الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » القبائلية.. وفقه النسب والانتساب

القبائلية.. وفقه النسب والانتساب

مدخل:
الناس في مواقفهم من مسألة النسب والانتساب, طرفان ووسط, فهناك الغالي الذي جعل من النسب معقد للولاء والبراء, وهناك الجافي الذي تنكر للنسب ورأى أن القضية برمتها جاهلية, فلبس الحق بالباطل, والله تعالى يقول ( ولا تلبسوا الحق بالباطل),سورة البقرة, الآية (42).

والصواب أن الإسلام عقيدة وشريعة قائم على قاعدة الوسطية التي تجمع بين الثنائيات بميزان قسط, والذين لا يدركون أثر هذه القاعدة يشتطون في فهمهم ذات اليمين وذات الشمال, و تمثل قاعدة الوسطية هو سر اطراد منهج السلف الصالح في أصول الدين وفروعه, فموقفهم من السمع والعقل, ومن الدنيا والآخرة, ومن الروح والجسد,وغيرها من الثنائيات تجد التكامل في النظر, بناء على تكامل النصوص الشرعية وعلاقة بعضها ببعض, وأن الوحي المتمثل في الكتاب وصحيح السنة لا يمكن أن يتناقض أو يتعارض,{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}.

فهذه المسألة يجب ألا نخلط فيها بين العصبية المقيتة, وبين نعمة شرف النسب بشترط اقترانها بالإيمان, وأهل العلم من أرباب التحقيق نبهوا إلى هذا الجانب. يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي:” فيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرق بين الأمرين، ويعلم أن النداء بروابط القوميات لا يجوز على كل حال، ولا سيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام، وإزالتها بالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد، أو أنه جمود وتأخر عن مسايرة ركب الحضارة. نعوذ بالله من طمس البصيرة. وأن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية والأواصر العصبية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة”.انظر: أضواء البيان(3 / 46).

يقول الله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}، بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه شعيباً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار.

وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه الله ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما بينه تعالى في مواضع أخر؛ كقوله في صالح وقومه: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} الآية.

ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء بصالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلا في حال الخفاء، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاء وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عصبته أنهم ما فعلوا به سوءاً، ولا شهدوا ذلك ولا حضروره خوفاً من عصبته؛ فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار. وقد قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى}، أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.

وذلك بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين ألبتة، فكونه جل وعلا يمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم بإيواء أبي طالب له دليل على أن الله قد ينعم على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر.

ولهذا لما كان نبي الله لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس له عصبة في قومه الذين أرسل إليهم، ظهر فيه أثر عدم العصبة، بدليل قوله تعالى عنه: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}. وهذه الآيات القرآنية تدل على أن المسلمين قد تنفعهم عصبية إخوانهم الكافرين.

ولما ناصر بنو المطلب بن عبد مناف بني هاشم ولم يناصرهم بنو عبد شمس بن عبد مناف وبنو نوفل بن عبد مناف عرف النَّبي صلى الله عليه وسلم لبني المطلب تلك المناصرة التي هي عصيبة نسبية لا صلة لها بالدين؛ فأعطاهم من خمس الغنيمة مع بني هاشم، وقال: “إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام” ومنع بني عبد شمس وبني نوفل من خمس الغنيمة، مع أن الجميع أولاد عبد مناف بن قصي”.انظر:أضواء البيان(2/ 198).

يقول صاحب كتاب”المحاضرات في اللغة و الأدب”:

“ثم قد يفيض شرف الإنسان حتى يستطيل على من قبله من سلفه فتَحْيا رسومهم بعدما كانت دائرة، وتعمر ربوعهم بعدما كانت غامرة، والذروة العليا أيضاً فيمن عاد شرفه على من قبله هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد أشار إليه الشاعر ابن الرومي بقوله:
قالوا: أبو الصقر من شيبان قلت لهم — كلاّ لعمري ولكن منه شيبان
تسمو الرجال بآباءٍ وآونَــــــــــــــــةٍ — تسمو الرجال بأبناءٍ وتَزْدان
وكم أبٍ قد علا بابن ذُرى حســـــب — كما علت برسول الله عدنان

