الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » طهران والصحوة والثورات مرة أخرى

طهران والصحوة والثورات مرة أخرى

انعقد في طهران وعلى مدى ثلاثة أيام (28 – 30/1/2012) مؤتمر بعنوان «الصحوة الإسلامية والثورات»، وقد حضره مئات من شبان الحركات الإسلامية بالبلدان العربية والعالم الإسلامي، وتحدث فيه كبار القادة الإيرانيين وعلى رأسهم المرشد الأعلى للثورة.

 

وكانت المقاربة المعتمدة أن الصحوة الإسلامية التي كانت الثورة الإسلامية في إيران أبرز نتائجها هي التي تسببت في إحداث الثورات الجارية في العالم العربي، والتي تتجه لإنتاج أنظمة حكم إسلامية على شاكلة النظام السائد بطهران. 

 

وهذا الاستنتاج ما توصل إليه السيد خامنئي منذ الأسبوع الثاني للثورة بمصر، بل توصل إليه كثير من الشبان والكهول العرب المشاركين في مؤتمر الصحوة هذا أيضا، ومنهم عديدون ممن يتداول الإعلام أسماءهم وألقابهم بشكل شبه يومي، وبخاصة بعد فوز الحركات التي ينتمون إليها في الانتخابات في عدة مواطن.

 

لماذا مؤتمر الصحوة بطهران الآن؟ كان السيد خامنئي – كما سبق القول – قد صرح في الأسبوع الثاني للثورة المصرية موجها حديثه بالعربية إلى «الإخوان المسلمين»، طالبا منهم إقامة حكم الإسلام في بلادهم كما وعدوا جماهيرهم، والتمرد على «كامب ديفيد» وقيودها على إرادة الشعب المصري. 

 

وأحرج «الإخوان»، وبخاصة أنهم كانوا بالكاد قد شاركوا في الثورة آنذاك، فصرح رئيسهم بأن الثورة المصرية ليست ثورة «الإخوان»، بل هي ثورة الشعب المصري! 

 

وبعد ثلاثة أشهر من حديث خامنئي انعقد بطهران مؤتمر للصحوة، كان أكثر الحاضرين فيه من الإسلاميين السنة، وليس بينهم من الشيعة غير ممثلي حزب الله وممثلي الأحزاب الشيعية بالعراق. ويومها خطب العشرات أيضا، وشددوا على وحدة المسلمين وحركات الإسلام السياسي بزعامة طهران. 

 

وتمايز خالد مشعل بعض الشيء، وأشاد بإرادة الفلسطينيين في المصالحة، وهو لم يذهب إلى طهران في مؤتمر الصحوة الثاني هذا، بينما كان خطاب رمضان شلح هو أكثر الخطابات حماسا وتألقا وإشادة بطهران ونهجها ونضالها. 

 

وفي المؤتمر الأول ذاك، حاول الإيرانيون أن يضعوا مقياسا لثورية الثورات وأمانتها بالنظر في أحاديثها عن الجهاد والمقاومة. 

 

أما هذه المرة فبالإضافة إلى المقاومة، كان هناك موضوع ثان تمثل في الهجوم على الولايات المتحدة التي تشدد الخناق على طهران الآن بسبب النزاع بشأن النووي معها.

 

إنما الفروق بين المؤتمرين لا تقتصر على ذلك. ففي المؤتمر الأول ما كان الموضوع السوري قد صار محْرِجا، ولذا اكتفى الطهرانيون بالتشنيع على العرب كونهم تجاهلوا «ثورة» البحرين و«احتلال» البلاد من جانب قوات «درع الجزيرة» التابعة لمجلس التعاون الخليجي.

 

 أما هذه المرة فقد اضطروا للدفاع عن النظام السوري الذي «اتهموه» بالعداء لأميركا وإسرائيل، وقالوا إن ممانعته هي سبب التآمرِ عليه، ولولا ذلك لما حدثت فيه الأحداث المؤسية. وكانوا من قبل يطالبون النظام بالإصلاح، لكنهم هذه المرة ما طالبوه بشيء، بل أدانوا خصومه ومعارضيه!

 

إن السبب الأول لانعقاد المؤتمر الثاني للصحوة هو الصراع مع الولايات المتحدة، والعزلة التي فرضتها على طهران، والضيق الذي تعانيه الجمهورية الإسلامية من جراء الحصار الاقتصادي. 

 

وهكذا استوفدت إيران زهاء الألف والخمسمائة شاب أكثرهم من العرب، لتقول للعالم إنها ليست معزولة، بل هي غارقة في عسل تضامن الإسلاميين من سنة وشيعة، والذين وصل بعضهم إلى سدة السلطة، ومنهم من ينتظر وما بدل تبديلا. وتتفرع من هذا السبب علة أخرى، وهي أن الصراع ناشب الآن بين إيران ودول الخليج وفي طليعتها السعودية. 

 

والخليجيون يقولون إنهم غير سعداء بالنووي الإيراني منذ اللحظة الأولى. لكنهم الآن أكثر سخطا على طهران لتهديدها بإغلاق مضيق هرمز من حيث يصدرون بترولهم، كما أنهم غير سعداء أيضا بدعم طهران للحركات الشيعية الانقسامية في الخليج وبلدان العالم العربي الأخرى. 

