الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أشكال التدين في المغرب

أشكال التدين في المغرب

يتميز المغاربة بإتباعهم للمذهب المالكي حيث اعتمدوا واستوعبوا قضاياه العقدية مثلما ما استوعبوا قضاياه المتعلقة بالفقه العملي . وما قوى رغبة المغاربة في التشبث بالمذهب المالكي أنه ليس مذهبا فقهيا فقط ، وإنما هو مذهب يبرز من خلال نصوصه مدى حرص مؤسسه الإمام مالك رحمه الله على إبراز موقفه الصريح من كبرى القضايا العقدية، وهو ما حدد انتماء المذهب إلى تيار أهل السنة والجماعة. 

وساهم المذهب المالكي بخاصيته هذه في تحصين عقيدة المغاربة حتى لا تتسرب إليها شبهات الطوائف الأخرى فتفسدها . وقد كتب شهاب الدين القرافي في كتاب الجامع من الذخيرة بحثا مطولا استعرض فيه مجمل اعتقاد مالك في الله سبحانه وفي الأنبياء والصحابة ، وفي التقليد في العقيدة ، وفي البدع الفكرية. 

و علق القرافي على هذا المبحث فقال: “هذا الكتاب يختص بمذهب مالك لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب”. كما مثّل الجانب العقدي في المذهب المالكي عنصر الممانعة والمقاومة المستمرة للانحرافات الفكرية والعقادية ، حيث حافظ المغاربة على وسطيتهم واعتدالهم . 

ومما عزز ثقافة الوسطية وعقائد الاعتدال اختيار المغاربة عقيدة أهل السنة الصافية لما لمسوه فيها من حفاظ على جوهر العقيدة، وحرص على درء التشبيه والتعطيل، ولما لمسوه فيه من وسطية تتجاوز القراءة الحرفية للنصوص، كما تتجاوز التأويل البعيد الذي يصادر دلالة النص من غير داع ملجئ إليه، وهكذا وقف فكر أهل السنة موقف العدل والاعتدال من كل القضايا التي بلغ التباين فيها حد التناقض. 

ومما يتميز به الإمام مالك رحمه الله أنه عندما يطلق الرأي يعني به فقهه الذي يكون بعضه رأيا اختاره من مجموع آراء التابعين، وبعضه رأيا قد قاسه على ما علم، ومن ثم فإن باب أصول فقه الرأي عنده هو ما عليه أهل المدينة وعلم الصحابة والتابعون. 

ويمكن تلخيص ذلك في قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد التي عليها مدار مقاصد الشريعة الإسلامية.

 فهذا هو أساس الرأي عنده مهما تعددت ضروبه واختلفت أسماؤه، أو كما قال أبو زهرة “فالرأي سواء كان بالقياس أو كان بغيره من الاستحسان أو المصالح المرسلة أو سد الذرائع قوامه جلب المصالح ودرء المفاسد.”ومراعاة المصلحة في المذهب المالكي ليس مجرد الأخذ بالمصلحة المرسلة حيث لا نص ولا قياس بل هو استحضار المصلحة عند فهم النص وعند إجراء القياس، فضلا عن حالات إعمال المصلحة المرسلة . 

وظل المغاربة يحافظون على نمط تدينهم قرونا عديدة لم تفلح التيارات والطوائف الأخرى اختراقها حتى بعد تأسيس دولة الأدارسة التي أسسها المولى إدريس الأول ، وهو شيعي المذهب  ،وحاول نشر عقائد الشيعة ومذهبهم لكنه فشل . 

إلا أن هذا الصفاء المذهبي والانسجام العقدي الذي ميز المغاربة قرونا بدأ يتعرض للتشويش والتشويه والاختراق ابتداء من سبعينيات القرن العشرين ؛إذ لعبت العوامل السياسية دورا مركزيا في دعم الجماعات الإسلامية ، أو ما بات يصطلح عليه بالإسلام السياسي في إطار الإستراتيجية التي نهجها النظام المغربي لمواجهة المد القومي واليساري ، وشكلا معا إيديولوجيا المعارضة السياسية للنظام . 

وهكذا كان أول مولود تشرف عليه الدولة ، ويتعلق الأمر  بالشبيبة الإسلامية التي أسسها عبد الكريم مطيع سنة 1970 برعاية المخابرات المغربية .  

يقول عبد الكريم مطيع عن النشأة الأولى ( لقد مرت لحد الآن اثنتان وثلاثون سنة على البداية التأسيسية للتيار الإسلامي المغربي الذي أجرى الله بفضله على يدي ـ في بداية 1970 ـ وضع لبناته الأولى . ثم مع مطلع سنة 1972 سُيِّج هذا التيار بروافد من جمعيات تربوية كان ضمنها منظمة الشبيبة الإسلامية )( الصحيفة عدد 56 ـ 8 مارس 2002 ) . 

بحيث جعلت الشبيبة الإسلامية هدفها يتمحور حول محاربة ” التوجهات الفكرية والعقدية ” التي اعتبرتها ، كما الدولة ، ” مهددة لمقومات البلاد والعباد” . 

وهذا ما أكده مطيع في قوله ( أؤكد بادئ ذي بدء أن التيار الإسلامي الذي أشرفت على تأسيسه لم يكن في أول أمره مشروع حزب سياسي أو تدخلا نضاليا في سير المجتمع ، أو مجال اتخاذ القرار ، وإنما كان منهج عمل تربوي لإعادة بناء العقل والوجدان وهيكلتهما على أسس سليمة بعد أن استبد بهما ما كان سائدا من توجهات فكرية وعقدية وسلوكية اعتبرت مهددة لمقومات البلاد والعباد ) . 