وادعى هذا الوصف الشاعر أبو الطيب فقال:

ما بقومي شرفت بل شرفوا بي … وبنفسي افتخرت لا بجدودي

أما شرفه هو في بابه فلا ينكر، وأما شرف قومه به فالشعر أعذبه أكذبه، وإلاّ فالحكم على الشيء فرع تصوره، نعم، كان من عادة العرب أنه إذا نبغ شاعر في قوم اعتزوا به، واحتموا عن الشعراء، فلو تحقق لأبي الطيب قوم لكانوا كذلك”.

ويقول صاحب كتاب”المحاضرات في اللغة و الأدب (1 / 15)”:

واعلم أن الناس في هذا الباب ثلاثة:

الأول: رجل كان أصيلاً ثم قام هو أيضاً يشيد بنيانه ويحوط بستانه، كالذي قبله، فهذا أكرم الناس وأولاهم بكل مفخر، وفيه كان قوله صلى الله عليه وسلم:في نبي الله يوسف ” الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابن الكريم ابن الكريم ” كما في البخاري ومسلم، والذ روة العليا في هذا الصنف هو نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أصيلاً بحسب النبوءة من عهد إبراهيم وإسماعيل، ثم لم تزل أسلافه في شرف وسؤدد، ومجد مخلد، معروفاً ذلك لهم عند الناس، وأنهم أهل الحرم، وجيران الله، وسَدَنَةُ بيته، مع إكرام الضيف، وإعمال السيف، وغير ذلك من المفاخر العظام، والمآثر الجسام، وقد اختصهم الله بين العرب بالاحترام والتوقير، وجعل لهم رحلة الشتاء والصيف آمنين لا يعرض لهم لص ولا مغير، فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف كما أخبر به تعالى في كتابه، وذكر ذلك بعض بني أسد فقال:

زعمتهم أن اخوتكم قريش … لهم إلف وليس لكم إلافُ
أولئك آمنوا جوعاً وخوفاً … وقد جاعت بنو أسد وخافوا
أي أخطأتم في هذا الزعم، لأنكم لستم مثلهم.

ثم لما جاء المصطفى صلى الله عليه وسلم رد بدر شرفهم فجراً، وجدول كرمتهم بحراً، بل جعلهم قرار كل مجد، ومركز كل حمد، وقد أكمل به الله تعالى الدين، فكذلك أكمل به سائر المحامد والمحاسن، قال صلى الله عليه وسلم: ” بُعِثْتُ لأتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخْلاقِ ” وهو صلى الله عليه وسلم لبنة التمام، فشرفت به قريش خصوصاً والملة كلها عموماً صلى الله عليه وسلم، ومجد وعظم، وقد بين صلى الله عليه وسلم هذا كله بقوله: ” إنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ ولدِ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى مِنْ ولدِ إسْمَاعِيلَ بَني كِنَانَةَ، واصْطَفَى مِنْ بَنِي كنَانَةَ قُرَيْشاً، واصْطَفَى منْ قُرَيْشٍ بَني هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي منْ بَني هَاشِمٍ ” .

والثاني: رجل لا أصل له ينتمي إليه، ولا حسب يُعَرِّجُ عليه، ولكن انتهض في اقتناء المآثر، واقتناص المفاخر، حتى اشتهر بمحاسن الخلال، وصار في عداد أهل الكمال.

والثالث: رجل له أصل وقديم شرفٍ ثم لم يبنه ولم يجدده، وهو إما أن تخفى عوامله فلم يبن ولم يهدم، مع أنه بالحقيقة من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، والمراد أن يرجع إلى غمار الناس فلا يحدد المآثر، ولا يخرج إلى المعايب، فهذا لا فضيلة له إلاّ مجرد النسب والفخر العظاميّ، وإما أن يهدمه بملابسة ضد ما كان أولاً، فهذا بمنزلة من هدم الدار ثم حفر البقعة أيضاً فأفسدها، فهذا مذموم بما جنى على نفسه وبما جنى على حسبه ونسبه. والذروة العليا في هذا الصنف اليهود والنصارى ونحوهم، فقد هدموا أنسابهم وأحسابهم بشر الخصال، وهو الكفر، نسأل الله العافية.

