الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الجاليات الإسلامية في الغرب وإثبات الوجود

الجاليات الإسلامية في الغرب وإثبات الوجود

تعتبر قضية الجاليات الاسلامية في اوروبا واحدة من أكثر القضايا الإسلامية تفجّرًا وحيوية ، لأنها تمس أوضاع ومصالح ملايين المسلمين الذين يعيشون خارج ديار الأوطان ، ويعانون الكثير من المشاكل التي يسببها لهم الإحساس بالاغتراب وما له من تداعيات مختلفة.

ومع ذلك فقد استطاعت بعض هذه الجاليات أن تجد لنفسها مواقع سياسية واقتصادية واجتماعية في الدول التي تعيش فيها ، معطية صورة إيجابية لأهلية الإنسان المسلم لاحتلال مكان الصدارة ، ولفرض احترامه وتقديره وإفساح الطريق أمامه ، وتجتاز الجاليات الإسلامية في أوروبا في الاونة الاخيرة مرحلة مثيرة على جميع الأصعدة الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية ، حيث أصحبت محل اهتمام كافة التيارات المجتمعية من اليمين أو اليسار كصيد ثمين للاصوات في المواسم الانتخابية.

هذا بالاضافة الى أصوات أبناؤها المطالبة بحقوق تعلم الدين الإسلامي في المدارس العامة أسوة بالديانات الأخرى ، وعلى رغم من صعوبة تقدير كم هذه الجاليات الى ان التقديرات التقريبية تشير الى ان عدد المسلمين في أوروبا يقرب من نحو 20 مليون من إجمالي 490 مليون هم سكان الاتحاد الأوروبي، مما يجعلها دائماً هدفاً لنشاطات الممثليات الأجنبية من أجل الحفاظ على التأثيرات السياسية والاجتماعية لدول الأصل.

هذا بخلاف الحذر الكامن داخل صدور الأوساط الأمنية الأوروبية من تنامي الجاليات الإسلامية والخوف من تشكيل طابوراً خامساً “إسلامياً” داخل أوروبا ذات الخلفية الثقافية المسيحية واليهودية ، ويثير كثير من الباحثين قضية اختراق الإسلام قلب المجتمعات الأوروبية فيما يطلقون عليه “حدودًا جديدة لدار الإسلام” .

وهم يقصدون بذلك الوجود الإسلامي المتنامي في أوروبا ، وهنا نشير الى مايثيره المهتمون بهذه القضية أمثال البروفسيور “طارق رمضان” المصري الأصل السويسري المولد والجنسية المممثل لمركز “دراسات الإسلام والديمقراطية”، والذي أكد على أن أخطَـر ما يتهدّد المُـجتمعات الغربية ، ليس هو الوجود المتزايد للمسلمين في تلك المجتمعات ، وإنما هو التوجّـه السائد فيها لتغذِية الخوْف من الآخر والشروع في اتخاذ إجراءات تتناقَـض مع قِـيَـم تلك المجتمعات ، انطلاقا من مشاعر الخوْف التي تسْـمو على قِـيم التعدُّدية والإنفتاح وحرية العقيدة وحرية التعبير بشكل واضح ، والذي سُـرعان ما أدّى إلى إدخال تعديلات على الدستور السويسري والدستور الفرنسي وغضِّ الطّـرف عن الحقوق التي يكفلها الدستور الأمريكي ، وتنافس بين بلجيكا وفرنسا ومقاطعة كِـبيك في كندا ، على مَـن منها سيتوصّـل إلى الطريقة الأصحّ لحظر النقاب ، وتنافس بين سويسرا وألمانيا حول حظر المآذن أم حظر المساجد ، وكل تلك التحرّكات مدفوعة بتوجّهات يمينية للتّـشتيت الإستراتيجي ، بهدف تجنّـب الحوار حوْل الحاجة الفعلية لإدماج المسلمين في الغرب ، كجزء لا يتجزّأ من نسيج المجتمعات الغربية ، وهنا نحاول القاء نظرة عن قرب عن اوضاع الجاليات لاسلامية بالخارج .

