحضارات وموضوع الخصوصية

عن صراع الحضارات وموضوع الخصوصية

نظريات «صدام الحضارات» و»حرب الثقافات» هي خطابات خاطئة ومغرضة تنبني على سجن الأفراد والجماعات في انتماءاتهم وهوياتهم الثقافية والحضارية، فلا يعقل أن تنمو وتتطور حضارة من الحضارات في معزل عن مكونات الحضارات ….

…. والثقافات الأخرى، فالحضارة الغربية استفادت من الحضارة العربية الإسلامية كما أن الحضارة الإسلامية حققت انطلاقاتها وحققت ثقافة النحل في الإنتاج والإبداع بتلاقحها وتمازجها مع الحضارات الفارسية والبيزنطية السابقة والمعاصرة لها.

إن الرؤية المرجعية هي أن الاختلاف موجود وقائم، وهذه سنة الله في خلقه وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) سورة هود، ويشير الإمام الطبري في تبيانه لطبيعة الاختلاف أن من المفسرين من ذهب إلى أنه اختلاف في الأديان ومنهم من ذهب إلى أن الاختلاف هو سبب خلقهم ليكون فريق منهم من أهل الجنة والآخر منهم من أهل النار، ومنهم من فسر «ولذلك خلقهم» أي خلقهم للرحمة، ورجح الإمام الطبري أحد هذه الأقوال.

«وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، لأن الله – جل ذكره – ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل والآخر أهل حق، ثم عقب ذلك بقوله: «ولذلك خلقهم»، فعم بقوله: «ولذلك خلقهم»، صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميسر لما خلق له».

فمن أسباب خلق الخلق اختلافهم، ولا يمكن الاستشهاد بهذه الرؤية المرجعية القرآنية الكبرى وعدم الاتفاق حول الجوامع المشتركة، فهما عاملان لمعادلة توازنية واحدة، إذ كيف يمكن الإيمان بحقيقة الاختلاف الإنساني دون التفاهم حول الجوامع المشتركة.

فالاختلاف قدر محتوم، والهدف من ذلك هو التعارف والتآلف يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) سورة الحجرات.

وإيمان الفرد ودينه يرجع قبولهما ورفضهما كما ثوابهما إلى الله سبحانه وتعالى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) سورة القصص، فلغة الإكراه غير موجودة في القرآن لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (256) سورة البقرة.

فهذه هي طبيعة المقاربة القرآنية السلمية بل والمصيرية لظاهرة الاختلاف بين البشر لأن نقيض ذلك سيؤدي إلى النزاع والصراع، وسيميت «ثقافة الحوار» التي تستوعب التعددية الفكرية والاعتقادية وتسلم بضرورة التعايش بين الأديان والانفتاح على ثمار الحضارات الإنسانية المتعددة.

وتساهم السياسات الرسمية والإعلامية الغربية في تشويه صورة الإسلام والمسلمين بطريقة ذكية ومبيتة، إذ غالبا ما ترجع الأعمال الإرهابية التي يقوم بها بعض شباب المسلمين إلى طبيعة الدين الإسلامي، وتربط بعض الفترات الاستثنائية التي مر بها المسلمون إلى نوع الحضارة العربية الإسلامية.

فالتعاليم والتاريخ شيئان مختلفان، والتعاليم الدينية هي التي تحاكم أفعال الناس التي يقومون بها باسم الدين وليس العكس، فالآية الكريمة «?مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا? (32) سورة المائدة» هي التي تحاكم ذلك الإرهابي الذي يفجر نفسه وسط الناس الأبرياء سواء كانوا مسلمين أو لا.

والآية صريحة لا غبار عليها، ثم إن ذلك الإنسان إذا لم يخضع لسلطان هذه الآية فإن القران يحدد عقوبته: ?إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ? (33) سورة المائدة.

وإذا حصلت أخطاء فادحة في بعض الحقب الإسلامية في علاقة المسلمين مع غيرهم من أهل الكتاب، فلم تكن مصدرها دائما الدولة بل إن الفقهاء أيضا شاركوا فيها والعامة بقسط كبير.