ومن هذا النمط من يخلف آباءه الصالحين بالفسق وكثرة الرغبة في الدنيا والكبر والدعوى وغير ذلك من القبائح كما هو شأن كثير من أولاد الصالحين في زماننا نسأل الله العافية، وفي هذا الصنف قيل:
لئن فخرت بآباء لهم شرف … لقد فخرت ولكن بئس ما ولدوا
وشرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع، فربما يكون الأصل رفيعا, و الفرع وضيعا، كما قال الشاعر:
وما ينفع الأصل من هاشم … إذا كانت النفس من باهلة
وقفات مع الموضوع:

الوقفة الأولى:

العناية بالأنساب من وظائف أهل العلم والفضل:
فمن المعاصرين: والد شيخنا الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي عضو هيئة كبار العلماء: والشيخ د.محمد حفظه الله ( قد درست عليه في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية, وفي درسه في الحرم المدني) يقول الشيخ وهو يتحدث عن علم والده بالأنساب ويلوم نفسه على التقصير فيه:” وكان له باع في علم الأنساب ، والحقيقة أنني قصّرت فيه ولم آخذه عنه ، ويعلم الله ما كان يمنعني منه إلا خشية أن الإنسان يأتي ويقول هذه القبيلة تنتمي إلى كذا ، فيتحمل أوزار أنساب أمم هو في عافية منه”. فترك الشيخ لعلم الانساب تورعا منه حفظه الله.

وأيضا ممن عني بالأنساب وتراجم النسابين العلاّمةُ عضو هيئة كبار العلماء الشيخ : بكرُ بنُ عبدِ اللهِ أبو زيدٍ – رحمه الله – ، في كتابهِ ” طبقاتُ النسّابينَ ” وغيرهُ .
الحديث عن مكارم الآباء والأجداد ليس مذموما شرعا:

ومن أمثلة حديث العلماء عن مكارم آبائهم وأجدادهم ما رواه الإمام أحمد في (مسنده): عن عبد الله بن الزبير، قال: لما كان يوم الخندق كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في الأطم الذي فيه نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- أطم حسان، فكان عمر يرفعني وأرفعه، فإذا رفعني عرفت أبي حين يمر إلى بني قريظة، فيقاتلهم.

وقال هشام بن عروة: عن أبيه، قال: كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء، فنزل جبريل على سيماء الزبير.
وعن أبي جعفر الباقر قال:كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء، فنزلت الملائكة كذلك.

وفيه يقول عامر بن صالح بن عبد الله بن الزبير:
جَدِّي ابْنُ عَمَّةِ أَحْمَدٍ وَوَزِيْرُهُ * عِنْدَ البَلاَءِ وَفَارِسُ الشَّقْرَاءِ
وَغَدَاةَ بَدْرٍ كَانَ أَوَّلَ فَارِسٍ * شَهِدَ الوَغَى فِي اللاَّمَةِ الصَّفْرَاءِ
نَزَلَتْ بِسِيْمَاهُ المَلاَئِكُ نُصْرَةً * بِالحَوْضِ يَوْمَ تَأَلُّبِ الأَعْدَاءِ

ويقول الشاعر الأخطل النصراني:
والناس همّهم الحياة ولا أرى — طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذّخائر لم تجد — ذخراً يكون كصالح الأعمال

ويروي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنه كان ينشد هذه الأبيات ويترنم بها:
إن المكارم أخلاق مطهرة … فالعقل أولها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها والجود خامسها والعرف ساديها
والبر سابعها والصبر ثامنها … والشكر تاسعها واللين عاشيها
والعين تعلم من عيني محدثها.. .إن كان من حزبها أو من أعاديها
والنفس تعلم أني لا أصدقها … ولست أرشد إلا حين أعصيها

الوقفة الثانية:

الكلام في سير الأموات يجب أن يكون لهدف وهو الاعتبار والإفادة, وذلك أن في ذكر الفضائل والمكارم وتعزيزها في النفوس وتحبيبها إلى القلوب مصلحة عظيمة.