الجاليات الاسلامية في سويسرا

تـُمثل الجاليات المسلمة في سويسرا حسب آخر إحصاء عام نحو 4.5% من إجمالي السكان ، أما المسلمون الحاملون للجنسية السويسرية ، فتقل نسبة من حصلوا منهم على الجواز السويسري منذ الولادة عن 4%، وفي الحقيقة لا توجد أرقام رسمية عن عدد معتنقي الإسلام الجدد في سويسرا ، فيما تقدر الباحثة سوزان لوينبرغر الاستاذة بجامعة “برن” عددهم بحوالي 10000 ، أغلبهم اعتنق الإسلام للزواج من مسلمة أو من مسلم.
 
وقد عاد الجدل حول الإسلام والمسلمين في سويسرا في الآونة الأخيرة إلى الواجهة بعد هدوء نسبي عقب إقرار حظر المآذن ، ومن ثم المطالبات بحظر ارتداء النقاب ” البرقع ” ، أو استبعاد “الشورى الإسلامية المركزية بسويسرا” من المشاركة في المحادثات بين وزارة العدل وعدد من الشخصيات المسلمة.

وهنا يشير ماريو غاتيكار نائب مدير المكتب الفدرالي للهجرة والمسؤول عن ملف الاندماج والحوار مع المجموعات الإسلامية ، الى القناعة الواضحة لدى الحكومة التي تفيد بأن للمسلمين مكانهم في المجتمع السويسري ، ولابد من إيجاد الصيغ والقواعد التي تنظم العلاقة بينهم وبقية فئات المجتمع المحلي، أما الخبير السويسري ستيفان لاتيون، الخبير الجامعي ورئيس مجموعة الأبحاث حول الإسلام في سويسرا فيعتبر أن إقرار الحكومة السويسرية بحقيقة للوجود الإسلامي في البلاد، هو دليل على نضج الوعي لدى أصحاب القرار بأهمية الحضور الإسلامي المتزايد في سويسرا ، وهي علامة جيّدة”.

لم يتوقف الامر عند المؤيدين فقط للتواجد الاسلامي بالمجتمع السويسري بل هناك دعوات عدائية مثلما جاء على لسان رئيس المكتب الفدرالي للهجرة ، حيث أكد ألار دو بوا ريمون ، على ان مُــعتــنقو الإســلام الجـــُدد يــُثـــيرون بعض المخاوف في سويسرا ، مشيراً الى ان بعض الشبان السويسريين الذين اعتنقوا الإسلام حديثا يشكلون تهديدا مُحتملا على أمن البلاد”، فيما أكد دو بوا ريمون على أن مُعتنقي الإسلام الجُدد يضُمّون في صفوفهم أشخاصا يريدون “تغيير المجتمع جذريا”، مُستشهدا بأمثلة في بريطانيا وألمانيا حيث وفــّرت مطالب شبيهة “أرضية خصبة لإرهابيين مُحتملين”.
 
ولكن الغريب في ألامر هو أن المجتمع السويسري ، وفي خضم الجدل الدائر حول بناء المآذن، قد بدأ يتذكر بأنه متشبع بحضارة يهودية مسيحية ، وهو ماحذر منه عالم الاجتماع، كورت إيمهوف، من حدوث تغيير في الثقافة السياسية في سويسرا، وبعد استعراض العديد من الاراء حول القضية مع امثلة عن احوال الجاليات الاسلاالمية، نستنتج ان هناك حالة من الإسلاموفوبيا تفوق المعاداة للسامية من ناحية الأهمية، في الوقت الذي يشكل فيه مسار اندماج السكان المسلمين حقيقة تاريخية ثابتة ويجعل الإسلام شأناً أوروبياً ، وهو مايضع السكان المسلمين وكذلك السلطات العامة وكافة الأطراف المعنية أمام تحديات تاريخية غير مسبوقة.

-- موقع علامات أونلاين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*