 

وهكذا فقد استوفد الإيرانيون شبانا من أكثر الدول العربية، وهم عرب وجاءوا لشتم العرب بحجة تآمرهم مع الولايات المتحدة على الجمهورية الإسلامية وعلى نظام الممانعة بدمشق، وعلى قوى الثورة الإسلامية بفلسطين!

 

أما السبب الثاني لعقد مؤتمر الصحوة هذا، فهو إظهار نفوذ إيران في أوساط الإسلاميين العرب الذين بدأوا يصلون للسلطة. وقد صارت مسائل «تصدير الثورة» محل نزاع في أوساط المحافظين، بعد إخراج محمود أحمدي نجاد منهم. 

 

وقد تكلم بعض البرلمانيين عن فساد الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، والذي نظم خلال عقد ونصف العقد مسائل الانتشار الإيراني في العالم العربي وبخاصة ما تعلق منها بالأمن والعسكر والعمليات الخاصة. 

 

وقبل شهر ونصف الشهر ظهر سليماني غاضبا وصرح بأنه إن أصابه شيء في طهران؛ فإن «الإخوة في مصر» سينتقمون له! وقد كان يعني بذلك كما أضاف أنه «أوجد للجمهورية الإسلامية عشر إيرانات داخل العالم العربي»، فكيف يحاسب على أمور تافهة كهذه؟!

 

وقبل أسبوع عاد سليماني للقول – بعد أن رشح نفسه لرئاسة الجمهورية خلفا لأحمدي نجاد – وفي مجال تهديد الولايات المتحدة، إنه صنع من العراق وجنوب لبنان منطقة نفوذ لإيران. وقد كان بذلك متواضعا، إذ الصحيح أن حزب الله ربيبه يسيطر على حكومة لبنان الآن ومن الجنوب إلى الشمال (!). 

 

وبذلك فإن استجلاب هؤلاء الشباب إلى طهران فيه إظهار لنفوذها في شتى أنحاء العالم العربي، وفي ذلك دليل على نجاح طهران في سياسات تصدير الثورة، ومن أجل ذلك يستحق صانع هذا النصر كل تقدير وإعجاب!

 

 ولذا فإن أوراق طهران لا تقتصر على النووي ومضيق هرمز، بل هناك الحركات المسلحة في العراق ولبنان، والأحزاب الإسلامية بشتى بقاع العالم العربي، وكلها على ولاء لطهران واستعداد للتعرض للمصالح الأميركية، إن اشتبكت إيران مع الولايات المتحدة فوق الخليج أو في أي مكان آخر!

 

هل صحيح أن طهران تملك كل هذا النفوذ في العالم العربي؟ 

 

نعم، في المبدأ هي تملك الكثير. فقد أقامت خلايا وأحزابا في أوساط الشيعة العرب، وهي قادرة على تحريكهم وتحريك سياسييهم عندما تشاء. كما دعمت حركات نضالية مثل حماس والجهاد الإسلامي والفصائل التي احتضنتها دمشق. 

 

والشأن في الحركات السنية غيره في الحركات الشيعية. فلا شك أن حماس تعاني من إحراج شديد، ليس بسبب طهران مباشرة، بل بسبب النظام السوري. وإذا دخلت المصالحة مع فتح، وجددت علاقاتها بدول الخليج؛ فإنها لا تستطيع أن تبقى على ولائها لطهران، ومعاداتها للتسوية إن ظهرت فرصة لذلك. 

 

إنما الأكثر وقوعا في الإحراج الآن حركات «الإخوان المسلمين» والتي تلقت دعما من طهران لمعارضتها لأنظمة الحكم في بلدانها ولتحالفها مع حزب الله ومع النظام السوري. 

 

وها هم الإخوان يصلون للمجالس التشريعية ورئاسة الوزراء، فكيف سيتصرفون إن ازدادت الضغوط الدولية على طهران، وطلبت منهم إيران المساعدة ولو في الإعلام والمؤسسات الدولية؟!

 

 يمكن أن يقفوا في موقف وسط بين السعودية وطهران، كما يحاولون أن يفعلوا بين النظام السوري ومعارضيه. ويمكن أن يقفوا مع النظام الإيراني للعلاقة الوثيقة السابقة، وإن كان ذلك غير مرجح.

 

كان الملك عبد الله الثاني قد تحدث عن الهلال الشيعي الذي يتمدد من طهران إلى العراق وسوريا ولبنان.. وحماس بغزة وفلسطين. وتحدث الأمير سعود الفيصل عن «الخواء الاستراتيجي» في المنطقة، بحيث يتنافس عليها جوارها (إيران وتركيا)، والمهيمنون الدوليون. 

 

والآن تقول تركيا إن لديها علاقات استراتيجية مع إيران، وهي لا بد أن تسايرها وألا تغضبها، فضلا عن اهتمامها مثلها باجتذاب الإسلاميين إلى نموذجها وممارساتها.

 

ولهذه الأسباب كلها لا ينبغي إهمال معنى مؤتمر الصحوة الثاني بطهران، والذي هدف إلى جمع الإسلاميين، بعد أن ضاقت بالإيرانيين السبل، وصار ضروريا التهديد بالسلاح، بعد أن كان التهديد سابقا منصبا على الانتشار الأفقي والرأسي في بلدان الوطن العربي.

—–
نقلاً عن الشرق الأوسط

-- رضوان السيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*