وهذه الوقفة تتضمن عدة نقاط مهمة هي:

الفخر بمكارم الآباء والأجداد والحديث عنها على وجه ليس فيه إفراط ولا تفريط, ومن غير أن يسيء إلى أحد هو من الفخر بخصال التقوى, وهذا الأصل فيه الإباحة.

قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13). من سورة الحجرات.

فقوله تعالى:{ لتعارفوا }: “علة للجعل أي جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً فتصلوا الأرحام وتبينوا الأنساب والتوارث لا لتفاخروا بالآباء والقبائل، والحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر والسكوت في معرض البيان”. انظر:تفسير الألوسي (ج 19 / ص 289).

وقوله تعالى:{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } :”تعليل للنهي عن التفاخر بالأنساب المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف الحقيقي كأنه قيل : إن الأكرم عند الله تعالى والأرفع منزلة لديه عز وجل في الآخرة والدنيا هو الأتقى فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى”. انظر:تفسير الألوسي (ج 19 / ص 290).

والفخر مما عرف عن العرب في الجاهلية فجاء الإسلام فلم يحرمه وإنما جعل له حدا وضابطا وهذا مما ينبغي أن نلتفت إليه في هذا المقال حتى لا نخلط أخلاق الأسلام بأخلاق الجاهلية. فالنبي صلى الله عليه وسلم لخص رسالته في هذه الكلمات:” إنما بعثت لأتمم مكارم ( و في رواية صالح ) الأخلاق ” . والحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة( 1/ 8 ). وصححه الشيخ الألباني في الأدب المفرد(1 / 104).

بل إنأكرم الخلق صلى الله عليه وسلم كما في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال : “في يوم حنين كان أبو سفيان بن الحارث آخذا بعنان بغلته يعني بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول ” أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب “

قال : فما رئي من الناس يومئذ أشد منه” . متفق عليه.

قال أهل العلم و من فوائد هذا الحديث: “جواز الفخر والندابة عند القتال”. انظر:شرح ابن بطال على صحيح البخاري(ج 9 / ص 88).
وقالوا أيضا:” كيف قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا ابن عبد المطلب ؟ فانتسب إلى جده دون أبيه.. ؟ فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم كانت شهرته بجده أكثر ، لأن أباه عبدالله توفي شابا في حياة أبيه عبد المطلب قبل اشتهار عبد الله ، وكان عبد المطلب مشهورا شهرة ظاهرة شائعة ، وكان سيد أهل مكة ، وكان كثير من الناس يدعون النبي صلى الله عليه وسلم ابن عبد المطلب ينسبونه إلى جده لشهرته”. انظر:شرح النووي على مسلم(ج 6 / ص 230).

ويقول صاحب كتاب”المحاضرات في اللغة و الأدب:”إذا علم تفضيل النسب والحسب في باب النبوءة فهما في غيرها كذلك كالعلم والصلاح والهداية والزهد والورع والملك والنجدة والجود وغير ذلك من كل ما يحتسب به ويصير به من عرف به عيناً من أعيان عشيرته أو قبيلته أو عمارته أو بلده أو جيله ويشرف به من انتسب إليه، ولم يخل الله تعالى قوماً من سيد.
وبسادة الناس تنتظم أمورهم، فهم خلفاء الله في عباده بالحكم التصريفي، ولذلك إذا فقدوا أو فقدت الأهلية منهم اختل الأمر كما قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم … ولا سِراة إذا جهالهم سادوا

الإنسان قد يفتخر بنسبه على ما مرّ، وقد يفتخر بنفسه أي بالخصال التي اتصف بها والدرجات التي نالها من الدين والدنيا، والأول هو الفخر ” العظامي لأنه افتخار بالعظام والرفات، والثاني هو الفخر ” العصامي.