وسيزداد الوضع خطورة مع نجاح الثورة الإسلامية بقيادة الخميني في إيران سنة 1979 ، بحيث صارت هذه الثورة وتجربتها في إسقاط نظام الشاه الذي طالما دعمته الإمبريالية العالمية ، نموذجا ملهِما لهذه الجماعات ومؤججا لمشاعرها الثورية ، وميولات العنف لديها . 

مما حذا بها إلى الانتقال إلى مستوى أخطر في ممارستها ، هو مستوى العمل المسلح . 

وهذا ما نقرأه في شهادة حكيمي بالقاسم ، المعتقل الإسلامي الذي كان من ضمن المجموعة التي تدربت على حمل السلاح واستعماله ضد الدولة والمجتمع المغربيين ، بقوله ( ولم يكن عمري آنذاك ولا ثقافتي يسعفاني لأتساءل عن معنى الدولة الإسلامية المنشودة ، ولا عن وسائل التغيير المرتقب من الناحيتين السياسية والشرعية ، كان الأمر لا يعدو خطابا دينيا تهييجيا .

 في هذا الإطار قيل لنا : ستذهبون لتتدربوا في الخارج ، فذهبنا ، والآن وبعد هذه السنين الطويلة داخل المعتقل .. 

أطرح الأسئلة المرة التالية : أي مشروع للدولة الإسلامية كنا سنأتي به من عند جنرالات الجزائر ؟

وضد من كنا سنحمل السلاح ؟ 

وهل العنف يمكن أن يكون وسيلة للتغيير ؟

 وهل كانت حركة الشبيبة الإسلامية قادرة ماديا ومعنويا على إدارة هذا العنف ضد النظام ؟ 

هذه الأسئلة تجعلني أفكر أننا لم نكن إلا أدوات صغيرة في عنف صغير كانت له أهداف أخرى غير معروفة . 

إذن تدربنا في الجزائر وأدخلنا السلاح ليتم اعتقالنا في 10/7/1985 )( الصحيفة عدد 56). 

لقد ازداد وضع الدولة صعوبة بعد أن انتقل هؤلاء الإسلاميون ـ أبناء الدولة بالتبني ـ من حلفاء يصونون نظام الحكم ويحمون مقوماته ضد التيارات الثورية : التقدمية والقومية ، إلى أعداء يهددون مقومات النظام وركائز الدولة . 

رغم هذا المآل الذي انتهى إليه مخطط الدولة ، فإنها ـ الدولة ـ ستبقى متشبثة بنهج التبني ، إذ عملت ـ من حيث الإشراف وتيسير الولادة ـ على خلق جماعة إسلامية جديدة تنازع الجماعةَ المتمردةَ شرعيتها السياسية من جهة ، ومن أخرى تسند وتحمي ظهر نظام الحكم ، سيما وأن قطب هذه الجماعة ـ الشيخ ياسين ـ لم يفتأ يدعو إلى وجوب طاعة ولي الأمر ويفتي بذلك لدرجة أن خصومه اتهموه بالعمالة للقصر ، كما جاء في ” رسالة الإسلام أو الطوفان ” التي وجهها للعاهل المغربي المرحوم الحسن الثاني سنة 1974 . 

فضلا عن ذلك ، فإن الشيخ ياسين عرف عنه ، وصرح بذلك وحرض عليه ، عداؤه لليساريين والاشتراكيين والقوميين . ومن شأن هذا الموقف المبدئي أن يخدم أهداف النظام خاصة في تلك المرحلة التي تقوت فيها الأيديولوجية الثورية وعمت المؤسسات الجامعية والثانوية . 

فالشيخ يخدم النظام من هذه الناحية ، أي التصدي للفكر الثوري اليساري والقومي ، كما يخدمه أيضا من جهة التأثير على مواقف أعضاء الشبيبة الإسلامية وحملهم على اعتبار الصراع ضد اليساريين والقوميين هو الصراع المركزي والأساسي الذي يتوجب التوحيد ضده . 

بينما الصراع ضد نظام الحكم هو صراع ثانوي ينبغي تأجيله وتجنب خوضه في مرحلة ما أحوج الإسلاميين إلى سطوة الدولة وقوتها لدحر الثوار اليساريين والقوميين .  

وفي هذا السياق يؤكد محسن بناصر الناطق الرسمي باسم الأمانة العامة للشبيبة الإسلامية ( ولئن كان الرعب من هذه العودة ـ عودة مطيع ـ جعل من بعض الفصائل الإسلامية أذنا صماء ولسانا أخرس كلما سألناهم حقنا عليهم في النصرة والتضامن ، مع أننا أيدناهم في أشد حالات محنتنا ، ومع أن جماعتهم أنشأتها السلطة في دجنبر 1975 للتغطية على قمعنا وشل حركتنا ، كما صرحت بذلك ابنة الأستاذ ياسين لمجلة الوطن ( العدد 1270 بتاريخ  6 ـ7 ـ 2001 ) حيث قالت بالحرف الواحد : ” فجاءوا إليه برخصة وقالوا له عليك الآن إصدار جريدة وكانت هذه النواة الأولى لتكوين جماعة العدل والإحسان ) ( الصحيفة عدد 65) .

 وبذلك ستلتحق أعداد هامة من أعضاء الشبيبة الإسلامية بالشيخ ياسين . إذن استطاعت الدولة أن تستبدل عجلة الإنقاذ بأخرى ، ولكن إلى حين .

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*