أما مع غير أهل الكتاب فكانت القاعدة واضحة في مثل قول زهرة بن حوية لرسم يوم القادسية: «أتينا لتخرج الناس من عبودية العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها»، وقول عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا». وعلاقة المسلمين مع غيرهم خارج دار الإسلام تأثر بالطابع الإمبراطوري الذي آلت إليه الدولة الإسلامية حسب تعبير أحد المفكرين العرب «ظهر هناك أولا التقسيم إلى دار إسلام وسلام، ودار حرب.

وفي هذا التقسيم مبدئيا شيء من الواقعية، لأن الجبهة كانت مفتوحة مع البيزنطيين ومع الترك. لكن حالة الحرب ما كانت دائمة ولا عامة، بحيث يعتبر العالم خارج دار الإسلام في حالة واحدة أو موقع دائم وثابت، وقد اضطر الفقهاء إلى الاعتراف بدارين أخريين هما دار العهد، ودار الموادعة.

بيد أن الضرر الأكبر وقع في تطور ذاك التقسيم «الواقعي» إلى تقسيم عقدي، أي دار إسلام، ودار كفر «الشافعي»، وإجازة الحرب على أساس الكفر، رغم أنه لا إكراه في الدين، ولا حرب «أو لا جهاد في سبيل الله» إلا عند الاعتداء أو خوفه «رأي جمهور الفقهاء».

وكان ابن عباس رضي الله عنه قد قسم العالم إلى أمتين: أمة الإجابة، وأمة الدعوة».

وانطلاقا من هذه المفاهيم والرؤى المرجعية، لا يتصور أن يتصارع الدين الإسلامي مع الدين النصراني أو الدين المسيحي أو أن تتصارع الثقافة الإسلامية مع الثقافة الأمريكية أو الفرنسية أو الصينية، بل يمكنها أن تتعايش على أساس التعارف والاعتراف المتبادل بالمصالح المختلفة والاهتمامات المتعددة والانفصال القيمي والمفهومي.

ثم إن الانزلاق الكبير والمتعمد هو تحميل عبء الأوضاع المزرية التي تعرفها مناطق متعددة إلى الخصوصيات الحضارية، أو الثقافية أو الخصوصيات الدينية أو إلى هذه الخصوصيات مجتمعة كما يروج لذلك الساسة الإسرائيليون في تبرير سياستهم التنكيلية بالشعب الفلسطيني.

ويتجاهل السياسيون والإستراتيجيون الغربيون دور السياسات الدولية، في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وما أدت إليه في الكثير من الأحيان من «إدماج العالم في حركة واحدة، وما نجم عنها من توزيع غير عادل للموارد المادية والمعنوية معا».

وموضوع الخصوصية وقع فيه حتى بعض المفكرين المسلمين البارزين حيث ظهرت مقولتا: يهودية الحضارة الغربية والمؤامرة العالمية على الإسلامية ونشأت كل تلك الأدبيات خلال عدة سنوات عن الخصوصية الإسلامية «التي تجد نفسها في مواجهة مع العالم، وتقبل على رسم مخططات للنظام الإسلامي المكتمل من كل الوجوه، والمحدد من كل الوجوه والذي لا يجد أية مشتركات مع الموجود في العالم».

فتناول العرب المسيحيون والمسلمون منذ الخمسينات من القرن العشرين مقولة أن الصراع مع الغرب عموما ومع إسرائيل خصوصا هو صراع حضاري وديني وأن النظام الدولي نظام فاسد يكيل بمكيالين.

فالمسلمون شعروا أنهم مستهدفون بالصراع الحضاري والثقافي والديني، فعملوا طيلة عقود على هذه المقولة، والغرب استغل هذه الوضعية، وبلورها مؤطروها في قوالب فكرية ونظريات أكاديمية سريعة الانتشار والاستهلاك في الجامعات والمؤسسات ومراكز القرار الوازنة ووسائل الإعلام المتعددة، واستغل ساسته هذه المغالطة التاريخية الفكرية لتمرير سياساتهم الخارجية أو تفسير بعض الأزمات الدولية انطلاقا من عامل الخصوصية الحضارية والثقافية والدينية.

—–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*