وهو مأخوذ من عصام صاحب النعمان، وكان يقول:
نفس عصام سودت عصاما — وعلمته الكرّ والإقداما
فكل ما جاءه السؤدد من تلقاء نفسه فهو مثل عصام هذا، ففخره عصامي.

وقول العرجي العثماني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسِدادِ ثغر
كأني لم أكن فيهم وسيطاً … ولم تك نسبتي في آل عمرو

قال الشاعر الفرزدق:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم … إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ

وقال شاعر آخر:
إذا المرء لم يدنَس من اللؤم عرضُه … فكل رداء يرتديهِ جميلُ
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها … فليس إلى حسن الثناء سبيل
تعيرنا أنا قليل عديدنا … فقلت لها: إن الكرام قليل
وما ضر من كانت بقاياه مثلنا … شباب تسامى للعلا وكهول
تسيل على حد الظبّات نفوسنا … وليست على غير السيوف تسيل
وإنا لقوم ما نرى القتل سُبّة … إذا ما رأته عامر وسَلول
إلى أن قال:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم … ولا ينكرون القول حين نقول
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم … وليس سواء عالم وجهول
فإن بيني الديّان قُطْبٌ لقومهم … تدور رحاهم حولهم وتجول

ومثل هذا النمط من الكلام فيه افتخار بالنفس وبالآباء أيضاً لأن المقصود أنهم على هذا الوصف كابراً عن كابر وقول الفرزدق:

أنا الذائد الحامي الذّمار وإنما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي.

ثم يشير صاحب كتاب:”محاضرات في الأدب”:” كثير من الناس لا يلتفتون إلى النسب ولا يقيمون للمفتخر به وزناً كما قال الحريري صاحب المقامات المشهور:

لعمرك ما الإنسان إلاّ ابن يومه … على ما بدا من حاله لا ابن أمسه
وما الفخر بالعظم الرّميم وإنما … فخار الذي يبغي الفخار بنفسه

وقال الآخر:

كن ابن من شئت واتخذ أدباً … يغنيك محمدة عن النسب
إن الفتى من يقول: هأنذا … ليس الفتى من يقول: كان أبي”
ثم يخلص صحاب الكتاب إلى الترجيح في هذه المسألة فيقول:” والحق أن كرم النسب فضيلة قال تعالى:( وكان أبُوهُما صَالِحاً). سورة الكهف.

وقال صلى الله عليه وسلم في بنت حاتم الطائي أشهر العرب في الكرم: ” إنَّ أبَاهَا كَانَ يُحِب مَكَارِمَ الأخْلاق ” .

ووصفُ الإنسان وسعيُه هو الشأنُ، والنسبُ زيادة، فإلغاء النسب رأساً جور، والاقتصار عليه عجز، والصواب ما قال عامر بن الطفيل:

وإني وإن كنت ابن سيد عامر … وفي السر منها والصريح المهذب
فما سودتني عامر من وراثة ……أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتّقي ………أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
فقوله: ” وإن كنت ابن سيد عامر ” تعريض بالنسب وإعلام بمكانته منه، وقوله: ” أبى الله أن أسمو بأم ولا أب أي فقط دون شيء يكون مني ليوافق ما قبله فمراده أني لا أكتفي بالنسب وأخلو عن استحصال الحمد وابتناء المجد.
ومثل هذا قول الشاعر:
لسنا وإن أحسابُنا كرمت … يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا …. تبني ونفعل مثل ما فعلوا

وقال الآخر:

أنا الفارس الحامي حقيقة وائل … كما كان يحمي عن حقائقها أبي

وقال زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي المعروف:

وما يكُ من خير أتوه فإنما … توارثه آباء آبائهم قبل
وهل يُنبتُ الخطِّيُّ إلاّ وشيجه … وتغرس إلاّ في منابتها النخل

وقال الملك الراضي من ملوك بني العباس:
لا تعذلي كرمي على الإسراف … ربح المحامد متجر الأشراف
أجري كآبائي الخلائف سابقاً … وأشيد ما قد أسَّسَتْ أسلافي
إني من القوم الذين أكفّهم … معتادة الإخلاف والإتلاف”.

وهذه دعوة لكل من ينتسب لرجل صالح أوسيد أو كريم أو شجاع أو غير ذلك من مكارم الأخلاق ألا يكون غاية ما يفعله الفخر بمآثر الآباء والأجداد دون أن تكون له همة في طلب معالي الأمور والسعي في تحصيلها.

ومن البر لآبائنا وأجدادنا أن نتحدث عن مكارمهم, و في نظري من المهم جدا أن يكون على جانبين:

الأول: من الناحية العلمية النظرية. بذكر ما عرف عنهم من مكارم الأخلاق, بحسب الاستفاضة والشهرة التي يتناقلها الناس. وهذا من لسان الصدق وجميل الأثر الذي يتمناه الصالحون, كما قال إمام الموحدين إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (84). من سورة الشعراء.

ويعطاه أولياء الله المتقون. كما قال الله تعالى{ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا } : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:”يعني الثناء الحسن”. انظر:تفسير ابن كثير – (ج 5 / ص 237).

وما خلده الأولون من مكارم الأخلاق, وتجارب الحياة, جدير بالمنصف أن يوقف عليها الآخرين وهو يتكلم في حياة الأولين, فكيف إذا كانوا من المسلمين؟!!, فلعدم مبالاة بعض الناس إما لجهلهم أو لخطأ في تصورهم للحق في هذه المسألة ضاعت قصص ومواقف وأحداث جديرة بأن تكتب وتدون؟!.

الثاني: من الناحية العملية الواقعية.

قال الإمام الغزالي رحمه الله شرف النسب من ثلاث جهات:

إحداها: الانتهاء إلى شجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يعادله شيء.

الثانية: الانتماء إلى العلماء فإنهم ورثة الأنبياء صلوات الله وسلامه.

الثالثة: الانتماء إلى أهل الصلاح المشهور والتقوى قال الله تعالى { وكان أبوهما صالحا }.

قال المفسر والمؤرخ ابن كثير رحمه الله في كتابه: البداية والنهاية (1 / 299)

:” قيل إنه كان الأب السابع وقيل العاشر وعلى كل تقدير فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته”.
وقال الحافظ العالم ابن رجب الحنبلي في كتابه” جامع العلوم والحكم (21 / 9):” قال سعيد بن المسيب لابنه : لأزيدنَّ في صلاتي مِنْ أجلِك ، رجاءَ أنْ أُحْفَظَ فيكَ ، ثم تلا هذه الآية{وَكَانَ أَبُوْهُمُا صَالِحاً }”.

وقال ابن بطال في شرح صحيح البخارى (7 / 354) عند حديث الْمِسْوَر رضي الله عنه سَمِعْتُ النَّبِىّ ( صلى الله عليه وسلم ) عَلَى الْمِنْبَرِ يقول : ( إِنَّ بَنِى هِشَامِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِى فِى أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ ، فَلا آذَنُ ، ثُمَّ لا آذَنُ ، ثُمَّ لا آذَنُ إِلا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِى طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِى ، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ ، فَإِنَّمَا هِىَ بَضْعَةٌ مِنِّى ، يُرِيبُنِى مَا أَرَابَهَا ، وَيُؤْذِينِى مَا آذَاهَا ) .

قال ابن بطال رحمه الله:” وفيه : بقاء عار الآباء فى أعقابهم وأنهم يعيرون به ، ولا يوازون الأشراف كما عير رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بنت أبى جهل وهى مسلمة بعداوة أبيها لله ، فحط بذلك منزلتها عن أن تحل محل ابنته ، وكذلك السابقة إلى الخير والشرف فى الدين تبقى فى العقب فضله ، ويرعى فيهم أمره ، ألا ترى قوله تعالى : ( وكان أبوهما صالحًا ) [ الكهف : 82 ]” .

الوقفة الثالثة:

حين يتكلم المرء عن تاريخ شخص ما فهو بين أمرين:إما أن يتكلم بعلم وعدل, وإما أن يتكلم بجهل وظلم.
والله أمرنا أن نتكلم بعلم (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) وبالعدل (وإذا قلتم فاعدلوا)
والله تعالى حذرنا أن نتكلم بجهل فقال سبحانه { وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا (36) } من سورة الإسراء.

ومعنى الآية كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. وقال قتادة رحمه الله: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم.

قال إمام المفسرين الطبري رحمه الله:(ج 17 / ص 447) “وهذان التأويلان متقاربا المعنى، لأن القول بما لا يعلمه القائل يدخل فيه شهادة الزور، ورمي الناس بالباطل، وادّعاء سماع ما لم يسمعه، ورؤية ما لم يره”.

وحرم علينا أن نتكلم بظلم فقال جل وعز { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) } من سورة الأعراف. والشاهد من الآية (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ). وتفسير الآية كما قال الطبري رحمه الله:(ج 12 / ص 555) “ولا تظلموا الناس حقوقهم ، ولا تنقصوهم إياها”.

الوقفة الرابعة:

جرت سنة الله تعالى أنه لا يخزي أهل المكارم الفاضلة, ولا يبتر سبحانه ذكر أرباب الشيم الكاملة. ومن هنا فليس بمقدور أحد أن يغالب سنة الله الغالبة, ولايخالف مشيئته النافذة. ومن اعتقد أنه بإمكانه أن يلحق العار بأهل الفخار, أو يخفي بدثار الحسد شعار الأسد فهو كمن يريد أن يحول بين الناس وبين التأثر بقانون الجاذبية على الأرض,وأنى لمثل هذه المحاولات النجاح. فالناس مجبولون على حب الجميل من الخلال والحسن من الفعال.

ومصداق ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها قالت:”أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ قال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال
{ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم }

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي نزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أومخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي”. والحديث أخرجه البخاري ومسلم.

والشاهد من الحديث قول خديجة: “والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق”.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله:”استدلال الصديقة الكبرى أم المؤمنين خديجة بما عرفته من حكمة الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته ورحمته أنه لا يخزي محمدا صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يصل الرحم, ويحمل الكل ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب الحق ، وإن من كان بهذه المثابة فإن العزيز الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإله العالمين لا يخزيه ، ولا يسلط عليه الشيطان….فهذا معرفة منها بمراد الرب تعالى وما يفعله من أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته وإحسانه ومجازاته المحسن بإحسانه ، وأنه لا يضيع أجر المحسنين” . انظر:إعلام الموقعين عن رب العالمين,لابن القيم (ج 1 / ص 300-299).

الوقفة الخامسة:

الله تعالى بعلمه وحكمته قد فطر الناس جميعا على محبة مكارم الأخلاق, ومحبة أهلها, والثناء بها عليهم. وهذا هو شأن أصحاب الفطر والعقول السليمة, لا أرباب الفطر والفهوم السقيمة.

ومن يظن أنه يمكن أن يبغض إلى الناس صاحب المكارم, فلا يروا له فضلا, ولا يحكوا عنه نبلا. فقد صادم الفطرة التي فطر الله الناس عليها, وهو أشبه بمن يطالب الناس أن يبغضوا جمال الطبيعة, فيصموا آذانهم عن خرير مياهها, وأن يغضوا أبصارهم عن بديع مناظرها,فلا يحتفظوا بصورها, ولا يلتقطوا مشاهدها.

فالرسام الماهر والشاعر الباهر حين يرسم الأول خياله الباصر, ويكتب الآخر وجدانه الناظر, نجد منعهم من المحال لأنهم هكذا فطروا إلا حين تطمس الفطرة, ويغيب العقل. على نحو قول الشاعر العربي:

يقضى على المرء في أيام محنته — حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

وتأمل معي هذا الحديث عن عروة ابن الزبير عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: ” لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي قال ابن الدغنة إن مثلك لا يخرج ولا يخرج فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلادك فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر…”الحديث بطوله في البخاري.
والله أعلم وأحكم, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

———

المصدر : صيد الفوائد

-- سعد مقبل العنزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*